السبت 14 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 15 فبراير 2003 بعد وفاة جاك بيتون لم تتضح الحقيقة بشكل كامل، اذ يعترف الشاباك بأنه ليس واضحاً له ما الذي فعله (ياتيد) بالضبط خلال الأعوام التي قضاها في أوروبا، فهناك في أوساط قدامى الشاباك من يشك بأن (ياتيد) قد تاب ورجع عما اقترفت يداه وعاد الى أحضان المخابرات المصرية. كما ان هذه الشكوك لا تزال حتى اليوم تساور موظفين كبار سابقين في الشاباك، أي ربما يكون (ياتيد) على الرغم من كل ما فعل لم يكن عميلاً مزدوجاً وفياً مخلصاً وانما مُضَلِلاً، عميلاً وافق في ظاهر الأمر على ان يصبح مزدوجاً لكنه في حقيقة الأمر ظل وفياً لمرسليه الأصليين المصريين. بعد وفاته روى مسئول المخابرات المصرية قصة للكاتب والروائي المصري صلاح مرسي الذي تعتبر قصص التجسس مجال خبرته، والذي أقنعهم بالسماح له بالوصول الى ملف هذه الحالة ضمن قيود معينة، فبدأ مرسي ينشر نتائج دراسته لقصة الجاسوس وبدأ اجراء المقابلات في ربيع 1988 في الصحف الرسمية المصرية وبعض المجلات الأسبوعية حيث وصف (رفعت الجمال) بقوله: «لقد كان بطلاً وطنياً عمل طيلة عشرين عاماً في قلب دولة العدو الاسرائيلي من دون ان ينكشف أمره، كما قام بارسال التقارير الاستخبارية الكثيرة والقيمة والكاملة عما يجري في اسرائيل قبل عام 1967 وما بعدها، انه شخصية تستحق الاعجاب والتقدير». هذا ما قاله الروائي صلاح مرسي في مجلة «المصور» في ابريل 1988. لقد كان الهدف من سلسلة اللقاءات والمقابلات هذه اعداد مسلسل تلفزيوني مثير، وقد تم بث هذه السلسلة عبر 120حلقة في التلفزيون المصري ابتداءاً من مايو 1988، وأثارت اعجاب ملايين المشاهدين، كما تم بثها وعرضها فيما بعد في تلفزيونات دول كثيرة في العالم العربي منها الأردن، سوريا، دولة الامارات العربية المتحدة، حيث حظيت بالنجاح الباهر. هذا ولم يكتف مرسي بالمسلسل التلفزيوني، بل نشر كتاباً عن الجاسوس الجريء الذي تسلل الى قلب اسرائيل، وقد لاقى الكتاب رواجاً كبيراً، وبناءً على طلب المخابرات المصرية قام مرسي باستبدال أسماء الأبطال وأسماء الأماكن التي عملوا بها فكان الاسم الجديد الذي مُنح للجاسوس في جميع المنشورات في الصحافة المصرية المكتوبة والالكترونية هو (رأفت الهجان). والجدير بالذكر هو ان الهوية اليهودية التي ساعدت الهجان في الهجرة الى اسرائيل كانت تحت اسم (دافيد شارل سمحون)، هذا ويمكن الافتراض ان هذه هي الكنية الحقيقية للجاسوس لدى المخابرات المصرية. أما مكتب السفريات الذي عمل من خلاله فقد أطلق عليه (ماغي تورز) وفي مسلسل صلاح مرسي يقع هذا المكتب في شارع بن يهودا بتل أبيب. فالترود تحكي ان الأصداء الواسعة التي رافقت مسلسل «رأفت الهجان» دفعت النقابات المهنية في مصر الى مطالبة الحكومة بنصب تمثال له في أحد ميادين القاهرة الرئيسية. ان الحماس والاندفاع من جانب الصحافة والشارع المصري لم يتوقف، فبعد عرض المسلسل التلفزيوني تم الكشف عن الاسم الحقيقي لبطل المسلسل: رفعت علي الجمال وكذلك اسمه اليهودي جاك بيتون. وازاء كل ذلك التزمت اسرائيل جانب الصمت ورفضت التعقيب على ما أوردته الصحافة والنشرات الأخرى المصرية، بدأت الصحافة في مصر تكشف النقاب عن أقارب رفعت علي الجمال الفخورين به مثل أخيه الأكبر(لبيب علي الجمال) وهو مدقق حسابات، عقد مؤتمراً صحافياً تحدث خلاله عن أخيه الذي يصغره بثلاث سنوات «رفعت» من مواليد عام 1929 في دمياط لعائلة من التجار، والده تاجر فحم توفي عام 1936 وترك رفعت في السابعة من عمره، فوقع عبء اعالة أفراد الأسرة على (سامي) أخيهم من الزواج السابق للوالد. درس رفعت في ضاحية هليو بوليس في القاهرة وعند انتهائه من الدراسة الثانوية، بدأ يدرس في مدرسة العلوم التجارية، ولكن بسبب بعض الأمور العائلية الصعبة، أصيب رفعت بالكآبة وترك الدراسة، ويقول لبيب : «أخي لم يكن انساناً سيئاً بطبعه لكنه كان طموحاً أي انه أراد فعل أشياء كثيرة الاّ ان ظروف الواقع القاسية وقفت في طريقه حجر عثرة، فقد سافر الى لندن ساعياً لايجاد حظه هناك، حيث عمل في احدى وكالات السفريات الكبرى والتي أوفدته الى كثير من بلاد العالم، وفي وقت لاحق تم توجيه اتهامات له بالاحتيال والاختلاس ففر الى مصر وقد تم تقديم شكوى ضده لدى الشرطة فأعلن عنه كمخالف هارب من وجه العدالة. وتقول حكاية أخرى ان رفعت قد تورط بتزوير جوازات سفر فاعتقلته الشرطة المصرية وفي السجن قامت المخابرات المصرية بتجنيده وتحول الى مخبر في وسط الجالية اليهودية. هذا التعارف مع الجالية اليهودية ومعرفته بعدد من اللغات هيأته لمهمته في اسرائيل. وينفي بعض أفراد عائلة الجمال علمهم بأن «رفعت» كان يعمل ضمن مهمات سرية لصالح المخابرات المصرية، ويقول أحدهم (اعتاد على زيارتنا خلال فترات بعيدة كما ان الزيارات كانت قصيرة بالاضافة الى انه كان خلال هذه الزيارات الخاطفة يقدم المال لأمه وأخيه لاعالة أنفسهم) وعندما نسأله عن أعماله كان يبتسم كثيراً وكأنه بطل العالم الكبير ويتملص من الاجابة. بعدما تم الكشف عن شخصية بيتون الحقيقية في مصر، أدركت «فالترود» بأن زوجها قد تحول الى معبود الجماهير في مصر وفي أوساط ملايين الشباب في العالم العربي، فسارعت الى مغادرة منزلها في ألمانيا وتوجهت الى مصر بصحبة ولديها حيث استأجرت فيلا فخمة في ضاحية هليوبوليس، وتحولت هي الأخرى الى نجم اعلامي. لقد أجرت الصحف والمحطات الاذاعية والتلفزيونية عشرات المقابلات معها. وحول ذهابهما الى اسرائيل تقول فالترود «لقد سافرت معه بعد الزواج الى تل أبيب حيث ذهبنا الى منزله الفخم في احدى ضواحي تل أبيب»، لقد زارنا كبار شخصيات المجتمع الاسرائيلي الراقي، بل زارنا ذات يوم الجنرال موشي دايان، فالشركة السياحية التي كان يملكها بيتون تلقت دعماً كبيراً من حكومة اسرائيل التي كنّا نعرف معظم وزرائها. في الحقيقة قدم بيتون نفسه كيهودي لكنني أحسست بأنه يتجنب ويتنكر بشكل مطلق للطقوس الدينية اليهودية، ولم يكشف لي ذات يوم بأنه في حقيقة الأمر مسلم. وفي عام 1969م انتابته حالات نفسية مختلفة وأخبرني بأنه سئم من العيش في اسرائيل، وقرر تصفية مصالحه وأعماله والهجرة الى ألمانيا، فقام ببيع وكالة السفريات وغادرنا اسرائيل. بعد هجرة بيتون الى ألمانيا استقر في فرانكفورت وقام بفتح وكالة سفريات هناك، وتصف زوجته عدم سهولة الوضع في ألمانيا، حيث لم يكن من السهل ترتيب الأمور في البداية، وخلال تلك الفترة بدأ يزورهم طبيب مصري قّدم نفسه باسم الدكتور محمد الجمال وقد اكتشفت فالترود فيما بعد بأنه من أقرباء بيتون، بل انه أبن أخيه، وتقول «كما ان زوجي بعد عودتنا الى ألمانيا أكثر من زياراته الى مصر»، وعندما سألته كيف تسمح السلطات المصرية للاسرائيلي بزيارة بلادهم ؟ قال لي بأن كونه من مواليد مصر وهاجر منها يحق له مواصلة الاحتفاظ بالجنسية المصرية، وفي عام 1978، تحدث جاك عن امكانية الانتقال للسكن في مصر، وقد توجه الى هناك لهذا الغرض، وعند عودته أحس بالمرض، وفي ابريل 1981 شخّص الأطباء اصابته بسرطان الرئة فاقترحوا عليه اجراء عملية جراحية لكنه رفض، وفي يناير 1982 توفي بيتون. لقد كان ابن أخيه د.محمد الجمال يرافقه على فراش المرض وعندها فقط، وعندما كان بيتون في حالة احتضار أخبرها محمد الجمال حقيقة «بيتون» فهو مصري مسلم اضطر الى تقمص الشخصية اليهودية لأجل أهداف وطنية. تصف شعورها آنذاك وتقول: «لقد سالت الدموع من عيني لماذا لم يخبرني بذلك أيام حياته؟ فأجابني أصدقاء له في فرانكفورت بأنه أراد حماية حياتي وحياة ابنتي وحياة ابننا المشترك دانيئيل». الجاسوس الذي أحبني أما لبيب الجمال شقيق رفعت فقال بأن «رفعت قام بزيارتنا لأول مرة عام 1975م وكانت تلك الزيارة أول زيارة بعد فراق دام عشرين عاماً، وقد أعطاني رقم الهاتف في فرانكفورت، ولكن بعد مرور عام فقط اتصلت به، وكنُت حينها في زيارة الى لندن، ثم زرته في فرانكفورت، وتعرفت على زوجته الألمانية وابنه دانيئيل، وقدمني الى أفراد أسرته على أنني ابن مُدرسه، وفي ألمانيا كان يعرف باسم جاك بيتون، هذا هو الاسم الذي اختارته المخابرات المصرية له، وبهذا الأسم وصل أخي الى مصر في بداية أعوام الثمانينيات من أجل التوقيع على انشاء شركتين للنفط. شركة للتنقيب والبحث عن النفط باسم جافيتكو وأخرى لتسويق النفط باسم (عفيفا) وقد عمل في الشركة أبناء العائلة وعندما توفى رفعت أو جاك بيتون أبرزت صحيفة الأهرام اعلان تعزية بوفاة جاك بيتون. وفي أعقاب نشر كل هذه المعلومات من خلال المسلسل التلفزيوني رأفت الهجان، والمقالات والكتابات بدأت تصدر في اسرائيل أنباء تؤكد ولو بشكل جزئي عما كشفته وسائل الاعلام المصرية، وفي سجل السكان بوزارة الداخلية ظهر بالفعل اسم جاك بيتون وبموجب التسجيل الخاص بالسجل السكاني فأنه هاجر الى اسرائيل قادماً من مصر عام 1957م وغادرها الى الأبد عام 1973م. وكما في مصر، ظهرت عدة مقالات تحدثت عن بيتون، فتحت عنوان «الجاسوس الذي أحبني» كتبت (ايرنا ماراش) عن معرفتها بجاك بيتون، وايرنا من مواليد تشيوكوسلوفاكيا كانت في نهاية الخمسينيات تعمل مصممة أزياء ولها استوديو بمدينة تل أبيب وعرفتها في الأوساط الاجتماعية خلال تلك الحقبة (بامرأة المجتمع). لقد تعرفت على جاك بيتون بالمصادفة في الشارع وكانت بينهما علاقة حميمة. لقد تعددت التقارير الاسرائيلية عن جاك بيتون ولكنها كانت تقارير متقطعة، فلم يكن هناك تقرير جدي وأساسي في وسائل الاعلام الاسرائيلية ازاء ما حدث فعلاً في هذه القضية. أكاذيب وحقائق فيما يلي رد مجلة «المصور» القاهرية على ما جاء في حلقات كتاب «الجواسيس» حول رأفت الهجان، لكي ننقد ما جاء في الكتاب كان لابد من اللجوء الى أهل الخبرة وشهادة الشهود. يقول الكاتبان ان الهجان ذهب الى اسرائيل وتمكن من اقامة مصالح تجارية واسعة وأصبح شخصية بارزة يحضر الحفلات الكبرى التي يحضرها رؤساء الحكومات وكبار رجال الدولة مما جعله صديقاً لعدد كبير منهم.. وهذا بالضبط ما حدث. هذا الاعتراف يتنافى مع رفض السلطات الاسرائيلية في البداية الادلاء بأي تصريح عن «جاك بيتون» بل ان بعض المسئولين أكدوا انه شخصية لا وجود لها الا في خيال المؤلف، وحتى عندما اضطرت السلطات الاسرائيلية تحت ضغوط الصحافة للاعتراف بوجوده عادت وقالت: ان الهجان أو جاك بيتون لم يكن على أي علاقة بكبار المسئولين ولم يكن على معرفة بديان ولا بمائير؟ حتى جاء رئيس الموساد الأسبق «عيزرا هارئيل» ليؤكد (أن السلطات كانت تشعر باختراق قوي في قمة جهاز الأمن الاسرائيلي، ولكننا لم نشك مطلقاً في جاك بيتون). وهنا يتضح أمامنا درجة البلبلة والارتباك وتضارب المعلومات الاسرائيلية حول الهجان. ويقول الكاتبان ان جاك أو الهجان منذ البداية انكشف أمره عندما أحاطت به الشكوك، فقد أعرب أحد المهاجرين عن شكه بأمره، وقد دفعه للشك لهجته وأحاديثه واللغة التي يستخدمها. وهذا الزعم ينفيه ما ذكره د. فريد، الشريك السابق لجاك في الشركة السياحية والذي صدم عندما علم بحقيقة جاك وأكد ان أسلوبه وطريقته في التفكير وكل شيء فيه يجعلك تثق فعلاً بأنه مهاجر يهودي. كما ان معارفه اليهود في الاسكندرية قبل ان يتجه الى اسرائيل صدقوا وآمنوا بأنه «جاك بيتون» اليهودي مثلهم، حتى أنهم استعانوا به وأصبح عضواً في الوحدة 131 والتي كانت مدسوسة للقيام بأعمال تخريبية في مصر. فكيف لم يكتشفه ايلي كوهين على حقيقته بينما استطاع أحد المهاجرين ان يفعل ذلك؟ أما حكاية اعتقال الهجان التي ذكرها الكتاب ـ حينما ذهبوا الى بيته في تل أبيب ـ وداهموه فوجدوا معه صبية يهودية في الثامنة عشرة أطلقوا سراحها وحذروها ألا تكشف نبأ اعتقاله. فهذا الزعم يتنافى مع أبسط القواعد. وذلك لانه عندما يتقرر القبض على جاسوس تجمع كل المعلومات عنه، لذلك كان من السهل انتظار مغادرة الفتاة ثم القبض عليه بدلاً من تحذيرها بعدم الابلاغ عن القبض عليه. بعد ذلك يقول الكاتبان ان المسئولين الاسرائيليين بعد القبض على الهجان واعترافه، عرضوا عليه ان يكمل اللعبة بالعمل كجاسوس مزدوج. وعن هذه النقطة يرد أحد رجال الخبرة ان اسرائيل تكشف كذب ادعائها بهذا القول، فلو علمت حقاً بحقيقة الهجان لكشفته للعالم كله وقتها، لانها لا يطيب لها الاعتراف بالهزيمة ولا يمكنها ان تكتم أخبار عميل مزدوج. ويزعم الكاتبان أيضاً ان خدمة الهجان لاسرائيل فاقت كل تصور عام 1967 فطلب رفع أجره وزادت طلباته فتهربوا منه وراوغوه وأبقوه في أوروبا.. وهذا كلام غير منطقي بالمرة، حيث ان الجمال غادر اسرائيل الى أوروبا عام 1973 وليس بعد عام 1967، وليس من المنطقي ان تكون المراوغة مستمرة لمدة ست سنوات. ويؤكد الكتاب ـ الذي تتصور اسرائيل انه سيكون بمثابة قنبلة حارقة في وجه الكرامة العربية ـ أن عمل الهجان في الموساد، أفاد اسرائيل، ففي حرب 1956 أعطته السلطات الاسرائيلية معلومات صادقة ليوصلها، الا ان عبد العزيز الطودي وصف هذا التقرير الذي وصله عن طريق الهجان بقوله: (لو ان بن غوريون وجي موليه رئيس وزراء فرنسا وايدن رئيس وزراء بريطانيا اجتمعوا كي يضعوا تقريراً عن هذا الأمر، لن يصبح أدق من تقرير الهجان)!! ثم يؤكد الكاتبان ان الهجان أفاد اسرائيل وحقق لها فرصة العمر عن طريق توصيل معلومات مغلوطة عن حرب 1967 كانت السبب في انتصارهم ونكستنا! ويؤكد مصدر موثوق به ان هذا الكلام ما هو الا كذبة مكشوفة وساذجة، فالحقيقة المؤكدة والتي تشهد عليها التقارير التي أرسلها الهجان لمصر والتي يحدد فيها بدقة موعد الضربة. أيضاً، يشهد على ذلك أحد أصدقائه ـ وهو من الشخصيات الفنية المشهورة ـ حيث أكد ان الهجان قابله في مايو 1967 وأعطاه معلومات مهمة لينقلها الى السفير المصري في بيروت. من هذه المعلومات تفاصيل مهمة ودقيقة عن الهجمة الاسرائيلية على مصر في 5 يونيو. ويظل الكاتبان يؤكدان ولاء الهجان وخدمته لاسرائيل.. فهل كان من الولاء ان ينشئ شبكة تجسس عالية الكفاءة استطاع من خلالها نقل أدق تفاصيل الحياة في الدولة العبرية على مدى سنوات، وجنّد في هذه الشبكة الألماني سميث الذي عرف في اسرائيل باسم «ميخائيل زوسمان»، وصديقه مستشار الأمن القومي الاسرائيلي، وضابطاً اسرائيلياً كان مسئولاً عن جمع معلومات متعلقة بالنقب حتى سمي «عين النقب». واذا كان عميلاً مزدوجاً فلماذا لم يذكر الكتاب دوره في حرب 1973؟ لماذا لم يذكر ان الهجان هو الذي أبلغ عن وجود صهاريج لضخ المواد الملتهبة على ضفة القناة منذ بداية التفكير في انشائها، وكانت سراً خطيراً، لا يتسنى لأحد ان يعرفه وكشفه لهذا السر نبّه مصر الى ضرورة ابطال مفعول هذه الصهاريج قبل العبور مباشرة. واذا كان الهجان عميلاً مزدوجاً فلماذا لم يخبر اسرائيل بموعد العبور؟ وقد كان يعرف الكثير، حتى انه كما يدعي الكتاب ـ خصصنا له محطة استقبال طوال اليوم عن طريقها كان يرسل سيل المعلومات للقوات المصرية.. وهل كان عميلاً مزدوجاً من علم من خلال لقاءاته بجولدا مائير وبن غوريون ان اسرائيل تخطط لعملية عسكرية أسمتها «قادش»، فسارع لأخبار مصر بها! هل هو عميل مزدوج من يحرق لاسرائيل أهم جواسيسها وفي المقابل ينشئ شبكة عالية الكفاءة للتجسس عليها؟! واذا كان يحمل بعض الولاء لاسرائيل ـ كما أكد الكاتبان ـ أن الهجان اعترف بأنه تعامل مع الموساد انتقاماً من مصر التي اعتقلته وعذّبته وأجبرته على ان يصبح جاسوساً لها، اذن فلماذا تزوج من ألمانية وعاش في ألمانيا باختياره على الرغم من وجود الحسان اللاتي يتمنين الاقتران به، وعلى الرغم من علمه مدى الكراهية المتبادلة بين الشعب اليهودي والألماني وقتها؟ لقد كذب الكاتبان عندما أعلنا انه تزوج تبعاً للطقوس المسيحية ارضاءً لزوجته، فقد أكدت أرملته أنها عرضت عليه ان تتحول للديانة اليهودية عند زواجهما لكنه رفض وعندما لاحظ دهشتها فسّر رفضه بأنه يخاف عليها من الاضطهاد! ولم يذكر الكاتبان لماذا رفض الهجان ان يكون ابنه يهودياً وأصر على تركه بدون دين حتى يكبر ويقرر لنفسه. لماذا رفض أصلاً ان يولد ابنه في اسرائيل؟ وقرر انجابه في ألمانيا.. التي كانت تكره اليهود.. وفسر ذلك لزوجته بان اسرائيل دولة حرب وأن حصول الطفل على جواز سفر اسرائيلي سيعرضه للمشكلات. لذلك ظل ابنه بدون جنسية حتى حصل على الجنسية الألمانية في عام 1973 أي عندما بلغ التاسعة من عمره.. لماذا كان يمل من الطقوس اليهودية؟ وما هو السبب الذي جعله يصر على ان يشب ابنه في مجتمع يكره اليهود؟ ثم يؤكد الكاتبان ويثبت ما نقوله .. فقد ذكر في انه عندما مرض عرضوا عليه العلاج في اسرائيل لكنه رفض خشية ان يستغلوا الفرصة للتخلص منه. وبالفعل فأرملته أكدت من قبل انه أصر على تلقي العلاج في مستشفى سينا في نيويورك وأن ما أدهشها كثرة عدد الأطباء العرب في هذا المستشفى! وما هو رد الكاتبين على الوصية التي أوصى بها الهجان زوجته قبل ان يموت وهي ألا يُدفن في مقابر اليهود؟! جنسية الابن أما عن الجنسية التي طالب بها دانيال جاك بيتون ولم يحصل عليها، هذه النقطة التي يتصور الكاتبان أنها ضربة في مقتل ستوضح الحقيقة. فهي نقطة مردود عليها، اذ يؤكد مصدر قضائي انه لاكتساب الجنسية المصرية وفقاً لقانون الجنسية المصرية، يتعين توافر شروط محددة منصوص عليها في القانون تسري على الكل من دون تفرقة. ومن أهم تلك الشروط ان يكون طالب الجنسية من أب مصري، ويتعين على طالب الجنسية اثبات توافر كل الشروط. فاذا كانت المحكمة قد رفضت نسب دانيال الى رفعت الجمال فقد كتبت في حيثيات الحكم ما يؤكد ان هذا الرفض جاء صحيحاً وفقاً للقانون المصري، اذ ان الثابت ان قيام دانيال باقامة الدعوى لاثبات نسبه الى رفعت الجمال لم يشفع بتقديم الأدلة الكافية للقضاء بالثبوت، بل اكتفى المدعي باقرار العمومة (اقرار عمته وعمه) والنسب لا يثبت الا بأدلة قطعية الدلالة ولا يكتفي بالاقرار الا اذا كان صادراً من الأب والأم في ظل شواهد توصي بصدقهما. ومن ثم قضت المحاكم المصرية برفض الدعوى لعدم تقديم الدليل عليها. ويكون عدم ثبوت نسب دانيال لرفعت الجمال سبباً لعدم منحه الجنسية وكانت المسألة قانونية بحتة بعيدة عن أية اتجاهات أخرى. ان الكتاب الذي تتصور اسرائيل انه سيقلب الموازين ويزلزل ثقة المصري بكفاءة أجهزته الأمنية كتاب مقتول في مهده، يحمل أدلة فنائه قبل ان يولد. وكان لابد ان يجيب الكتاب عن أكثر من سؤال، أهم هذه الأسئلة: اذا كان الهجان عميلاً مزدوجاً.. فلماذا قررت اسرائيل بعد ان علمت حقيقته عن طريق نشر القصة الحقيقية منع ابنه وزوجته وأبناء ابنه من دخول اسرائيل؟ والسؤال الثاني اذا كان رفعت الجمال جاسوساً مزدوجاً فكيف جاء بقدميه الى مصر بعد استقراره في ألمانيا؟ ثم يأتي السؤال الأهم، وهو اذا كان الجمال ناقماً على مصر، كما جاء في الكتاب.. فلماذا أصر ان تكون له استثمارات كبيرة بها؟! تأليف: يوسي ميلمان وإيتان هابر ـ عرض ومناقشة: توفيق أبوبكر