الخميس 12 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 13 فبراير 2003 يظل غابرييل غارسيا ماركيز واحداً من أهم الأدباء، ليس فقط في أميركا اللاتينية التي جاء منها وقام بتشريح مجتمعاتها، وإنما على مستوى العالم بأسره الذي منحه جائزة نوبل في الأدب له اعترافاً متأخراً بتقديره لعبقريته الابداعية. وكاتب على هذا المستوى كان لابد ان تتعرض رواياته وجميع الاشكال الادبية التي برع فيها للنقد، ويتم ترجمتها إلى معظم لغات العالم. هناك من أحسوا بأهمية هذا الكاتب العملاق قبل ان يحصل على جائزة نوبل بوقت طويل، وهناك من لم يأخذ به خبراً، إلا عندما وجدت صورته تطل في الصحف وعبر الشاشات وهو يتسلم جائزة من العاهل السويدي في الحفل التقليدي المترف. وهذا الكتاب الذي نناقشه هنا يعكس الاهتمام القديم ـ الجديد بماركيز الذي ثار مجدداً مع اطلاق المجلد الأول من مذكراته، وكتابنا هذا يضم مساهمات تناولت أهم أعمال غارسيا ماركيز التي تأتي على رأسها، بكل تأكيد، روايته «مئة عام من العزلة» والتي ساهمت اسهاماً وافراً في شهرته، ومن هنا استقطبت اهتمام كتاب المقالات التي يضمها هذا الكتاب عن ماركيز. هذا الكتاب على الرغم من انه يضم مساهمات شتى، إلا انه يعد من الكتب المهمة التي تناولت ماركيز وأعماله الخالدة، حيث جمعت هذه المساهمات بعناية شديدة، فعكست نقداً من زوايا لم تكن معروفة لدى الكثيرين، حيث نجد تناولاً للعديد من القضايا ومنها قضية الترجمة كأحد محاور رواية «مئة عام من العزلة» وتتناول بعض المقالات هذه الرواية كعمل درامي مبدع ومقالات اخرى ترى فيها روح الكوميديا. وهكذا فإن هذا الكتاب عبر مساهماته يبدو لنا ليس مجرد قراءة جديدة في أعمال ماركيز كما يشير العنوان بتواضع وإنما جولة في عالم هذا المبدع اللاتيني الأكثر شهرة في زماننا. لم تتناول هذه المساهمات التي يضمها الكتاب الذي نناقشه هنا، بالطبع، كل ما كتبه وألفه ماركيز، فالمجال بالتأكيد لا يتسع لهذا، ولكنها تناولت أشهر ما كتبه من روايات وقصص قصيرة. نتوقف، بداية، عند تناول المرحلة المبكرة من القصص القصيرة التي كانت بداية الطريق نحو رائعته «مئة عام من العزلة» ويتولى المؤلف المشارك لهذا الكتاب ريتشارد كاردويل رسم الشخصيات وتحليلها في مجموعة «جنازة الأم الكبيرة» وبالتحديد في قصتي «يوم من تلك الأيام» و«قيلولة الثلاثاء»، مؤكداً النزعة الانسانية في أسلوبه. ويضم الكتاب ايضاً دراستين حول رواية «مئة عام من العزلة»، الأولى يتابع فيها ادوين وليامسون بمزيد من الحساسية قضية سياق المحرمات العائلي، موضحاً قصور نظام قائم على المحرمات ومحاربة رغبة مجردة من العقل. ونتوقف طويلاً عند المساهمة التي قدمها مارك ميلينغتون لقصص مجموعة «ايرينديرا» البريئة» حيث يعزل الهياكل السردية ويتناول الأفكار الرئيسية. وفي فصل بعنوان «رسم الشخصيات في القصص الأولى لماركيز» يقول المؤلف المشارك ريتشارد كاردويل ان القصص الأولى التي ألفها ماركيز تعد بمعنى من المعاني تمهيداً لأعمال اخرى تلتها لاقت حظها من الشهرة والذيوع وعلى رأسها «مئة عام من العزلة». ولأن القصص الأولى، كما أسلفنا، كانت تمهيداً، لذا لم تلق النجاح الذي يليق بمؤلفها، ولذلك ايضاً فإن هذا الكتاب ما هو إلا اعادة قراءة لهذه القصص لعلها تنال حظاً أكبر بأثر رجعي. وقد اختار المؤلف المشارك ريتشارد كاردويل أسلوباً فنياً واحداً ليلقي عليه الضوء، وهو أسلوب رسم الشخصيات كمنطلق لتقويم أكثر اكتمالاً للقصص الأولى. ففي مجموعة «جنازة الأم الكبيرة» نجد براعة الكاتب الصريحة والضمنية في رسم الشخصيات، فالشخصيات المحورية استمد الكاتب ملامحها من المخزون التقليدي للفكاهة، مثلاً، بحيث تكون سلوكيات هذه الشخصية من البداية الى نهاية سلوكيات فكاهية خالصة وعفوية وغير مفتعلة أو مبتذلة ويمكن ان نضحك لها ـ أو على الأقل ـ يبتسم لها جميع القراء في كل زمان ومكان. وفي مجموعة «جنازة الأم الكبيرة» نجد الحفيد الشجاع وطبيب الاسنان الجسور والأم الحازمة والعامل العنيد.. هذه الشخصيات تجد نفسها في مواجهة مع السلطة بكل صورها وأشكالها، مثل العمدة، أو الكنيسة، وكذلك النفوذ المعتمد على المال. وقد استطاع ماركيز بما يتمتع به من حس فكاهي وروح الدعابة ان يستخدم التهكم والمفارقة والمراوغة كأعمدة تقوم عليها تلك المجموعة. وقد استطاع ماركيز أن يكوّن لنفسه شخصية أدبية مستقلة وأسلوباً كتابياً مميزاً، واتخذ لنفسه منهجاً بعيداً عن الوعظ أو الخطاب المباشر الذي قد نجده عند كتاب من دول أخرى. واستطاع ماركيز ايضاً ان يبتكر شخصيات جذبت القاريء اليها، فتوقف عندها طويلاً يتأملها ويحاورها. في مجموعة «جنازة الأم الكبيرة» وكذلك في رواية «مئة عام من العزلة» استطاع «جابو» ان يجذب الى صفة البسطاء من الناس، وعلى وجه التحديد الفقراء والمسحوقين منهم، وكان هؤلاء جميعاً هم نتاج شخصياته الرئيسية، وقد أضفى المؤلف على هذه الشخصيات بطولات عديدة وقدرة كبيرة على مقاومة الفقر والقهر والهزيمة والدفاع عن مبادئهم والتمسك بها ومواجهة الأخطار التي تحدق بهم والتغلب عليها. وهذه المقاومة الرائعة التي تبديها هذه النوعية من الشخصيات ترغم قاهريها على الكشف عن انه في لحظات معينة يمكن لأي شخص ان يتحلى بالحرية ويرفض سياسة الأمر الواقع. ولكي يكون المؤلف مقنعاً يجب ان يصور طبيعة المواجهة وأسبابها، ومن هنا فإنه في مجموعة «العقيد لا يجد من يكاتبه» تقدم المواجهة على نحو مسهب، حيث ان شخوص السلطة البارزة، العمدة والقس وغيرهما، يظهرون ثم يختفون ثم يظهرون مرة أخرى. وتتحول عيادة طبيب الاسنان وقاعة الانتظار في دار القس الى ساحات للمعارضة أو المقاومة لأنماط السلوك ويعد ذلك هو الجانب الأول في رسم الشخصيات، نمط محدد قد يمضي بين الناس كالطيف الذي لا يراه أحد، لكنه في لحظة معينة يتجسد ويقف شامخاً ومتميزاً، مؤكداً كامل هويته الذاتية، وثانياً الوجود الضروري لشخص بارز من شخوص السلطة، وثالثاً مناسبة الصراع ذاتها عندما يحدث الصدام بين القاهرين والمقهورين. الجسد كأداة سياسية هي مساهمة بعنوان «الجسد كأداة سياسية.. العقيد لا يجد من يكاتبه» يقول ريني برتيو ان هذا العمل ينتمي لنوعية تبقى طويلاً في الذاكرة، فهو يحكي قصة كولونيل ينتظر حياة كريمة، ويوشك أن يموت من الجوع بسبب المعاش الذي يفترض ان يحصل عليه عبر البريد، لكنه لا يجيء أبداً، وهو باختصار أحد ضحايا الظلم الاجتماعي في أميركا اللاتينية. في عام 1961 عندما نشرت هذه الرواية القصيرة أو القصة الطويلة كان القراء ينظرون الى الرواية من هذا المنظور الاجتماعي، لكن النقاد حالياً في اطار نقدهم لهذه الرواية انتقدوا شبكة الرموز المعقدة التي تسيطر على الفكرة الرئيسية للرواية. والرواية لها هيكل موسيقى مبرمج على قاعدة صوتين: الجبن والخداع والحوار بين الرغبة والموت. تبدأ الرواية في صباح أحد أيام اكتوبر، وتنتهي في أحد أيام الأحد في شهر ديسمبر في ساعة متأخرة من الليل. وبطلا هذه الرواية هما رجل مسن عمره 75 عاماً وزوجته، وهو حالم ومتفائل، وهي شخصية صعبة المراس، ساعد على هذه الصعوبة انها عاشت أكثر من اربعين عاماً في مرارة. لم يستطيعا تحقيق شيء، وظلا ينتظران لمدة خمسة عشر عاماً للحصول على معاش الحرب باعتباره عقيداً متقاعداً، وهما بالفعل لا يملكان أي شيء يعينهما على المضي في درب الحياة أو يؤمن لهما المستقبل. ونعرف ان ابنهما أوغستين أصيب قبل تسعة أشهر منذ بداية الاحداث أثناء توزيعه منشورات سياسية، ولعدم وجود مصادر دخل لهما يختار الزوجان ان يطعما نفسيهما أو يطعما ابنهما. يبدأ اليوم والحدث في وقت واحد عندما يرفع الكولونيل غطاء وعاء البن فلا يجد سوى ملء ملعقة صغيرة واحدة، فيلقي نصف المياه المغلية في الحوض ويأخذ بحك الوعاء بالسكين، حتى يحصل على آخر ذرات بن ممزوجة، طبعاً، بالصدأ. في أول مشهد من الرواية ينتظر الكولونيل القهوة لكي يصنعها، وبسبب أزمة مرضية ظلت زوجته طريحة الفراش وتشرب آخر رشفة من قدح القهوة وتقرع الأجراس. وهذه الرواية في جوهرها الحق تمثل دعوة للاستقلالية والصراع المطلوب من أجل تحقيقها ويجسدها الحوار الدائم والمستمر بين الكولونيل وزوجته، أو بمعنى آخر الحوار بين السلطة والشعب، أو بين الابوين والأبناء. وتمثل هذه الرواية ايضاً صرخة أو دعوة لمواجهة الظلم السياسي ولأولئك الرجال الذين يساهمون بسلبيتهم في صنعه. رؤية أخرى للعزلة في فصل عن رواية ماركيز الاكثر شهرة «مئة عام من العزلة» كتب ادوين وليامسون يقول: «بسبب الاهتمام الذي حظيت به منذ نشرها تظل رواية «مئة عام من العزلة» رواية تبعث على الحيرة والغموض. وعلى الرغم من انها تعد من الامثلة الحية والمهمة على دخول اميركا اللاتينية الى عالم الكتابة الحديثة، الا ان مشكلة فهم كيفية اكتسابها تقنية الواقعية السحرية تظل بلا حل وسؤالاً بلا اجابة. وفي مجال التعريف البسيط، يمكن ان يكون هناك عدم اتفاق في هذا الصدد، حيث ان الواقعية السحرية هي اسلوب سردي يحجب الرؤية عن المغزى الواقعي التقليدي بين الحقيقة والفانتازيا .. ومن هذا وذلك تنقسم الآراء النقدية حول ما اذا كانت الواقعية السحرية تعود بالكامل الى الذات ام انها تقيم علاقة جديدة بين الواقع والخيال. وقد تحدث ماركيز بنفسه عن الواقعية السحرية بالطريقة نفسها. تنبع الدوافع الاساسية لرواية «مئة عام من العزلة» من الرغبة في تجنب العلاقات الجنسية الشائكة في اطار العائلة الممتدة، في البداية يكون رد فعل عائلة بوينديا التهديد بدخول هذه النوعية من العلاقات بطريقتين: تحاول اولا ان تفرض حظرا على زوجها بوبنديا الذي يحاول بدوره ان يتحدى هذا الخطر عن طريق قتل برودينسيو اجويلار وممارسة الجنس مع زوجته محاولاً ان يفرض نظاما جديدا، ويترك قرية ريوهاشا لكي يقيم علاقة او اتصالا بالمدينة بعيدا عنها. لكن طليعة هذه المدينة تبقى غامضة، وهناك مؤشرات على ان هذه المدينة تتماشى مع تلك الحضارة الموجودة في العالم الخيالي. وعلى اي حال، فان الصفة المميزة لهذه الحضارة هي المعرفة العلمية. ويقوم خوسيه اركاديو بوينديا بالعديد من المشروعات التجارية، تحليا بانكار الذات الى درجة انه يعرض حياته للخطر. وقد ذهب به الخيال الى ابعد مما وراء الطبيعة بل وحتى مما هو اكبر من السحر والمعجزات. وعندما يشاهد ابناؤه احد العجزة وبعض الاطفال يطيرون امام نافذة معمله على بساط سحري، يعلن بوينديا: «اتركوهم لاحلامهم» لسوف يظفر بالموارد العلمية الخارقة، افضل منهم وهم يطيرون مثل غطاء السرير الممتد. وعلى الرغم من روح الدعابة التي يتمتع بها هذا الاسلوب القصصي للواقعية السحرية، التي لم تكن على حساب المعلومات العلمية المفيدة، الا ان جهوده تنصب مباشرة في الواقعية السحرية الذي وقع أسيراً لها. كان يأمل في ان يخرج من عالم الرواية الى عالم القاريء حيث ان الاحلام، مثل البساط السحري، يمكن تمييزها بنجاح عن الطائرات. وبالتالي فان العلم هو دفاع بوينديا ضد التهديد بالعلاقة الجنسية الشائكة ما دام ان اهتمامه الاول هو اكتشاف حقائق موضوعية حول عالم مادي. كذلك فإن بحث بوينديا عن الفهم العلمي يتعرض لاحباط، ليس بسبب ان معلمه عالم كيميائي مهتم بالكيمياء القديمة تعود جذور معلوماته الى العصور الوسطى، لكن بسبب انه اختار ان يهجر ذلك المجال مفسحا الطريق امام اورسولا. وبضغط من زوجته يمتنع عن الانتقال الى موقع آخر اكثر ملاءمة، متحرراً من الوعي الحقيقي السحري الذي تميزت به شخصية بوينديا، استطاع ماركيز ان ينظر الى تجربته وان يكتب تاريخا خاصا لكن مادام السرد القصصي هو تدريب بأثر رجعي، فان ماركيز يجب ان يقيم حساباته بطريقة يعكس بها ماكوندو من دون ان يقع فريسة لحين العودة الى الماضي. وتختتم هذه القراءة لرواية «مئة عام من العزلة» بمقولة ان هذه الرواية ليست درباً من دروب التفاؤل، لكنها تبدو اشبه ـ بعد قراءتها ـ بالافاقة من كابوس مرعب. وتحت عنوان «الترجمة وعلم الانساب: مئة عام من العزلة» يقول انيبال جونز اليس: من بين اهم القضايا التي تناولتها وعالجتها رواية (مئة عام من العزلة» تلك القضية المتعلقة بالترجمة وروابط الترجمة مع الكتابة في هذه الرواية المتميزة ومع الرواية باعتبارها أحد اشكال الادب. قليل من النقاد هم الذين لاحظوا ان الحدث في هذه الرواية مرتبط بمخطوط تنبؤي، وان ذلك يتضمن ترجمة، لكن تفسير ذلك يدور حول نظريات واسئلة عامة حول طبيعة الكتابة لذلك فإن قليلاً من الاهتمام انصب حول ما تضمنه فعل الترجمة نفسه. ومع ذلك، فان اعتبار الترجمة لهذه الرواية مهم للغاية حيث انه يعطينا فكرة عامة مهمة عن كلاسيكيات الأدب الجديد في اميركا اللاتينية وايضا الدور المهم الذي تلعبه الترجمة في التاريخ الأدبي وكذلك في تشكيل الرواية كأحد أشكال الأدب. وهذه الرواية ايضا تزخر بالعديد من مشاهد الترجمة والمراجع لتعلم اللغات الاجنبية والتحدث بها، ومشاهد الترجمة تؤكد ان موضوع الترجمة يشكل تهديدا ولكن في الوقت نفسه يساهم في تماسكها. ويطرح الكاتب عدة اسئلة تتعلق بالترجمة: ماهو معنى الترجمة في سياق هذه الرواية؟ لماذا اخذت الترجمة كل هذا الاهتمام في هذه الرواية؟ ما الذي جعل الترجمة مهمة الى هذه الدرجة؟ وما علاقة الترجمة بعلم الانساب وحظر الزنا بالمحارم؟ ويحاول ان يجيب عن هذه الاسئلة قائلا: من الضروري في البداية ان نحيل انفسنا الى سياق نظرية الترجمة وخاصة الى ثلاثة آراء ذات علاقة بأي قراءة لهذه الرواية. الرأي الاول متعلق بوالتر بنجامين في مقدمته لترجمة لعمل بودلير «لوحة باريسية» بعنوان: «مهمة المترجم» عام 1923 .. وقد فضل ان يتحدث عن الترجمة بمعنى مجرد اكثر من التحدث عن عمل المترجم وكل ما يمكن ان تكون له علاقة بالترجمة واللغة بالنسبة لبنجامين فإن نشاط الترجمة يتضمن البحث عن مصطلحات او بمعنى آخر اللغة الاصلية التي لم تعد وسيلة او تعبيراً عن أي شيء لكن بلا تعبير او اضافة كلمة جديدة وهو ما يحدث في كل اللغات. ويرى بنجامين ان عملية الترجمة مكوّن ضروري للابداع الادبي. وهو يرى ايضا ان الترجمة بعيدة كل البعد عن احياء لغتين معينتين، حيث انها في جميع الاشكال الادبية مهمة خاصة نرى من خلالها عملية نضج لغة اساسية وميلاد لغة اخرى. وكما يقول بنجامين فان الترجمة تخدم غرض التعبير عن العلاقة التبادلية بين لغتين. ويضيف انه من السهل ان نرى اين تكمن أهمية الترجمة في موضوع يتناول العلاقات الجنسية الشائكة في سياق العائلة الواحدة: ان الحبكة الدرامية في رواية ماركيز لا تتعامل فقط مع مهمة بوينديا في ترجمة المخطوطات لكنها تترجم هذا العمل على نطاق اوسع الى لغة للنسب بكل ما تحمله من معنى وتشمله من مصطلحات مثل تحريم العلاقات الشائكة واهمية الاسماء الصحيحة لكن في النهاية تقع الرواية في بئر من الاصول اللغوية. نص الرواية نفسه يتعرض لعملية بحث حول علم الانساب التي تعين على افراد عائلة بوينديا ان يقوموا بها من اجل فك شفرة المخطوطات. بحث في علم انساب اللغة والى نسب عائلة بونيديا، يدل على ذلك وجود شخصيات معينة في الرواية تتحدث لغة معينة. وكما رأينا في الرواية فإن حماقة او جنون خوسيه اركاديو بوينديا تعود الى اللغة اللاتينية التي كانت سببا في ميلاد اللغة الاسبانية، وظل متعلقا بشجرة مكونة من رمز نسبي وآخر لغوي، لكن هناك اضافات اخرى وفروع اخرى اضيفت الى شجرة بوينديا النسبية اللغوية على مر السنوات. هناك افراد في العائلة يتحدثون اللغات الهندية وآخرون يتحدثون الانجليزية والفرنسية واليونانية واللاتينية، وبالطبع اللغة السنسكريتية (لغة الهند الادبية القديمة) وكانت اللغة الايطالية ايضا ممثلة. ان رواية «مئة عام من العزلة» تؤكد ان الترجمة عنصر اساسي مهم وضروري في فن الرواية، وان رواية ماركيز تمثل اصولها الخاصة كترجمة. ماركيز وروح الدعابة ويتعرض الكتاب لجانب آخر وربما يكون جديداً على القاريء العربي، وهو روح الدعابة في رواية «مئة عام من العزلة» حيث يشار الى انه قدر كتّاب الكوميديا الجيدين ان تؤخذ كتاباتهم على محمل الجد. ويتعرض الكتاب ايضا للواقعية السحرية والواقعية الاجتماعية عند ماركيز، ويتطرق الى جوانب اخرى عديدة تناولت المؤلف نفسه والروايات التي خطها بيده. ويمكن القول، في نهاية المطاف ان هذا الكتاب هو ابحار في اعماق عالم ماركيز وأعماله الخالدة التي استحق عنها جائزة نوبل قبل نحو عشرين عاما، واستحق عنها ماهو اكثر قيمة وبقاء، اي حب الملايين على امتداد العالم واعجابهم الشديد بـ «جابو». تأليف: برنارد ماكجيرك وريتشارد كاردويل