الاربعاء 11 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 12 فبراير 2003 لقد كان عمرام متسناع هو الذي كشف النقاب مؤخراً عن الاستغراب الذي يمر كخيط متواصل في تصريحات اعضاء حزب العمل واليسار منذ انقلاب 1977. «أنا لا أنجح في فك رموز الشيفرة الوراثية التي تحرك الناخب الاسرائيلي» قال متسناع وأردف «أنا أرى في التلفزيون امرأة بلا طعام وبلا عمل، ومع ذلك تصرح أنها ستصوت لشارون». اسحق بن اهارون الذي دهن الزيت على رأس متسناع عبر عن المسألة بطريقة اخرى: «يتوجب استبدال الشعب» أي ان الشعب هو المذنب. فلماذا بحق الجحيم يصوت الجمهور بأغلبيته لمن يقوم «بدق رأسه»؟. منذ انقلاب 1977 مرت 26 سنة، ولكن التساؤل بقي على حاله. متسناع لا يفهم ما لم يفهمه بن اهارون، ولذلك كان حزب العمل هو الذي يُستبدل مرة تلو الاخرى وليس الشعب. وبالفعل ما زال السؤال عن سبب تصويت الطبقات الدنيا لليمين مسألة محيرة تطل برأسها من جديد في كل مرة. في كل مقدمة لعلم الاجتماع السياسي يمكن ان نجد جوابين أساسيين على هذا التساؤل: الاول هو ان الطبقات الدنيا تصوت لمن يريدون ان يكونوا مثله في العادة. والشعب يريد ان يكون قريبا من الصحن السلطوي، والليكود تحول خلال العشرين سنة الاخيرة الى حزب المناصب وحزب الخوات وشراء الذمم الوطني. أما التفسير الثاني وهو الأكثر ملاءمة للواقع الاسرائيلي فهو: أبناء الطبقات الدنيا الذين حرموا من مشاعر الأمان والسيطرة في حياتهم يعوضون عن نقصهم هذا من خلال كراهية الغرباء. ففي واقع الفاقة والفقر يكون من الأسهل ان تشعر بالتفوق على طرف آخر خارجي، ومن الأسهل الدخول الى الدفيئة الوطنية المتشددة التي تعوضك عن عجزك اليومي. هذا هو التفسير الساطع في بساطته لتأييد الطبقات الدنيا للكولونيالية الاستعمارية في الدول الغربية، والى صعود اليمين في اوروبا في القرن العشرين بما فيها سنوات الثلاثينيات الفظيعة. الشيفرة الوراثية الاسرائيلية تشير الى ان السيطرة على الفلسطينيين هي البديل التعويضي عند الاسرائيليين عن فقدانهم للسيطرة الشخصية وبطاقة دخول وانتماء «للجماعة القومية». الحركات الاشتراكية في اوروبا استوعبت العبرة من هذه الامور من خلال اقامة دولة رخاء وشبكة أمن واقية اجتماعية للحؤول دون الحاجة الى وهم وسراب الدفء القومي المتشدد ومشاعر القوة التي توفرها كراهية الأجنبي. وجواب حزب العمال الاسرائيلي على هذه الظاهرة الاجتماعية المعروفة هو عدم الفهم وتوجيه التهم المتزلفة للشعب على شاكله. الجمهور أحمق؟ هذا الجمهور لم ينس العجوز التي كانت في رواق مستشفى نهاريا التي صعد باراك قبل ثلاث سنوات على ظهرها للفوز في انتخابات 1999. باراك انتخب في حينه بينما طويت تلك العجوز في غياهب النسيان. وكان حزب العمل في حكومة الوحدة بعد ذلك مدة عامين حيث أتيحت له الفرصة لاتباع سياسة اخرى تهتم بتلك المرأة الجائعة والعاطلة عن العمل ـ التي يفترض لوهلة ولو بالخيال انها ابنة العجوز المريضة في 1999. ولكن ممثلي هذا الحزب لم يطلبوا لانفسهم وزارات اجتماعية ولم يطرحوا البديل الأفضل. متسناع وشوحاط اللذان أيدا خروج حزبهما من الحكومة لم يطرحا البديل الحقيقي حتى في حملتهما الانتخابية. فمتسناع اختار الامتناع عن التصويت على الميزانية التي قلصت ضمان الدخل ودعم أجرة المساكن لتلك المرأة الجائعة أكثر فأكثر. بينما اختار شوحاط تكرار شعار «المال للأحياء الفقيرة وليس للمستوطنات» الذي يشبه شعار يوسف لبيد «المال للطبقة الوسطى وليس للاصوليين». هذه شعارات زائفة. وما يحدد السياسة الاقتصادية ليس الاستثمار في المناطق بل سياسة الفائدة واطار الميزانية وتحسينات الضريبة والعقارات وما الى ذلك. منذ عام 1985 حيث سادت حكومة شامير ـ بيريز بقي الحزبان يتبادلان الأدوار. انهيار دولة الرفاه الاجتماعي داخل الخط الاخضر هو من فعل الليكود والعمل على حد سواء. الفرق بين العمل والليكود يكمن في ان الليكود لا يراهن على ان يكون حزبا اجتماعيا. فممثلوه يتحدثون عن السلام والأمن مثل اليمين الاوروبي ويعدون بوهم توزيع أرباح الدولة التي تضبط الشعب. وزير المالية سلفان شالوم الذي يواصل سياسة استاذه السابق اسحق موداعي عام 1985 حيث بدأ التزايد في البطالة ـ قال في هذه السنة ما يقوله أتباع حزب العمل منذ سنوات: «الاقتصاد سينتعش بعد بدء المفاوضات السياسية فقط». أي ان علينا الجلوس وانتظار حدوث شيء ما في الخارج حتى يتغير ما في الداخل. ولأن حزب العمل لا يتضمن شخصا يعرض سياسة واقعية تقوم على التغيير الاقتصادي والعدالة الاجتماعية التي تعتبر الطريقة الوحيدة التي يمكن من خلالها تبديل الوهم الذي يبثه اليمين ـ فليس من المستغرب ان متسناع قد إجتر على طريقته مقولة بن اهارون في عام 1977. لكن من الخسارة ان أحدا لم يسأله لماذا حسم أمره في الخيار بين مصالح المرأة الجائعة وبين مصالح رجلي الاعمال غيدي زئيفي ودوف لاوتمان. ليس من الممكن ان تكون وفيا للمرأة الجائعة وان تكون وفيا لهما في آن واحد. متسناع حدد خياره، وللشعب خياره هو ايضا. بقلم : صنة كيم _ عن «هآرتس»