الاربعاء 11 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 12 فبراير 2003 ان مناداة الجناح المعارض الذي كان يقف على يسار مباي بمباديء المساواة والعدوان الاجتماعية والعمل الذاتي، وضعته في مركز البعث اليهودي مع ابرام «الطليعية» مقابل عموم الشعب، ففي اليسار الصهيوني لم تكن الايديولوجية والمباديء فقط وانما كان هنالك اناس قدسوا الخدمة والقيام بالواجب ونادوا بتجنيد الشخص للمصلحة العامة، وكانوا ينفذون ذلك بانفسهم وليس لانفسهم. وكان اليسار يرى بالاستيطان جوهر الصهيونية لدوره باحتلال الارض والخلاء ولكونه الاساس لاقامة مجتمع عادل، وكان البعض منه قد تحفظ على تقسيم فلسطين التاريخية واقامة دولة يهودية لان ذلك كان يحد من امكانية الاستيطان وكان اليسار يعارض الاعتماد على قوة عظمى غربية لكن فشلت جهوده في البحث عن توجه اخر، كما عرف باطره الممركزة وبقيادة واسعة الصلاحيات، وبتفكيره الجامد الذي وصل في بعض عناصره الى حد «التفكير الجماعي». ان اليسار اليوم هو «لبرالي»، فقد اخلت الفكرة الصهيونية - الاشتراكية مكانها للسباق وراء الكسب المادي، كما تراجع الجهد الجماعي لتقدم البعث القومي لصالح حقوق الفرد، واستبدلت المساواة بالخصخصة والفجوات، وحصلت الانانية - التي كانت حالة مرفوضة - على الشرعية، وبدلا من القيام بالواجب جاءت الذاتية، وتحول العمل الذاتي الى مبادرات والطليعية الى التعالي. ان الاستيطان داخل الخط الاخضر قد جرى اهماله وجرى نقله خارج هذا الخط والدولة القومية أصبحت شعارا يتعارض مع «ارض اسرائيل» التي هي حسب موقف اليسار ليست ارض الشعب اليهودي العائد اليها وانما «ارض الشعبين»، واليهودية اصبحت لدى اليسار العكس من الديمقراطية، وبدلا من الاعتماد على الذات ينادي اليسار «اللبرالي» بالحماية الاميركية وحتى الاوروبية وينادي بالضمانات الدولية، ان من يدعون بانهم ورثة من تفاخروا «بالخروج خارج الجدار» واقاموا حنيتا خارج الجدار الشمالي واسسوا «رمات هكوبيش» في قلب «المثلث الصغير» العربي يحبسون انفسهم خلف جدار الاوهام ويحولون التكنولوجيا الى ايديولوجيا، ولم يبق من علامات اليسار سوى علامة واحدة هي الجمود الذي يلغي الاراء المناقضة ويستبعد كل من يعبر عنها، كان اليسار الصهيوني يقيس الشخص حسب انتماءه بينما اليسار اللبرالي - التي تضعضعت اطره - يقيس الاشخاص حسب مطابقة ارائهم. ان اباء هذا اليسار ليسوا تبنكين ويعاري او حزون ولا حتى يتسحاق بن اهارون وارييه الياف، وانما «تحالف السلام» التي هي مجموعة من المثقفين الذين ينادرون بالتفاهم العربي - اليهودي ويؤمنون بان موافقة العرب هي شرط لتحقيق الصهيونية، وهم على استعداد لابداء الليونة فيما يتعلق بالاغلبية اليهودية في البلاد، وكذلك حجم الهجرة والسيادة ومع الوقت تحولت الليونة من وسيلة الى هدف، والى ايديولوجية يقف في مركزها شعار «ارض الشعبين»، والاعتراف بالحقوق الوطنية للفلسطينيين. ان ارتباط اليسار الصهيوني بالشيوعية اليهودية والسائرين على درب «تحالف السلام» اخذ بالتبلور، بعد حرب 1967، وبعد حرب لبنان انضم اليه حزب العمل، الذي تبنى بشكل تدريجي اقتصاد السوق والخطة السياسية القائمة في الاساس على تنازلات واسعة، بينما اليسار الراديكالي ابتعد الى حد «دولة كل مواطنيها» في حدود غرب الخط الاخضر وشعار «دولتين لشعبين» على كل ارض اسرائيل، وهكذا اختفت مقولة دولة الشعب اليهودي من القاموس السياسي لليسار بكل تلاوينه وجاءت مكانها «الديمقراطية». ان الديمقراطية هي شكل للحكم فيه الكثير من الفوائد، ولكن فيها ايضا تناقضات ونواقص، فباسم حكم الشعب في الماضي، وحكم الاغلبية وبعدها حقوق الفرد والاقلية حاليا كانت الديمقراطية ولا تزال اداة في يد السياسيين لتشكيل مجموعات الضغط من ذوي المصالح، وبالمقارنة مع التجارب التاريخية لانظمة اخرى فانها لا تزال الاقل سوءا لكنها ليست مقدسة ولا نقية وتشهد على ذلك «المهرجانات الديمقراطية» في كل الاحزاب قبل الانتخابات وبعدها، ان مجرد قيام حكم ديمقراطي في دولة جاء معظم مواطنيها من مجتمعات ابوية او دينية او بلشفية يعتبر معجزة بحد ذاته، وان الحفاظ على مباديء التسامح والاعتدال في القول والعمل يعتبر شرطا اساسيا لاستمراره لكن اليسار (صاحب الماضي غير الديمقراطي جدا) يعرض الديمقراطية اليوم كقيمة عليا، والذي بسبب كونه «ساميا» فهو بالضرورة الاوحد، وهو ليس متسامحا ولا لينا ومعصوما عن الخطأ وبذلك فهو ليس ديمقراطي، وليس ذلك سوى التفرد باسم الديمقراطية. بقلم: يواف غلبر _ عن «يديعوت أحرونوت»