الاربعاء 11 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 12 فبراير 2003 اتخذ الزعيم العربي جمال عبد الناصر قرار جلاء القواعد البريطانية عن منطقة قناة السويس عام 1954 الأمر الذي ترك أثراً سلبياً على العلاقات المصرية ـ الغربية بشكل عام، كما ترك أثراً على أوضاع الجالية اليهودية في مصر والتي أخذت تشعر بالقلق إزاء مستقبلها في مصر، مما دفع الكثير من أبناء الطائفة اليهودية المصرية (الذين كان لهم وجود في القاهرة والإسكندرية) إلى التفكير في مغادرة مصر. لم يكن قرار جلاء القواعد البريطانية عن قناة السويس هو الدافع الوحيد نحو الهجرة، ولم يكن هو العامل الوحيد الذي أثر على حياة اليهود في مصر، فبعد قيام إسرائيل عام 1948، وتحرك الضباط الأحرار الذين تسلموا السلطة في القاهرة في يوليو 1952، أخذ اليهود يواجهون ظروفاً صعبة في المجتمع المصري الذي نظر لهم بعين الشك والريبة، وبدأوا يستعدون لمغادرة مصر عبر تأشيرات سفر لدول البحر المتوسط حيث يتم استقبال المهاجرين الجدد من قبل الوكالة اليهودية التي تعمل على ترتيب أوراقهم لاستيعابهم في إسرائيل. من بين هؤلاء المهاجرين الجدد من مصر كان هناك شخصان جندتهما الإستخبارات الإسرائيلية للعمل في الدول العربية وهما إيلي كوهين الذي انكشف أمره واعتقلته الأجهزة الأمنية السورية وتم إعدامه شنقاً عام 1965، وباروخ مزراحي الذي اعتقل في اليمن عام 1972وتم الإفراج عنه بعد ذلك ليعود إلى إسرائيل. الطريق الى حيفا وكما استغلت إسرائيل موجات الهجرة من مصر، وجدت الاستخبارات المصرية أيضاً أن الفرصة سانحة أمامها، حيث من الممكن تجنيد أي جاسوس مصري بين المهاجرين اليهود الجدد. من هذا المنطلق تم خلال أعوام الخمسينيات تجنيد المواطن المصري رفعت علي الجمال الذي كان قد تورط في عدة مخالفات ولكنه لم يُقَدّم للمحاكمة، وذلك مقابل عرض قدمته المخابرات المصرية له وهو العمل كجاسوس مصري في إسرائيل، وقد وافق الجمال على هذا العرض وبدأ يتلقى سلسلة من التدريبات التي هيأته لعالم الجاسوسية. وبعد الانتهاء من تدريبه تم منحه هوية يهودية واسماً جديداً ليظهر كيهودي مصري يحمل اسم (جاك بيتون)، وقد تم تسريبه إلى إسرائيل بين مئات المهاجرين القادمين من مصر آنذاك، وهذا ما حدث بالفعل، ففي بداية عام 1955 أبحر(رفعت الجمال) أو (جاك بيتون) من ميناء الإسكندرية إلى إيطاليا، التي كانت قاعدة التسلل إلى إسرائيل. استقل (الجمال) القطار متجهاً إلى روما، حيث التقى مع أحد رجال الاستخبارات المصرية وتلقى منه التعليمات التي بموجبها توجه الجمال إلى القنصلية الإسرائيلية في المدينة، حيث أبلغ القنصل الإسرائيلي العام بأنه يهودي غادر مصر ويرغب في الهجرة إلى إسرائيل وسلم له بطاقة السفر المصرية التي يحملها باسم «جاك بيتون». وبعد فترة وجيزة من إيداع بطاقة السفر لدى القنصلية الإسرائيلية، حصل «بيتون» على تأشيرة هجرة إلى إسرائيل، ومنذ تلك اللحظة أصبح «الجمال» مهاجراً يهودياً مصرياً يحمل اسم «جاك بيتون». وبموجب تعليمات القنصل الإسرائيلي العام في روما اتصل بيتون بمندوب الوكالة اليهودية الذي أمره بالسفر إلى فرنسا، وهناك وبالقرب من مدينة مرسيليا، تم استيعابه في أحد المخيمات المؤقتة التابعة للوكالة اليهودية وكانت تضم مئات المهاجرين من شمال أفريقيا الذين يتم استيعابهم وتسجيلهم من جديد للهجرة إلى إسرائيل. وبعد أيام معدودة، صعد المهاجرون الجدد إلى إحدى السفن وأبحروا إلى حيفا. وأثناء وجود «بيتون» في إيطاليا وفرنسا أبلغ رجال المخابرات المصرية بتفاصيل رحلته وموعد اتجاهه إلى إسرائيل، والذي تحدد في شهر مايو عام 1955، وقدّمت له الاستخبارات المصرية مبلغاً مالياً وتوجيهات تتعلق بكيفية الاتصال عبر صندوق البريد في روما. لقد استطاع «بيتون» الاندماج مع مجموعة من المهاجرين اليهود أثناء وجوده في المخيم الانتقالي في مرسيليا، واندمج معهم بصورة أكبر أثناء رحلة الإبحار التي استمرت عدة أيام إلى حيفا، وحالما وصلها المهاجرون، استقبلهم موظفو قسم استيعاب المهاجرين في الوكالة اليهودية وبدأت حينها إجراءات تسجيل أخرى. وكأي مهاجر يهودي جديد يصل إلى إسرائيل، حصل «بيتون» على معونة مالية، وتوجه لاستئجار إحدى الشقق الصغيرة في وسط مدينة تل أبيب. لقد كان لدى «جاك بيتون» طموح في إنشاء أعمال كبرى في المجال السياحي في إسرائيل ليغطي نشاطه الاستخباري لصالح مصر، إلا أن الأمر لم يكن في غاية السهولة، فقد كان جهاز الأمن العام الإسرائيلي (الشاباك) يضم وحدة عمل، هدفها القيام بفحص ماضي المهاجرين الجدد بمنتهى الدقة والسرية، ليتم اكتشاف الجواسيس الذين من الممكن أن يكونوا قد تسللوا إلى إسرائيل، وتلك مهمة خطيرة وبالغة الحساسية، فمنذ قيام إسرائيل، دعمت جميع الحكومات قضية استيعاب المهاجرين الجدد كأحد الأهداف المركزية للصهيونية، فكانت الجهود المحورية تقضي بالسماح لهؤلاء بالاستيعاب في البلاد بسرعة وبدون أية عوائق. وفي ظل هذا الوضع كان عمل «الشاباك» ليس سهلاً، فمن مهمة رجاله جمع المعلومات عن هؤلاء المهاجرين، وفي الوقت نفسه لا يجب أن يشعر القادمون الجدد بأنهم موضع شك وريبة فكان عمل «الشاباك» أشبه بمن يبحث عن إبرة في كومة من القش. ومن الجدير بالذكر أن الجهود الأساسية آنذاك كانت موجهة إزاء المهاجرين من دول الكتلة الشرقية، حيث كان معلوماً «للشاباك» بأن المخابرات العامة في كل من الاتحاد السوفييتي وبولندا وبلغاريا ورومانيا كانت تقوم باستخدام الهجرة من أراضيها ولو بشكل نسبي من أجل إدخال عملاء إلى إسرائيل، إلا أن إسرائيل كانت تهتم بموجات الهجرة من مصر أيضاً، ومن هذا المنطلق استفسر رجال «الشاباك» عن السفينة المقبلة والتي تحمل على متنها مهاجرين من مصر، فأجاب أحد المسافرين بأنه شعر بالشك تجاه المهاجر «جاك بيتون» الذي كان يتحدث باللغة الفرنسية، لكنه ينطقها كيهودي من مواليد مصر، وجزم هذا المسافر بأن «بيتون» لا يمكن أن يكون يهودياً، ومنذ تلك اللحظة فتح الشاباك ملفاً باسم «بيتون» ولكن لم يتم اتخاذ قرار محدد تجاهه، فهناك معلومات مماثلة بشأن مئات المهاجرين تصل إلى جهاز الشاباك، ولكن لا يتم متابعتها وإنما يتم الاحتفاظ بها، لحين الحاجة، فالعمل الاستخباري مثل قطع الفسيفساء التي يتم تركيبها قطعة قطعة، والتي تبدو للوهلة الأولى غير مترابطة لا علاقة أو تناسب بينها، إلى حين جمعها معاً واستخدامها، وهذا ما حصل «بملف بيتون» الذي بقي محفوظاً لفترة من الزمن، بعدها تم استدعاء «جاك بيتون» لمحادثة استيضاحية في مكتب الوحدة الخاصة لشعبة الاستخبارات العسكرية في جيش الدفاع، والتي كان يتولى رئاستها «موسى أفراموفيتش» الذي يجيد التحدث باللغة العربية. وبعد محادثته مع «بيتون» قدّم موسى أفراموفيتش مذكرة طويلة أرسلها إلى قيادة الشاباك، فقد أخذ موسى انطباعاً سيئاً عن «بيتون» الذي يبدو أنه يخفي شيئاً في سلوكه العام وبنبرة كلامه وجموده. وهكذا اجتمع تقرير أفراموفيتش مع شكوك المسافر الآتي على السفينة نفسها التي أقلت بيتون إلى حيفا، إلى جانب التقارير الروتينية لشعبة استيعاب المهاجرين الجدد التابع للوكالة اليهودية، وفي عام 1956 تقرر وجود تراكم كافٍ من الأدلة ضد بيتون الذي يجب اعتقاله. وفي إحدى الليالي أحاطت قوات وحدة العمليات في جهاز الأمن العام ومعها مجموعة من أفراد الشرطة «بشقة بيتون»، وعند منتصف الليل صعد أفراد الشرطة وبهدوء إلى الطابق الثالث وطرقوا الباب، وعندما لم ينفتح طرقه رجل من الشاباك، وبعد مرور عدة ثوان فتح جاك بيتون الباب وقد بدا مذهولاً، دفعوه إلى الخلف، وتم اقتحام الشقة. تم إبلاغ بيتون بأنه رهن الاعتقال. في غضون ذلك سمع رجال الأمن صوت فتاة فوجدوا فتاة في الثامنة عشرة من عمرها تجلس في غرفة النوم، قام رجال الشاباك بتهدئتها، وأخبروها أن الهدف من زيارتهم هو صاحب الشقة وطلبوا منها عدم إخبار أحد بما رأت وسمعت، وعلى الفور تم اقتياد «بيتون» إلى محطة الشرطة، في حين وصل إلى شقته عدد آخر من أفراد جهاز «الشاباك» بمن فيهم خبراء القسم الفني حيث قاموا بتفتيش المكان، فلم يتركوا شيئاً ولا زاوية إلا وفتشوها، حيث عثروا على حبر سري وشيفرات لالتقاط بث الراديو السري. الرواية الاسرائيلية في الوقت الذي كان يتم فيه التحقيق مع «بيتون» من قبل أفراد الشرطة، كان هناك نقاش يدور بمشاركة (شموئيل موديا) رئيس قسم إفشال التجسس العربي في (القيادة 3) ومسئول القيادة 3 (أفراهام أحيطوف) ، شارك فيه أيضاً ضباط من الموساد وشعبة الاستخبارات العسكرية. وقد قدّم (أحيطوف) -الذي تولى لاحقاً قيادة الشاباك- تقريراً للمشاركين أخبرهم فيه أنه في أعقاب مشاورات سابقة أجراها مع مسئول الموساد (يوسي هارئيل) ومسئول الشاباك (عاموس مانور) ومسئول شعبة الاستخبارات العسكرية، تقرر محاولة تفعيل عملية في غاية الجرأة والتطور وتنطوي على كثير من المخاطر في الوقت ذاته: العمل على ازدواجية الجاسوس المصري (جاك بيتون) ، لم يكن أحيطوف بحاجة إلى الإكثار من الكلام إزاء مدى الأهمية التي تترتب على تحويل «بيتون» إلى عميل مزدوج حيث بالإمكان إيصال الشلل إلى صميم المخابرات المصرية بالإضافة إلى الحصول على معلومات حيال أنماط عمل هذا الجهاز وأسماء المسئولين عن تجنيد الجواسيس الجدد، وأماكن لقاء العملاء بمشغليهم في الشقق الآمنة في أوروبا، إلى جانب معرفة الرموز السرية في المخابرات المصرية وأساليب الاتصال بين العميل والمركز الاستخباري. واستعرض «أحيطوف» أمام المشاركين أهمية استخدام العميل المزدوج لتضليل الطرف المقابل وتغذيته بمعلومات خاطئة يرسلها هو بدوره إلى الطرف المصري. وبعد تفكير لم يدم طويلاً، تم اعتماد فكرة تحويل «بيتون» إلى عميل مزدوج، وبالفعل توجه عدد من محققي الشاباك إلى قسم الشرطة الذي يوجد فيه «بيتون» والذي كان قد نفى كل التهم الموجّهة إليه خلال التحقيق، وتم نقله إلى مقر التحقيق التابع للشاباك في منطقة أبو كبير. وعند بدء الحديث معه حذره أحد المحققين من خلال استخدام تهديد مبطن وقال له: (اسمع، صبرنا أخذ بالنفاد، إن ساعدتنا سنساعدك، وإذا لم تساعدنا سنعمل ضدك) ، عندها دب الرعب الكبير في قلب «بيتون» وبدأ يشعر بالخوف على حياته، الأمر الذي دفعه إلى إعداد تقارير مفصلة تتعلق بالطريقة التي تم بها تجنيده وعن مدربيه خلال فترة تأهيله للعمل الاستخباري، وعند الانتهاء من استجوابه والتحقيق معه، بدأ ديفيد روبين بإرشاده وتوجيهه استعداداً لمهمته المستقبلية التي تتطلب العمل براحة وبطء وبحذر، ودون أي ضغط، وذلك وفق أبسط قواعد تأهيل العميل المزدوج، وحتى يتسنى له مواصلة الظهور بمظهر المخلص لبلاده، لذلك يحظر حظراً مطلقاً وبأي شكل من الأشكال تكليفه بمهمات من شأنها أن تجعل الشبهات تحوم حوله وتشّكل خطراً على حياته. والأمر لا يبدو سهلاً، فالطرف الذي جعله مزدوجاً يخشاه هو الآخر إذ لا يزال غير واثق به بشكل مطلق، بعبارة أخرى سيظل يراود الجهة التي عملت على ازدواجيته شعور بالشك على أن العميل المزدوج ليس إلا عميلاً (مُضَلِلاً) ، يقوم في الواقع بتضليل سادته الجدد، ويظل طيلة الوقت وفياً لسادته الأصليين. عند انتهاء مرحلة إعداد «بيتون» للمهمة الجديدة المزدوجة منحه الإسرائيليون الاسم الرمزي الجديد (ياتيد) أي الوتد، وفي بداية الطريق كلفه روبين بمهمات بسيطة قليلة القيمة، الهدف منها فحص مدى مصداقية (بيتون-ياتيد) ودرجة ولائه، ومع مرور الوقت كسب ياتيد ثقة الإسرائيليين، هذا وقام أفراد وحدة العمليات في الشاباك بتتبع (ياتيد) بعلمه، وبدون علمه في أحيانٍ أخرى، وخاصة أثناء توجهه إلى إيطاليا لمقابلة مشغليه المصريين، وبهذا اكتشف الإسرائيليون الشقق الآمنة التي تستخدمها المخابرات المصرية في لقائها مع الجواسيس الذين يتم إرسالهم إلى إسرائيل، وبهذه الطريقة استطاع الشاباك وضع يده على عدد من شبكات التجسس المصرية، وبشكل خاص من عرب 1948. وعلى الرغم من تسارع الأحداث إلا أن المصريين لم يساورهم الشك من أن عميلهم (رفعت الجمال) أو (بيتون) أصبح عميلاً مزدوجاً يحمل اسم (ياتيد) ، وأصدر المصريون أوامرهم لياتيد لإرساء موطئ قدم له وترسيخ وجود في إسرائيل، وفي الوقت نفسه، تحمس الشاباك لهذه الفكرة، وأنشأ ياتيد عام 1956 شركة سفريات صغيرة باسم (سيتور) تمركزت مكاتبها في شارع برنير بتل أبيب، ويمكن القول بأنه قد نشأت في حقيقة الأمر شراكة خفية في مجال الأعمال بين المخابرات المصرية التي موّلت جزءاً من العمل الجديد (لبيتون) وبين جهاز الشاباك الذي قدّم هو الآخر الدعم المالي للشخص نفسه، (بيتون-ياتيد). لقد كان جهاز الشاباك يشعر بمدى صعوبة تفعيل (ياتيد) كجاسوس مزدوج، فهناك معاناة نفسية حقيقية يعيشها تفوق الاحتمال، فهو إزاء المخابرات المصرية شخص مصري متنكر كيهودي، وفي إسرائيل يحيا حياة اليهود بكل معنى الكلمة، وإزاء مشغليه في الشاباك يبقى مصرياً، فمشكلات تحويل «ياتيد» إلى عالم الجاسوسية المزدوج كانت كثيرة، خاصة أن له الكثير من الأقارب في مصر ومن الممكن أن يتحولوا إلى رهائن بيد المخابرات المصرية في حال اكتشاف حقيقة أمره كجاسوس مزدوج. وكان الإسرائيليون يواجهون مشكلات أخرى، مثل كيفية تنفيذ مراقبة ناجعة أكثر، حيال اتصال «ياتيد» بالمخابرات المصرية عند التوجّه لهذه اللقاءات في أوروبا؟ وماذا سيحدث في حال طُلب منه القدوم إلى مصر؟ وهل يتوجب السماح له بالتوجه نحو القاهرة؟ وكيف سيتم التأكد من عمله كجاسوس مزدوج؟. مسار جديد لقد اتخذت القصة مساراً جديداً، ففي شهر اكتوبر عام 1963 وخلال أحد أسفار (بيتون-ياتيد) للقاء مشغليه المصريين تعرف «بيتون» في فرانكفورت على فتاة ألمانية مطلَّقة باسم «فالترود»، وهي أم لطفلة في الرابعة من عمرها تدعى أندريا، وبعد عشرة أيام من التعارف، تزوجا بمراسم دينية في إحدى الكنائس، هذا وقدّم بيتون نفسه أمام زوجته على أنه يهودي وأخفى حقيقته كمصري مسلم، وبعد عام من الزواج رزق بيتون بطفله الأول (دانيئيل) ، ورفض «بيتون» إجراء عملية ختان لطفله وأصر على عدم تربيته تربية يهودية وأمام دهشة الأم، برر بيتون ذلك بأنه يخشى أن يعاني الولد في حياته لاحقاً من حقيقة كونه يهودياً، كما يجد صعوبة في النجاح خارج حدود دولة إسرائيل. في كثير من الأحيان، وبعد التنسيق مع «الموساد» وشعبة الاستخبارات العسكرية تقرر السماح لياتيد بنقل معلومات صحيحة ودقيقة للمصريين، لا يمكن أن تلحق أضراراً كبيرة بالمصالح الأمنية الإسرائيلية، ومن جهة أخرى تعزز الثقة وترفع من شأن «ياتيد» في نظر مشغليه المصريين. وهذا ما حصل، فخلال شهر اكتوبر عام 1956 وعندما كان الجيش الإسرائيلي في ذروة استعداده لحملة سيناء حصل اتفاق بالتشاور بين جهاز الشاباك وشعبة الاستخبارات العسكرية على السماح لياتيد بنقل معلومات مميزة لمصر، وبالفعل قام «ياتيد» بإرسال تقرير لمشغليه في مصر حول تسخين أجواء الحرب في إسرائيل (قبل أيام من إندلاع العدوان الثلاثي على مصر عام 1956) ، أبلغ فيه المخابرات المصرية أن إسرائيل أخذت تجند قوات الاحتياط، وأبلغهم بوجود عسكريين فرنسيين وبريطانيين في إسرائيل. بعد العدوان الثلاثي على مصر وتحديداً في عام 1957 تم استدعاء (بيتون-ياتيد) لاستجواب أساسي لدى المخابرات المصرية، ولم يثر هذا الاستجواب الشكوك لدى الأوساط الإسرائيلية فهذه استجوابات موسمية في أوساط الأجهزة الاستخبارية في العالم. وتم الاستجواب في إحدى الشقق الآمنة في إيطاليا، حيث وصل إلى هناك محققون من ذوي الخبرة والتجربة من القاهرة، فحققوا معه بقسوة ووجهوا إليه شبهات واتهامات بحقيقة كونه عميلاً مزدوجاً واعتبروا الدليل على ذلك، الأنباء التي نقلها لهم قبل الحرب وأبلغهم فيها بموضوع تجنيد قوات الاحتياط وحقيقة التعاون العسكري بين فرنسا وبريطانيا وإسرائيل. لكن ياتيد صمد جيداً أثناء فترة التحقيق، وذلك من خلال الأجوبة الجيدة والمتماسكة على الأسئلة المتشددة من المحققين المصريين. وهكذا اطمأن المصريون حيال ولائه لهم، وقدموا له مكافأة حيث تقرر زيادة راتبه الشهري. إلا أن اقتناع المصريين بولاء (بيتون-ياتيد) لهم لم يدم طويلاً، فقد ثارت الشكوك من جديد لدى الاستخبارات المصرية، وقاموا باستدعاء «بيتون» مرة ثانية لإجراء التحقيق معه، ولكن هذه المرة في القاهرة وليس في أوروبا، وهنا ظهر سؤال «الشاباك» القديم الجديد: كيف ستتم مراقبة «ياتيد» في حال ذهابه للقاء المخابرات المصرية في القاهرة وليس في أوروبا؟ ومن جهة أخرى ثارت الشكوك في الجهاز الأمني الإسرائيلي حول إمكانية صمود «ياتيد» أثناء التحقيق معه، وهناك من اعتقد بوجوب حظر سفره إلى هناك، لكن إغراءات مواصلة عمله كانت أقوى، ودون إبلاغه بشكل واضح بشأن ما هو متوقع له، عكف روبين ورجال الشاباك على تهيئته لمواجهة تحقيق صعب في مصر، فتم تكرار الأسئلة التي يتوقع الإسرائيليون طرحها عليه، وذلك تفادياً لأية أخطاء أو إجابات قد تكون متناقضة. توجه «ياتيد» إلى أوروبا ومن هناك إلى القاهرة حيث مكث هناك مدة أسبوع. إلا أن الأمر لم يكن أسهل في إسرائيل إذ اضطر إلى الخضوع لاستجواب جديد لا يقل معاناة واستنزافاً عن سابقه، إذ أراد محققو الشاباك من خلال ذلك معرفة كل صغيرة وكبيرة من حيثيات التحقيق معه في مصر. وكان هذا الإجراء من جهاز الشاباك من منطلق الاشتباه بأن يكون الأمر خلافاً لما رواه لهم، أي أنه قد انهار أثناء التحقيق معه في مصر وقدّم اعترافاً صريحاً بأنه عميل مزدوج، كما وافق على أن يصبح منذ ذلك الوقت عميلاً مُضَلِلاً. من اللحظة التي عاد فيها (جاك بيتون - ياتيد) من مصر أصبح في نظر المخابرات المصرية أحد الجواسيس الأكثر أهمية في تاريخها وبالتأكيد الأكثر نجاحاً. وفي حقيقة الأمر كان أحد أفضل مصادر المعلومات بل أهمها بالنسبة للمخابرات المصرية. لقد شرع المصريون بإغداق المال عليه بسخاء، كما أن الجانب الإسرائيلي هو الآخر قدم له مكافأة جيدة، وبعد ذلك تبدأ المرحلة المهمة في تفعيل «ياتيد» ضمن المخابرات الإسرائيلية. عشية حرب يونيو 1967 زودته المخابرات الإسرائيلية بمعلومات كاذبة فيما يتعلق بخطط إسرائيل العسكرية والتي نقلها هو بدوره إلى مصر، وقد جعلت تلك المعلومات القيادة المصرية تتوصل إلى استنتاج مفاده أن إسرائيل لن توجه ضربة وقائية ضد تجمعات الجيش المصري وحشوده التي تم إدخالها إلى شبه جزيرة سيناء خلافاً للإتفاقيات. كما أنه ومن خلال المعلومات الإضافية التي زود بها (ياتيد) المصريين ظهر طابع معين، بأن إسرائيل في حالة الحرب، لن تبادر إلى هجوم عبر سلاح الجو. ويبدو أن المصريين قد صدقوا المعلومات التي زودهم بها عميلهم، وتمثل ذلك بإبقاء طائراتهم جاثمة على أرض المطارات عرضة لهجوم جوي، أي أن عملية التضليل التي قام بها (ياتيد) كانت ناجحة جداً، وساهمت إلى حد كبير في نجاح المباغتة التي واجهها الجيش المصري مع إندلاع حرب يونيو عام 1967م، وتحديداً في الخامس من يونيو، حيث هاجم سلاح الجو الإسرائيلي طائرات سلاح الجو المصري الجاثمة في جميع المطارات التابعة له في سيناء، وتمكن في غضون ثلاث ساعات من تدميرها جميعاً وتم حسم المعركة. سؤال معلق إلا أن الإستخبارات الإسرائيلية بعد الحرب، أدركت أن رجال المخابرات المصرية سوف يشكّون في (ياتيد) فقاموا بعد إنتهاء المعارك بإصدار نبأ وفاة أفضل عميل للمخابرات كان لإسرائيل في مصر خلال تلك الفترة أصيب (ياتيد) بمرض عضال فطالب بتلقي العلاج الطبي خارج إسرائيل، وأصر على طلبه على الرغم من إقتراح الشاباك بتقديم مساعدات طبية وعلاجية داخل إسرائيل، ويبدو أن رفضه للعلاج داخل إسرائيل انطلق من فقدانه الثقة بمشغليه في الشاباك، فقد خشي أن تؤدي علاقاته المتوترة مع الشاباك إلى التخلص منه، واستغلال العلاج الطبي مما يؤدي إلى وفاته، وهكذا توجه (ياتيد) إلى أحد المراكز الطبية في الولايات المتحدة، لكن العلاج لم يجد نفعاً ولم يؤدِ إلى إيقاف مرضه، فقرر أن لا يعود إلى إسرائيل. وعندها حاول جهاز الشاباك إقناعه بالعدول عن قراره وإذا كان يرغب في الخروج إلى التقاعد من أعمال التجسس فإنه من الأفضل له البقاء داخل اسرائيل، معللين ذلك بالاهتمام والقلق على أمنه، ولكن في حقيقة الأمر، كان يختفي وراء هذا الاقتراح قلقه إزاء مصالح إسرائيل الإستخبارية، ففي حال بقاء (ياتيد) في إسرائيل سيكون من السهل على الشاباك أن يتابع مراقبته وتحركاته، وسيصعب على (ياتيد) إجراء أي اتصال مع مشغليه في مصر. إلا أن (ياتيد) أصر على موقفه مبرراً قوله بأنه كجاسوس مصري أرسل إلى إسرائيل وتقرر إحالته على التقاعد، سيجد صعوبة في الشرح لمشغليه المصريين قراره بالبقاء (بالدولة الهدف) أي إسرائيل، قائلاً بأن هذا ليس منطقياً، حيث لم يحدث في تاريخ الإستخبارات الحديثة أن بقي عميل للعيش في دولة تسلل إليها كجاسوس، فالعملاء الذين يهرمون وتتم احالتهم إلى التقاعد يعودون إلى أوطانهم أو يعيشون في دولة ثالثة، وبالطبع لا يبقون في دائرة وساحة الجريمة . ويبدو أن الشاباك، رأى أن لا مفر من ذلك، فاضطر لقبول هذا الموقف وغادر (ياتيد) إسرائيل برفقة زوجته وابنتهما أندريا وابنهما المشترك دانيئيل ليعيش حياة جديدة في ألمانيا، إلا أن حياته لم تكد تبدأ حتى توفى هناك عام 1982م جراء إصابته بسرطان الرئة. ولكن قبل وفاته تمكن من زيارة لأبناء عائلته في مصر. والسؤال الذي يدور في الأذهان لماذا رفضت مصر طلب فالترود زوجة بيتون في الحصول على الجنسية المصرية لها ولابنها دانيئيل بعد جلسات مغلقة شهدتها محاكم القاهرة؟ فهل المحكمة على علم بأن رفعت علي الجمال خان وطنه وتحول إلى عميل مزدوج؟ تأليف: يوسي ميلمان وإيتان هابر ـ عرض ومناقشة: توفيق أبوبكر