الثلاثاء 10 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 11 فبراير 2003 الخوف المرضي الذي يلف اليسار الاسرائيلي من سلطة اليمين ليس مجرد ايديولوجيا فلا يدور الحديث حول فوارق في المواقف من الاقتصاد الاسرائيلي أم الاحتلال 80 في المائة من ناخبي حزب العمل و60 في المائة من ناخبي ميرتس ممن يرغبون في ان يكون العمل في الحكومة، ليسوا قلقين حقا من النوايا «غير الاجتماعية» للحكومة، بل انهم ليسوا قلقين من تجميد ياسر عرفات في المقاطعة. في الموضوع السياسي من الواضح تماما ان الفارق بين حكومة وحدة وحكومة ضيقة، كلاهما برئاسة شارون، ليس كبيرا جدا: كلاهما سيخلدان ما هو موجود، فحكومة اليمين لن تحدث هنا مذابح بحق الفلسطينيين أكثر مما قد تحدث حكومة وحدة، والاحتلال، والعنف والردود عليه لن تتوقف، والمستوطنات لن تخلى، وجدار الفصل لن يبنى فلا يوجد في أي حكومة ممكنة اليوم أي بشرى سياسية أو اقتصادية اذا لماذا بحق الجحيم يؤيد رجال اليسار، الذين يعرفون جيدا ان حكومة الوحدة، كانت فشلا ذريعا، الوحدة مرة اخرى؟ العنصر الأساسي الملح في وعي رجال اليسار هو مثابة اعتراف متعال، غربي، بأن اليمين في اسرائيل، بما فيه شاس وأجزاء كبيرة من الليكود والمفدال، ليس عقلانيا فالتشكيك الكبير بعقلانية اليمين هو الذي يولد الرعب الذي يدب في رجال اليسار، وهذا هو السبب الذي يجعلهم مستعدين لبيع أمهاتهم في تنزيلات نهاية الموسم لقاء حكومة وحدة، اذ ان البديل هو تسليم اسرائيل لمجموعة من الاشخاص غير العقلانيين غير المؤهلين لادارتها. عندما يحتل العمل السلطة، فان معظم ناخبي الليكود يعارضون الوحدة لماذا؟ لأنهم يعتقدون ان اليسار غير عقلاني وغير مؤهل لادارة اسرائيل، فبوسعهم ان يجلسوا في المعارضة انتظارا لفشل اليسار. اذا من أين يظهر كل الصناعيين والمقاولين والصحافيين ورجال اليسار من الشارع، ممن يستجدون جميعا الوحدة، للطواريء، لا فرق، المهم ألا يبقو اليمين وحده لا يرتبط هذا بالسياسة انه يرتبط بالشك الحقيقي لدى رجال اليسار بعقلانية اليمين وفي كل مرة يسلب فيها اليمين السلطة من اليسار، نعود الى هذه الاحتفالات: «ليس لدي اسرائيل احتياطية»، قال اسحق رابين عندما انتخب الليكود وهذا خطاب ذو نزعة للآخرة، قبل الكارثة لا يرتبط بأي واقع ملموس لا في حينه ولا الآن. اسحق شامير وبنيامين نتانياهو قد يكونا فشلا، ولكن ايهود باراك فشل ايضا واذا بات ممكنا اتهام أحدا ما من بين الثلاثة بنزعة الآخرة، فان هذا هو باراك في حرب الخليج السابقة تصرفت حكومة يمينية ضيقة بمسئولية والخطاب التحريضى الذي يبرز بوضوح في كل مباحثات الاسابيع الاخيرة، والذي يقرر بأن اليمين ليس مؤهلا، هو اهانة للديمقراطية فاذا كان اليمين مجنونا بهذا القدر، فان الذين انتخبوه مجانين هم الآخرون ايضا. ان على رجال اليسار ان يفهموا بأن اسرائيل ليست اختراع أبيهم (حسنا، ربما بعض الشيء) فاليمين لن يقود اسرائيل نحو سعير جهنم، فهو سيواصل الاحتلال ويعمق الفوارق الاجتماعية، مثل كل حكومات اسرائيل على مدار الأجيال فلم يقم في اسرائيل حتى الآن حكومة يمينية مجنونة صرفة فهذه خيالات في وعي مرتعب، مصاب بجنون الاضطهاد، وبمعنى ما باستشراقية رجال اليسار نعم اليمين ايضا قادر على فهم الضغوط وحل لغز ميزان القوى في العالم، واذا ما فشل فانه سيطير نحو المعارضة، وعندها تكون الفرصة لليسار لاصلاح الامور. لا يمكن ان تكون ديمقراطية عندما يكون طرف ما غير مستعد لان يقبل بشكل دائم قدرة وحق الطرف الآخر في الحكم وفقا لفهمه وتقديره، وانعدام الشرعية في اوساط اليسار لسلطة اليمين في اسرائيل يفرغ الديمقراطية الاسرائيلية من معناها. بقلم: نير برعام _ عن «معاريف»