الثلاثاء 10 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 11 فبراير 2003 خرجت مع زوجتي، مؤخراً، للقيام بجولة حول الكيبوتز الذي نقطن فيه، ومع تقدمنا في المسار المحدد شمالي شرق الكيبوتز أخذت أبطيء الخطى وأنظر الى الجبال الموجودة خلف الجدار. هذه الجبال تعتبر بالنسبة للساحليين «الجبال الزرقاء» البعيدة، أما بالنسبة لنا نحن فهي خضراء وقريبة جدا. ولكنني أنظر اليها الآن ولا أصدق ما أرى: الجبال أصبحت مربعة حسب هيكلية وتصميم المخلوق المسمى الجدار الامني الجديد الذي أرى هذه الجبال من خلاله. خلال اسبوعين ظهر هنا جدار أمني جديد يتجاوز قامة الانسان، وعلى امتداده سُيرت دوريات. الجدار فعال حيث انه لا يمكن تجاوزه أو رفع الأسلاك الشائكة والمرور من تحته كما كان في السابق. وفي ظل الوضع الامني الفظيع السائد في منطقة التماس رفعنا أصواتنا مطالبين بالاسلحة واقامة الجدران الفاصلة. ولكن ما حدث هو ان هذه الامور أخذت تقلقنا بدلا من ان تهديء من روعنا. قبل ستين عاما، في عام 1942، أسس كيبوتز معنيت حتى يجمع صفوف القادمين من اوروبا في ارض الوطن. الموقع كان في منطقة المثلث لان النظرة من ورائه كانت أمنية وهدفت الى دق إسفين يهودي بين التجمعات السكانية الفلسطينية من اجل الدفاع عن يهود الخط الساحلي ضد الهجمات العربية في ذلك الحين. وفي عام 1972 ـ 1993 أقمنا جدارا عاديا بسيطا على امتداد 11 كم لاحاطة منطقة مراع تبلغ 5 آلاف دونم فوق الجبال الجميلة شرقي المنطقة. واليوم بعد ثلاثين عاما من اقامة الحواجز البسيطة بيننا وبين جيراننا بدأنا باقامة جدار مرة اخرى، الا انه في هذه المرة جاء ملاصقا للكيبوتز وأعلى مرتين من جدار المراعي الذي أقمناه قبل ثلاثة عقود وأكثر نجاعة بثلاثين مرة منه. اليوم بعد اقامة الكيبوتز بستين سنة مايزال هذا المكان غير قادر على تحقيق الهدف من اقامته وهو حماية يهود المنطقة الساحلية من الشرق، ولسنا نحول بأجسامنا دون حدوث عمليات في مدن الساحل. بهذه الطريقة تنهار أمام أنظارنا وعلى رؤوسنا النظرية الأمنية التي وضعت منذ الاربعينيات. واذا افترضنا جدلا ان أهالينا قد أعطونا «صفقة حياة يهودية» أفضل من تلك التي أورثها لهم أهاليهم في مطلع القرن العشرين فأي تركة وصفقة حياة نعرض نحن على اطفالنا الآن؟ هل هي حياة مغلفة بجدار؟ وأي جدار سيقيمون هم لاولادهم بعد ثلاثين سنة مقبلة؟ وكم هو عدد الأجيال التي ستعيش داخل منطقة التماس التاريخية الثقافية والامنية؟. في وقت من الاوقات كانت هذه المنطقة جزء من حدود اسرائيل الشرقية. ومنذ عام 1967 أصبحت «الخط الاخضر»، وبعدها «خط التماس». اليوم تكثف الخط وتوسع وتحول الى «منطقة التماس» وهو اسم جديد لمنطقة موجودة داخل اراضي اسرائيل وخارجها حيث يعيش أناس ومجتمعات بأكملها. ومن جانب اسرائيل فقط، بين رأس العين وأم الفحم وحدهما وعلى عرض 3-4 كم من الحدود يعيش 320 ألف نسمة، 130 ألفا منهم من اليهود «من دون كفار سابا وبتاح تكفا». الحياة في منطقة التماس تتبلور في العامين الاخيرين من خلال قوانين وتقاليد جديدة تتضمن التأخير في المواعيد بسبب الحواجز الفجائية والانفجارات المرعبة وأصوات الاباتشي، والمؤللات تجوب المنطقة المحيطة، وتمترس التجمعات اليهودية، والخوف المتزايد من التهجير في التجمعات السكانية العربية، والخوف من الذهاب للنوم. انه الخوف بصورة أساسية. وعملية اعادة اللحمة هذه بين اليهود وفلسطين انطوت على قطع وبتر الشعب الذي يعيش على ارضها. بهذه الطريقة جرت عملية التحامنا بهذه الارض من خلال غُرز خياطة قاسية مع أملنا بأن تختفي مع السنين. الا ان هذه العملية الجراحية ليست ناجحة في الواقع لان الخيطان والغُرز تصبح قاسية وصعبة أكثر فأكثر وتؤذي الاعضاء التي يفترض بها ان تلحمها معا، ذلك لانها في نهاية المطاف ليست الا خيوطا معدنية. أنا اؤيد الجدار الفاصل مع الفلسطينيين، مثل الكثيرين غيري والذين هم أفضل مني، ذلك لان هذا الجدار ضرورة يفرضها الواقع الحالي، الا ان الحياة في منطقة التماس تتحول الى حياة مستحيلة لا تطاق. نحن نلتحم مع هذه الارض بخيوط قاسية ونقوم بجرح أنفسنا وجرح الفلسطينيين، وهم يقومون بجرح أنفسهم وجرحنا محاولين التخلص من هذه الغُرز. وعليه علينا ان نجد عملية التحام اخرى من أجلنا ومن أجل أبنائنا من دون خيوط معدنية. عملية لحمة تسمح لنا بأن نوقف النزيف والبدء في التعافي ومعافاة جيراننا. بهذه الطريقة فقط قد ننجح أخيرا في مداواة هذه البلاد. بقلم: شولي ديختر _ عن «هآرتس»