الاثنين 9 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 10 فبراير 2003 الاستعراض العلني الذي قدمه كولن باول أمام مجلس الامن استكمل عملية تحويل الرئيس العراقي حسين الى ميت يمشي على قدميه. إزاحته أصبحت منذ هذه اللحظة مسألة أكيدة لا سبيل للتشكيك فيها. الاميركيون لن يعودوا من بغداد من دون رأسه. وكل نتيجة اخرى ستعتبر انتصارا خطيرا ومفاجئا للارهاب الدولي. وكل نتيجة مغايرة ستكون فشلا اميركيا مدوياً. كولن باول عرض شهود النيابة في محكمة شعبية غريبة القرار صدر سلفا (الادانة التامة)، والحكم نشر فورا (الاعدام)، وحاكم تكساس صادق على القرار فورا. المحلفون جمعوا في وقت متأخر (مجلس الامن) لعرض الأدلة في وقت متأخر. والآن لم يعد أي شيء مهم. فالجلاد خرج نحو المهمة والمحكوم عليه بالاعدام ينتظره مبتسما. الوضع غريب، وقد يكون خطيراً، فالرئيس العراقي لم يصل أبدا الى هذا الطريق المسدود تماما، وهذا امر سيرفع من دافعيته، فهل هو قادر على إحداث ضرر حقيقي؟. جهاز الدفاع الاسرائيلي والمستوى السياسي عرفا بنية بوش المسبقة للتخلص من الرئيس العراقي، وبعض المعلومات التي طرحها باول كانت بمساعدة اسرائيلية (ما أسمي الاستخبارات البشرية). وقبل ظهور باول نشب جدال قوي في واشنطن، ووجه رئيس الـ سي.آي.ايه، جورج تينيت، المتجهم من خلف باول في مجلس الامن كشف عن هذه المعضلة، ذلك لان كشف المعلومات يزيد من عرضة المصادر الاستخبارية للخطر. الا ان المصالح العليا على ما يبدو هي الامر الأساسي الآن، والمطلوب هو حشد أكبر قدر ممكن من الدعم الجماهيري للخطوة. هناك في جهاز الدفاع الاسرائيلي من يشبه الرئيس العراقي بأدولف هتلر. أوجه الشبه كبيرة بين الاثنين، وفي كلتا الحالتين كان بامكان العالم ان يقضي عليهما وهما صغار، الا ان العالم أضاع الفرصة ودفع ثمنها غاليا. بوش الابن لا ينوي تكرار هذا الخطأ التاريخي وسيذهب هذه المرة حتى النهاية وليكلف ذلك ما يكلف. الهجوم الاميركي بدأ يتدحرج، وهذه ستكون مسرحية الهدف الأكبر في التاريخ، ذلك لانها ليست موجهة ضد الهدف المباشر فقط وانما (خصوصا) ضد كل الأهداف الملحقة، الرئيس العراقي حظي بالاحترام المريب لانه السياسي المتاح والمتوفر والمريح جدا والمكروه جدا. الرئيس العراقي لن يخيب أمل الغرب بالمرة، فسيكون دائما هناك، ساخرا من الغرب ومستهزئاً بكارهيه. الاميركيون الذين قضوا شهورا طويلة في ملاحقة الرياح في صحراء افغانستان يهاجمون الآن هدفا مريحا وثابتا. والسؤال هو كم سيكلفهم ذلك. في الجيش الاسرائيلي هناك من يعتقدون ان الرئيس العراقي مثل هتلر لن يستسلم. وستكون هناك حاجة للدخول الى مكمنه وسحبه من هناك بالطريقة نفسها التي كان من المفترض الوصول فيها الى وكر هتلر في برلين من اجل اقناعه بالانتحار. من الناحية الاخرى هناك من يدعون ان الرئيس العراقي حسين هو «هتلر الفقراء». عندما سيشعر انه في خطر مباشر سيحاول الفرار أو بلورة صفقة فرار ملجأ سياسي في هذه الصحراء أو تلك مقابل الاستسلام التام والأكيد. إزاحة الرئيس العراقي مع الضجيج الذي يترافق معها مهمة جدا للشرق الاوسط كله. في قسم التخطيط في الجيش الاسرائيلي يحاولون الآن بناء تصور لما سيحدث بعد ذلك، ولكن لا أحد يملك تصورا دقيقا حول ما ستؤول اليه الامور في اليوم التالي. ما هو جدول الاعمال الاميركي، وهل سيكون لدى بوش طاقة كافية للاستمرار الى الأمام والوصول الى هنا مع خطة سلام واضحة، وهل سيكون ياسر عرفات هو التالي بعد الرئيس العراقي؟. الحرب في كل الاحوال تعتبر في نظر جهاز الدفاع هزة أرضية وعاملاً مهماً فيما يسمى عملية اعادة التهام الأوراق والتوجه نحو عالم أفضل وأكثر أمنا وأقل تلوثا بالارهاب. من الناحية الاخرى يمكن ان يتشوش كل شيء ويتدمر. فاذا استغرقت العملية مدة طويلة مثلا أو اذا استطاع الرئيس العراقي تنفيذ ضربة كيماوية ضخمة ضد تجمعات عسكرية اميركية، أو اذا أحرق نصف آبار النفط، أو اذا استطاع الصمود في حرب من بيت الى بيت في بغداد. فانه في مثل هذا الوضع ستحين الانتخابات الاميركية المقبلة وبوش في وضع صعب، حيث لن تكون لديه طاقة أو احتمال لأي شيء. لا خريطة الطرق ولا المستوطنات ولا عرفات.عرفات يجلس في مقره المحاصر ويشد على أيادي القيادة العراقية. فهو يتابع التطورات وأنفاسه متقطعة. وهو يدرك العلاقة المباشرة بين مصيره ومصير الرئيس العراقي حسين. وهو يشد على أصابع الرئيس العراقي. لدى عرفات سفير مباشر للعراق هو عزام الأحمد، وهو المسئول عن العلاقة المباشرة بينه وبين الرئيس العراقي في السنوات الاخيرة. ولشدة الأسف تقوم اسرائيل في الاشهر الاخيرة بمنع عزام الأحمد من الخروج من المناطق. وعرفات يكتفي في هذا الوضع بارسال رسائل غير مباشرة لبغداد. العراق من ناحيته يكثف من جهوده في المناطق ويزيد من ارسال الاموال ويضاعف مساعدته لتسخين الأجواء. وكل هذه الامور ستتوقف بعد الحرب. والسؤال هو اذا كان ذلك سيؤدي الى بلورة طاقة حاسمة شعبية تؤدي الى نهاية عرفات ايضا.خلال اللقاء الصعب الذي جرى بين شارون ومتسناع مؤخراً طرحت هذه الامكانية ايضا. شارون سيرغب جدا في ضم عرفات الى ركب الرئيس العراقي، الامر الذي سيمكنه من الاعلان عن نصره التاريخي واطلاق «ما يشبه عملية السلام» فورا. ومن الناحية الأخرى لم يسأل أحد عرفات عن رأيه في هذا السيناريو. في أغسطس المقبل سيبلغ عمر بيريز الثمانين عاما. ليس في البلاد وربما في العالم كله سياسي مثله، فسجله مذهل وطاقته لا تنتهي. الشبان من حوله يتعبون أما هو فلا ينام كعادته الا 3-4 ساعات في كل ليلة فقط، ومن ثم يواصل التخطيط والتخيل والأمل. عيد ميلاده سيكون مميزا عن أعياده السابقة المتواضعة نسبيا. فالمقربون يخططون لدعوة شخصيات عالمية. والحفل يهدف الى ابراز بيريز كأيقونة غير عادية وأسطورة اسرائيلية غريبة لا تتكرر وخالدة. عرفات اذا بقي حتى ذلك الموعد سيرسل له رسالة تهنئة. وأبو العلاء اذا كان في حالة صحية جيدة حتى ذلك الحين (وليس واضحا اذا كان سيشارك) سيدعى. أما ايهود باراك فلا (لن يدعى ولن يأتي). والسؤال هو ماذا سيكون منصبه في ذلك الحين، هل سيكون عضو كنيست عادي أم وزير خارجية (عن حزب العمل أو من تلقاء نفسه).بيريز في تنسيق تام مع شارون في كل ما يتعلق بالخطط السرية لتشكيل حكومة الوحدة. تركيز بيريز الآن لا ينصب على مستقبل الحزب وانما على مستقبل اسرائيل وعلى مستقبله هو. فهو لا يستطيع ان يسمح لنفسه ان ينتظر اربع سنوات لانه يدرك ان هذا الامر ان يحدث الآن أو أبدا. أمامه فرصة لاصلاح التركة التاريخية التي خلفها هنا. وشارون ايضا يملك فرصة مشابهة. عجوزا الجهاز السياسي يقومان الآن بشبك الأيادي نحو الجهد الاخير. فهل يقوم شارون بخداع بيريز مرة اخرى؟ وهل يخدع بيريز نفسه؟ وهل هذا حقيقي؟ احتمالات حكومة الوحدة أعلى مما تبدو عليه الآن. ففي العمل يدركون ان طرح شارون حكومة من الليكود والعمل وشينوي على طاولة متسناع لن يترك أمامه مفرا من الموافقة لانه يدرك ان الرفاق سيدوسونه اذا فعل ذلك. هذا الاقتراح طرح في حاشية شارون قبيل لقائه مع متسناع الا انه تراجع عنه في اللحظة الاخيرة لان الظروف لم تنضج بعد. شارون في معضلة لانه اذا فعل ذلك فسيخون الاصوليين ويكون هذا يوم طلاقه معهم وهو لن يفعل ذلك الا اذا ضمن ان هذا الخيار قائم وأكيد. برنامج الطواريء الذي يتبلور الآن في الليكود معد ليلائم مقاس شينوي وحزب العمل بحيث يتيح تشكيل حكومة علمانية من دون برنامج علماني مفرط، ومن هنا ستضطر الاحزاب الدينية لرفض الانضمام، أما شارون فسيدعي ان رفضهم غير مفهوم لان البرنامج ليس علمانيا صرفا. شارون سيستغل أجواء الحرب لتمرير هذه الخطوة الموجعة. في حاشيته يقولون هذا ما يريده فعلا. وقد أقسموا عدة مرات انه سيجلب السلام والأمن والاستقرار الاقتصادي. في هذه الفترة يحتدم في محيطنا المباشر والقريب نشاط مثير جدا بشار الاسد يحاول تهدئة حزب الله، ويبدو انه قد استوعب الرسالة الاميركية التي هددته بأنه قد يكون التالي في الطابور. الاسد الشاب يجري استعداداته لهجوم اسرائيلي محتمل. في المرة السابقة قام حزب الله بتسخين الساحة اللبنانية فقام الجيش الاسرائيلي باستعراض قائمة الاهداف أمام رئيس الوزراء. أما على صعيد جبهة العنف فالعملية الجارية هناك مثيرة ايضا. الجنرال عمر سليمان، رئيس الاستخبارات المصرية، قام بتمديد الموعد النهائي الذي وضعه أمام قادة حماس الذين افترض بهم ان يعودوا اليه مع اجابات. الآن مدد الموعد مجدداً. «عودوا مع ردود ايجابية» قال عمر سليمان «أو لا تعودوا بالمرة». المصريون طرحوا على حماس مطلبهم بالموافقة على وقف اطلاق نار شامل وتام في المناطق وفي اسرائيل. حماس وافقت حتى الآن على ايقاف العمليات ضد المدنيين ومواصلتها ضد الجيش في المناطق. المصريون رفضوا ذلك ساخرين. الخطوة المصرية مهمة وتشير الى تغير جذري في النهج بدلا من التصادم مع شارون أخذوا يحاولون التوافق والتعايش معه. تهدئة المنطقة وتخفيف درجة الحرارة التي تهدد بتفجير الشرق الاوسط بمن فيه. في حماس يدور الآن صراع داخلي خالد مشعل مثلا يؤيد الموافقة على الخطوة المصرية، أما بعض الأطراف الاخرى في حماس الخارج فتعارض ذلك. والشيخ احمد ياسين الذي يفترض فيه ان يمنح ايقاف النار المستقبلي صفة شرعية متأرجح. والامور كلها ما زالت مفتوحة. بقلم: بن كسفيت _ عن «معاريف»