الاثنين 9 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 10 فبراير 2003 على الطريق الرئيسي الممتد من البصرة الى بغداد وفي الضوء المضمحل قبيل الغروب، تسير شاحنتان كبيرتان ببطء تحمل كل منهما دبابة سوفييتية الصنع من طراز تي-52، وسبطانتها موجهة نحو السماء على نحو يوحي بالتحدي. وتفيد الشائعات ان الجيش العراقي يتعمد نقل المدرعات من مكان لآخر في انحاء البلاد فيما يشبه استعراض العضلات لتهدئة مخاوف الناس حول الكفاءات القتالية للجيش العراقي واذا كانت هذه فعلاً غاية التحركات، فإن دبابتي «تي-52» تساقان في الاتجاه الخاطئ فمن يحتاجون حقاً لهذا النوع من الطمأنة هم مواطنو البصرة. هذه المدينة الواقعة في اقصى الجنوب العراقي تبعد مسافة ساعة واحدة فقط بالسيارة عن الكويت، واذا شنت الولايات المتحدة حربها المرتقبة ضد العراق، فمن المؤكد ان القوات الاميركية سوف تحكم سيطرتها على البصرة، في مرحلة مبكرة، خلال زحفها شمالاً باتجاه بغداد، وسوف ترغب في ان يكون لها وجود في المنطقة للسيطرة على التمردات المحتملة من ابناء الجنوب العراقي حول البصرة واذا صح ما يقال عن استراتيجية الارض المحروقة التي ربما يتبعها الرئيس العراقي، عندها قد تتحول مدينة البصرة المطوقة بحقول النفط الى شرك بيئي بالغ الخطورة ويقول الجراح اكرم حمودي مدير مستشفى صدام التعليمي أكبر مستشفيات المدينة: «نعلم اننا في طريقنا الى كارثة حقيقية، ونفعل كل ما بوسعنا للاستعداد لها ونصلي ونبتهل كثيراً لاتقاء الشرور المقبلة». انه مأزق مألوف بالنسبة للبصرة فموقعها الاستراتيجي على ضفة شط العرب، احد اكثر المعابر المائية ازدحاماً في الشرق الاوسط جعل من المدينة هدفاً مغرياً للغزاة بما في ذلك الفرس والاتراك والبريطانيين على مدى اكثر من 600 عام وقد كانت هدفاً رئيسياً لقذائف المدفعية الايرانية خلال حرب 1980-1988 وفي حرب الخليج الثانية عام 1991، سيطرت قوات الحلفاء على المعابر الى المدينة لكنها لم تحتج الى دخولها بالقوة، نظراً لانسحاب الجيش العراقي بدون الكثير من القتال هل يمكن للجنود العراقيين ان يديروا ظهورهم ويركضوا هذه المرة ايضاً؟ انه احتمال لا يريد احد في البصرة التفكير فيه ويقول حمودي: «هذا غير ممكن لا استطيع ان اتخيل ان الجيش يمكن ان يسمح بفصل البصرة عن العراق». وهكذا تستعد البصرة لصراع مطول، معتمدة على خبراتها الطويلة مع الغزو وبأقل قدر ممكن من الجلبة والاهتياج وتعكف المستشفى على تحسين وضع بنك الدم الخاصة بها املاً في تخزين احتياطي يكفي لشهر كامل في حال كان معدل الطلب اليومي 50 لتراً من الدم. علماً بأن المعدل الطبيعي هو عشرة لترات ويعلق حمودي على ذلك قائلاً: «الشيء الايجابي الوحيد في الحرب مع ايران هو انها جعلتنا خبراء في حالات من هذا النوع». في الاسابيع القليلة الماضية، ضوعفت حصص المؤن الحكومية التي توزع على المواطنين مجاناً، مثل الطحين والارز والسكر والشاي لتوفير مخزون احتياطي في المنازل وبدأ اهالي البصرة الذين لم ينسوا ازمات نقص الوقود في حرب 1991، في تخزين الغازولين وغاز الطهي ايضاً ومن المسلم به ان محطات الطاقة سوف تدمر في اول موجة قصف اميركي، لذلك فإن اطول طوابير في المدينة هي امام مستودعات الكيروسين، حيث يجلب السكان مختلف اصناف الاواني والاوعية ـ من زجاجات المشروبات الغازية الى البراميل الفولاذية ـ لملئها بالوقود للمصابيح والمدافئ. والشيء الوحيد الذي لا يفعله الناس هنا هو المغادرة فأبناء البصرة يعلمون ان الجيش لن يسمح برحيل جماعي وفضلاً عن ذلك الى اين ستذهب الناس؟ يقول عبدالرزاق محمد، نائب رئيس جامعة البصرة: «خلال الحرب مع ايران كان الناس يرسلون اطفالهم الى الشمال بعيداً عن خطوط الجبهة لكن الآن لا يوجد مكان في العراق في مأمن من القنابل الاميركية. والناس هنا لا يزالون يتحدثون عن الاول من ديسمبر عندما ضربت القنابل الاميركية مجمع مكاتب شركة نفط في وسط المدينة حيث سقط اربعة قتلى و27 جريحاً من المدنيين، بحسب الأرقام العراقية الرسمية يقول البنتاغون ان قواته كانت ترد على النيران العراقية في ذلك اليوم وتقول ربة منزل تعيش بجوار المجمع: «لقد كان عند بوش ما يكفي من الصواريخ لضرب كل منزل من منازل البصرة. لماذا نتعب انفسنا بتخزين الطعام، اذا كنا سنموت جميعاً؟». ان الحديث بدون تحفظ بهذه النبرة القدرية التشاؤمية امر نادر من بلد ادمن التغني ببطولات الرئيس العراقي وقوته التي لا تقهر، وعندما تسأل البغداديين عن احتمالات الحرب تسمع دائماً تقريباً الموقف الرسمي ذاته: «جيش العراق الجبار بقيادة الرئيس المحبوب سوف يقهر الاميركيين الحمقى» لكن ابناء الجنوب يقولون الاشياء على حقيقتها وبدون تجميل بصورة عامة بخلاف البغداديين. ومن نواح عديدة اخرى، تبدو البصرة نقيض بغداد انها مدينة هادئة تنتشر مبانيها المنخفضة كيفما اتفق، وتغيب عنها الصروح المعمارية الضخمة التي تؤثرها القيادة العراقية ويغيب عنها في واقع الامر الرئيس العراقي بحد ذاته فهناك شوارع بأكملها في البصرة لا توجد فيها صورة واحدة للرئيس العراقي والتماثيل الاكثر بروزاً في بغداد ليست لصدام بل لشخصيات تاريخية مثل الشاعر بدر شاكر السياب والفيلسوف والعالم اللغوي الخليل بن احمد الفراهيدي ولشهداء من معارك سابقة والنصب التذكاري الاكثر اثارة من بين جميع النصب في العراق موجود على الكورنيش الممتد على طول شط العرب وهو عبارة عن مئة تمثال من البرونز لأبطال حربيين، يشير كل منهم باصبع الاتهام باتجاه ايران. التماثيل تشير بأصابعها شرقاً لكن الحرب التالية ستأتي من البصرة الى الجنوب ساحة اذلال العراق في عام 1991 عندما ساقت قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة الجيش العراقي من الكويت، عند تخوم المدينة ثمة ساتر رملي وخندق احدثتهما الكويت بعد حرب الخليج لمنع المتسللين من عبور الخط الذي يفصل الآن العراق عن الكويت، وخلفهما تحتشد القوة الغازية وفيما يحدق المزارع شداد حامد وقت الظهيرة الى ما وراء الخندق يدمدم قائلاً: «انني لا اراهم لكنني اعرف انهم هناك» ويعيش حامد البالغ من العمر 70 عاماً اقرب الى العدو من اي عراقي آخر فبيته المصنوع من الطين والاسمنت لا يبعد سوى 500 متر عن الحاجز الفاصل وقريته خردة تحاذي مركز صفوان الحدودي حيث وقع العراق على اتفاق وقف اطلاق النار لانهاء حرب الخليج ويرأس حامد عائلة من 32 فرداً تتضمن زوجتين و11 ابناً و12 حفيداً. ذكرياته عن حرب 1991 مشوشة بعض الشيء لكنه يتذكر كيف زحف الجنود الاميركيون ذات صباح برشاقة وهدوء طوقوا قريته قاطعين عنها الاتصالات مع صفوان ولم تكن قوات الرئيس العراقي الفارة في وضع يؤهلها للدفاع عن قرية خردة. وفي حين لم يقتحم الجنود الاميركيون بيت حامد، كما يقول، الا انهم امروا جميع الذكور الراشدين بالخروج ونقلوهم في شاحنات الى معسكر للاسرى خارج العراق لم يسق حامد معهم بسبب سنه المتقدمة ونجا اولاده من المصير نفسه لانهم جميعاً كانوا في البصرة ويقول حامد ان شبان القرية لم يعودوا من الاسر الا بعد خمسة اشهر وخلال هذه الفترة كان الكهول والنساء مضطرين للسهر على امر المحاصيل الزراعية وجميع الغلال بأنفسهم، ويضيف: «لقد عشنا اياماً فظيعة جداً ولاننا نعرف جيداً ما هي الحرب فإننا لا نريدها ان تنشب مرة اخرى». واذا عاد الجنود الاميركيون الى خردة مجدداً فإنهم لن يواجهوا اي مقاومة عسكرية فالقرية تقع في النطاق الخاضع للادارة المدنية بأمر من الأمم المتحدة واقرب عراقي مسلح موجود على بعد عشرة كيلومترات ويقول حامد: «ربما نضطر للدفاع عن انفسنا بالحجارة مثل الفلسطينيين» لكن هذه المحاولة لاظهار الشجاعة سرعان ما تخونها ابتسامة واهنة تظهر على محيا حامد الذي يستطرد قائلاً: «ربما يتمكن جيشنا من الوصول الى هنا بسرعة لانقاذنا». وان كانت نبرة صوته توحي بأنه غير مقتنع بأن ذلك سيحدث وعندما سئل عما اذا كان يشعر بالأمان في خردة اجاب حامد: «الامان بيد الله». ترجمة: علي محمد عن «تايم»