الاثنين 9 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 10 فبراير 2003 شغلت قضية «ناحوم منبار» الأجهزة الأمنية الإسرائيلية على جميع المستويات. كما جعلت ثلاثة رؤساء حكومات يتدخلون لمعالجتها، وقال شفتاي شبيط مسئول الموساد السابق (إن الموساد لم يكرس مثل هذه الجهود الجبارة، كما فعل في هذه القضية) إذ لم يحدث أن انشغلت الأجهزة الأمنية الأربعة، والشخصيات السياسية رفيعة المستوى بقضية كما كانت الحال مع «منبار» الذي نجح في أن يكون أحد أساطين رؤوس الأموال على الساحة الدولية، ويتاجر بالأسلحة في نهاية الثمانينيات مع إيران في أعقاب الحرب العراقية الإيرانية، وفي ظل ظروف دولية قام باستغلالها على أكمل وجه، فإسرائيل لم تكن قد اتخذت موقفاً واضحاً حيال السؤال المتعلق بأي النظامين أكثر عداءً لها أهو الرئيس العراقي في بغداد أم النظام الجديد آنذاك في إيران؟، كما أن الإدارة الأميركية كانت تجد صعوبة في حسم قضية أي الدولتين تقترب أو تبتعد عنها. ويمكن القول إن المهارات الخاصة لمنبار والظروف الدولية كانت وراء النجاح الأسطوري الذي حققه منبار طوال أربعة أعوام متواصلة تقريباً، والذي أثار حفيظة جميع الأجهزة الاستخبارية الإسرائيلية: الموساد والشاباك وشعبة الاستخبارات العسكرية، إضافة إلى خمس أجهزة استخبارية دولية (أميركا وبريطانيا وبولندا وفرنسا وهولندا) والجميع وضعوا «منبار» هدفاً لهم في محاولة منهم لجمع المعلومات عنه، وقد انتهى الأمر باعتقاله وإدانته أمام المحكمة الإسرائيلية بالخيانة، ومساعدة العدو في حربه وتقديم معلومات متعمدة للمس بأمن اسرائيل، إضافة إلى تزويد إيران بالمعلومات والمعدات التقنية والمواد الكيماوية لانتاج مواد قتال كيماوية، حتى أن رجال الموساد وصفوه بالداعم الرئيسي لإيران في سبيل الحصول على أسلحة هجومية كيماوية. المشي على الحبل وعلى صعيد الأجهزة الاستخبارية كان منبار بمهارة الذي يمشي على الحبل، وهو على خط التماس بين الموساد للاستخبارات والمهمات الخاصة، وبين شعبة الاستخبارات العسكرية في جيش الدفاع. وطريق منبار كان طويلاً ومثيراً من كيبوتس غفعات حاييم، حيث ولد في الثامن عشر من ابريل 1948 إلى سجن الرملة مروراً بلندن ووارسو وجنيف وفينا والفيلا الفاخرة في الريفيرا الفرنسية. وعلى الرغم من قامته القصيرة كان لاعب كرة سلة متفوقاً في منتخب هبوعيل غفعات حاييم، وعندما بلغ السادسة عشرة كان من اللاعبين الاحتياط في المنتخب الإسرائيلي. خدم في الجيش الإسرائيلي وشارك في معارك سيناء عام 1967م، ويقول عنه صديقه في كتيبة المظليين ومحاميه فيما بعد، آفي ريختمان، بأنه كان صديقاً رائعاً وطيب العشرة. انتقل إلى تل أبيب ليتجه نحو الأعمال التجارية لكنه تعرض لخسارات، وحكم عليه في قضية شيكات بدون رصيد بدفع غرامات والسجن ثلاثين شهراً مع وقف التنفيذ ولقد واصل الكثير من الأعمال الحرة التي كان أغلبها غير ناجح، والقليل منها رابحاً، واستمرت إدانته بتهم الغش والاحتيال والسرقة، في عام 1985 غادر اسرائيل إلى لندن ولم يكن في جيبه سوى ستمئة دولار حسب قوله، وفي إسرائيل تم الإعلان عنه فاراً من القانون، وفي لندن بدأ أعمالاً صغيرة كبيع الخضروات والفواكه في سوق توفنت جاردن، وهناك تعرف على البريطانية «جوي كيدي» التي شكلت لاحقاً شخصية مهمة في حياته على صعيد العلاقات مع إيران، وكانت كيدي ـ الغريبة الأطوار إلى حد ما ـ قد عملت في التجارة الدولية والأعمال الخيرية، لكن «منبار» لم يجد في عمله الطموح الذي ينشده فقرر تغيير توجهاته، وقد ارتبط بهذا التغيير (دودون-ك)طالب جامعي إسرائيلي يدرس الاقتصاد وإدارة الأعمال في لندن، ويعتاش من بيع الصحف، ومنبار الذي لم يكن يتكلم الإنجليزية بطلاقة، جعل دودون مترجماً ومستشاراً اقتصادياً لديه، وسرعان ما نشأت بينهما صداقة خاصة. قرر «منبار» دخول عالم تجارة الأسلحة عام 1987، واضطر لمغادرة بريطانيا لانتهاء مدة إقامته واكتشاف السلطات هناك بأنه يحمل جواز سفر بريطانيا باسم سوندراس-وليس كما ادعى، إذ أن القانون البريطاني لا يسمح بالتجارة العسكرية مع دول محظور التعامل معها (مثل إيران). وهكذا ورغماً عنه بدأ التجوال في أوروبا إلى أن استقر به الحال في فينا بضيافة مطلقته غاليا، التي غادرت إسرائيل واستقرت مع أفراد عائلتها في النمسا، وتجدر الإشارة هنا إلى أنه ليس معروفاً حتى يومنا هذا كيف ومتى تعرف «منبار» على التجار الإيرانيين، ولكن لا يوجد أدنى شك بأن هذه العلاقة نشأت لأول مرة في فيّنا، وعن ذلك قال «منبار» في مقابلة لاحقه معه «لقد وجدوني ووجدتهم» وبدأ «منبار» برمجة هذه العلاقة من خلال إدراكه لحاجة إيران لتطوير أنظمتها التسليحية. وبمشورة من أحد رجال الأعمال النمساويين قرر التوجه إلى بولندا لتلبية الطلب الإيراني، وبولندا في نهاية الثمانينيات كانت تعاني من أزمة سياسية وعقائدية واقتصادية، والحكومة الشيوعية فيها على حافة الانهيار، ويقول منبار أنه وجد الفرص سانحة في هذا العالم المجهول، ولم تكن لدى البولنديين معارضة لتصدير المعدات العسكرية، وكانوا بحاجة للمال، غير أن العقبة الوحيدة كانت التزامهم باتفاقيات مع الروس، ولكنه حسب قوله استطاع إقناع وزير الدفاع البولندي الجنرال بلوريان شيفيتسكي بالتخلي عن الروبل الروسي والإقبال على الدولار الأميركي، ويقول «وهكذا أنا الإسرائيلي من غفعات حاييم بالتعاون مع حكومة بولندا سرقنا الخيول من الأب الروسي الكبير». واستغل منبار أيضاً رخص أسعار العقارات في بولندا فاشترى مكتباً وشقة، واستدعى صديقه دودون لإدارة أعماله، كما أنشأ شركة باسم (يورويل هولدينغ)، وعين البولندي كاشيشتوف مديراً فنياً، وهو مهندس في مركز أبحاث كيماوي في وارسو، وامتدت أعمال منبار حتى كوّن شبكة من الشركات وصلت إلى سبعين شركة، ثم توقف عن عدها، حسب قوله. وفيما يخص الأسلحة عرض الجيش البولندي على منبار تسويق بضائعه على الدول التي كانت تتزود بالأسلحة السوفييتية. وزادت مساحة الفرص كثيراً في أعقاب سقوط الأنظمة الشيوعية تباعاً في دول شرق أوروبا، ومع ذلك وجد منبار أن الاتجار بالأسلحة الخفيفة غير مغر، ولذلك اتجه نحو معارفه الإيرانيين في النمسا، خاصة وأن النظام الإيراني جاد في السعي لتطوير أنظمته التسليحية في أعقاب انتهاء حربه مع العراق، ولذلك بسط الإيرانيون شبكة واسعة من المشترين في غرب أوروبا وشرقها. قدّم منبار للإيرانيين قوائم مطولة من المعدات الواقية من الأسلحة البيولوجية والكيماوية. وفي عام 1991، باع إيران ثلاثين صاروخاً مضاداً للطائرات من تصنيع الاتحاد السوفييتي السابق، ومخزنه في مستودعات الجيش البولندي، وكان ثمن الصفقة مئة ألف دولار (وبعد أعوام تردد أن إيران نقلت هذه الصواريخ إلى جماعة حزب الله، ولكن يبدو أن هذه الرواية ليست صحيحة). وعموماً فإن المعدات التي كان يبيعها «منبار» لإيران مرت بعمليات تحديث لتزداد قيمتها، ويقول الإيرانيون انه باع لهم عشرة مدافع مضادة للطائرات من فائض الجيش البولندي بقيمة مئة وخمسين ألف دولار. مرحلة التوسع وبدأ منبار التوسع في المجر وبلغاريا وتركيا، وقال مرة في إحدى المقابلات أنه كان يشتري الدبابة من طراز (تي 55) من الجيش البولندي بسعر خمسة وثلاثين ألف دولار ويضيف عليها نظام مراقبة النيران بكلفة عشرين ألف دولار ويبيعها للإيرانيين بمئتي ألف دولار، كما أن دبابة (تي-72) يمكنه الحصول عليها بمئة وخمسين ألف دولار ويبيعها بستمئة ألف دولار، مع أن سعرها في السوق كان يصل المليون دولار، فالأرباح كانت طائلة، ومرة صرح «منبار» بأنه باع للإيرانيين مئتي دبابة، ولكن المقربين منه يقولون أن هذه الرواية ليست صحيحة، أو أنها لم تتم مع أنه رغب في ذلك. وكان «منبار» في مجال تحديث الأسلحة البولندية يعمل في إسرائيل من خلال شركته «ماني انترناشونال» وعدد كبير من الشركات الإسرائيلية، وكان ضابط الاتصال في إسرائيل، هو العميد عاموس كوتسير الذي كان يعمل قائداً لكتيبة المظليين 890 إضافة إلى مناصب قيادية في المدرعات. ومن هنا كان بإمكان منبار أن يفخر أمام أصدقائه الإيرانيين والنمساويين بأنه يوظف جنرالاً كبيراً في الجيش الإسرائيلي. وفي الوقت نفسه يغير من الصورة السيئة التي التصقت به وبماضيه غير المشرف في إسرائيل، كي يتمكن من فتح صفحة جديدة أمام المجتمع الإسرائيلي. والعميد كوتسير من جانبه وعده بفتح أبواب وزارة الدفاع الإسرائيلية أمامه، وقد أوفى بما وعد به. أما منبار فقد لبى الحاجة الإيرانية للحصول على الأسلحة الكيماوية الهجومية، وهو الدرس الذي استوعبه الإيرانيون جيداً من خلال حربهم مع العراق، حيث كان استخدام الأخيرة للغازات الكيماوية عامل الحسم في طلب إيران وقف الحرب واللجوء إلى المفاوضات. وبذلك انتقل «منبار» إلى اللعب في ساحة الكبار، وأدت أرباحه الكبيرة إلى تغيير نمط حياته فانتقل للعيش في الريفيرا الفرنسية، وهناك استأنف العلاقة مع جوي كيدي التي غيرت اسمها بعد الزواج إلى باتلير ماركهام، وهي شخصية غريبة عملت في كل المجالات ولكن جمعتها بمنبار مسألة الأعمال الخيرية التي كانت بمثابة الغطاء لتجارة الأسلحة، واستمرت الصداقة بينهما عشر سنوات. ومع نهاية الثمانينيات بدأت الشائعات حول علاقة منبار بالإيرانيين تصل إلى وزارة الدفاع الإسرائيلية والأجهزة الاستخبارية، كما بدأت تتبلور التقديرات الإسرائيلية حول ارتفاع درجة خطورة إيران كعدو لإسرائيل، وكذلك شرعت الصحف في نشر أنباء تتحدث عن علاقات تجارية بين إسرائيل وإيران، والخبر كذلك الذي انتشر عن تحطم طائرة نقل مجهولة الهوية فوق الأجواء التركية، والتي ثارت الشكوك حولها بأنها كانت في طريقها من تل أبيب إلى طهران لنقل وسائل قتالية، مما أثار حفيظة الإدارة الأميركية التي فرضت في حينه حظراً على تزويد إيران بالأسلحة، وذلك أيضاً في أعقاب عملية احتجاز الرهائن في السفارة الأميركية بطهران. وقدمت إدارة الرئيس الأميركي آنذاك جيمي كارتر احتجاجاً شديد اللهجة لحكومة مناحيم بيغن إذا لم تتوقف عمليات التزويد بالأسلحة وخرق الحظر المفروض في هذا المجال. وعلى إثر ذلك أصدر كل من رئيس الحكومة بيغن ووزير الدفاع عيزرا وايزمان أمراً بوقف جميع التصاريح ببيع الأسلحة لإيران، ولكنهم في إسرائيل لم يتوقفوا يوماً عن العمل لاستئناف بيع الأسلحة لإيران والكثير من الوسطاء والسماسرة قدموا مقترحات وأفكاراً بهذا الصدد، وأحد هؤلاء رجل الأعمال يعقوب نمرودي. في أعقاب انتهاء الحرب العراقية الإيرانية لم يندهشوا في إسرائيل من أن «منبار» وجد له طريقاً إلى قلوب الإيرانيين، ويقول «منبار» ومحاميه آفي ريختمان أن عدداً كبيراً من العروض انهال عليهما من قبل رجال الأعمال والشركات تطلب الدخول إلى عالم تجارة الأسلحة. ويضيف منبار أن جميع الصناعات الأمنية الإسرائيلية كان لها ضلع في المبيعات لإيران، مثل شركة (ألبيت) التي سعت إلى تزويد إيران بأجهزة كاشفة للمواد الكيماوية، بصفقات وصلت إلى ملايين الدولارات، والأهم أن منبار سلم الشركة رسالة من حكومة إيران باللغة الفارسية تقول بأن إيران معنية حتى نهاية عام 1990 بالحصول على أجهزة لاكتشاف مواد القتال الكيماوية من مسافة قصيرة. لكن تلك الصفقات لشركة «ألبيت» لم يكتب لها النجاح وظهرت خلافات بين الطرفين، انتهت إلى قاعة المحكمة المركزية في تل أبيب، التي ناقشت الدعوى سراً، وحظرت نشر أية تفاصيل عنها، وحتى اليوم لم تنشر كلمة عن مداولات تلك القضية، إلا أنه بعد اعتقال منبار عام 1997 بدأ الهمس يتحول إلى أصوات عالية بشأن صفقات الأسلحة مع إيران، مما دفع المتحدث باسم وزارة الدفاع إلى الإعلان بأنه «في يوليو عام 1991 أصدرت وزارة الدفاع أمراً بوقف أية علاقة مع ناحوم منبار على خلفية ظهور بعض الشبهات بشأن اتصالات محتملة له مع إيران». وأضاف بأن المصادقة تمت على أساس أن عملية البيع هي لبولندا، غير أن البيت لم تكن الشركة الوحيدة، فقد نشرت الصحف الإسرائيلية في أعقاب اعتقال منبار عن صفقات عديدة، مثل بيع شاحنات قديمة من أملاك سلاح الجو لإيران، وتم تحويلها إلى نقل معدات لاكتشاف الغازات والتطهير منها، كما أن مصنع معادن باع صمامات متحركة للشطف والتطهير بعد التلوث الكيماوي. إضافة إلى محاولات لم تحظ بالدعم من شركتي سولتام وشال أون لبيع إيران كمامات غاز ومعدات أخرى من إنتاجهما، والمعلوم أن منبار كان يعتقد بأن كل ذلك كان بعلم وزارة الدفاع. ويشار إلى أن قرار الكوندور بمقاطعة منبار لم يتم تعميمه على رجال الأعمال في الخارج مثل يوسي كينان، الذي حاول تطوير أعماله في بولندا وهناك التقى منبار في نهاية الثمانينيات. لكن «منبار» لم يتأثر بالشائعات التي انتشرت حول أعماله، فقد قرر زيادة معدل استثماراته في إسرائيل. وفي يونيو 1992 تغيرت حياة منبار عندما تعرف على فرانسيس شميدت المولودة في فرنسا لأبوين يهوديين كانا من أعضاء المقاومة الفرنسية، والتي تنقلت في أعمال كثيرة إلى أن استقر بها المقام في شركة (كونسين) للهندسة، حيث تزوجت المهندس هيرمان شميدت على الرغم من أنه يكبرها بثمانية عشر عاماً. من جهة اخرى فقد قامت حكومة الأرجنتين بتشغيل شركة (كونسين) وشميدت بمشروع تطوير صاروخ أرض / أرض من طراز كوندور، وهو صاروخ إستراتيجي طويل المدى يعمل بالوقود الصلب، وهو في الواقع تقليد للصاروخ الأميركي فريشننغ، الذي حاولت ثلاث دول تطويره هي: الأرجنتين ومصر والعراق، وعمل شميدت في مصر في مشروع الكوندور، وهو الأمر الذي أثار الاستخبارات العسكرية والموساد في إسرائيل. وتقول فرانسيس أنها أعربت لزوجها عن اعتراضها على عمله الخطير والذي سيؤدي إلى مقتل الأطفال. لكنه ـ حسب قولها ـ لم يكن عقائدياً وفضل ربح الأموال، وقال لها بأن الصاروخ لن يلحق اي أضرار لأنه ليس جيداً. وفي النصف الثاني من الثمانينيات باع المصريون مشروع الصاروخ إلى العراق، مما دفع بشميدت إلى التوجه إلى بغداد. وتقول فرانسين أن زوجها أخبرها أنه يريد السفر إلى وجهة من المحظور عليه الإعلان عنها، إلا أنه عاد واعترف بأنه يعمل لصالح حكومة العراق، ولما أجابته بحجم المشكلات التي سيواجهها، اجابها بأنه «سوف يربح بضعة ملايين بسرعة ويعود». ولم تمض حياة الزوجين سهلة بعد ذلك جراء التهديدات التي تعرضوا لها من الاستخبارات الإسرائيلية كإضرام النيران في مكاتب «شميدت» في النمسا، وفي نهاية الأمر تم طردهما من موناكو بأمر من الأمير رينيه، ولذلك انتقلا للسكن في منزلين الأول على الحدود السويسرية الإيطالية والثاني في جنوب فرنسا، ومع بداية عام 1989 تمّ الطلاق بينهما، ثم أصيب شميدت بسرطان الرئتين، وفي الرابع من نوفمبر 1990م توفي. وتقول فرانسيس أن المرض داهم زوجها فجأة والذي لم يكن يدخن يوماً ويتمتع بصحة جيدة، وهي لا تسقط من حساباتها أن يكون جهاز مخابرات دولة ما وراء الأمر، ربما الموساد الذي تنسب إليه حوادث مماثلة. كان اللقاء الأول بين منبار وفرانسين، عندما اقترحت عليها إحدى صديقاتها بيع شقتها لمنبار، وفي اليوم التالي اتصلت الصديقة لتخبرها بطلب منبار الزواج منها. وأعربت فرانسين عن مخاوفها، فمنبار هو الرجل الإسرائيلي الأول الذي عرفته في حياتها، ولربما يكون مدسوساً من الموساد للحصول على معلومات عن زوجها، لكنها استجابت وتزوجته بعد عام وأنجبت ابنهما نيتسان، وبطبيعة الحال أخبرته عن مشروع زوجها السابق، وتذكر أن العميد «كوتسير» جاء إلى فرنسا وسألها الكثير من الأسئلة حول الأمر، لكن منبار أبلغها بأن كوتسير نصحه بالحذر منها فقد تكون عميلة لجهاز مخابرات أجنبي وحذره من الزواج بها، لكنه لم يستجب له. في أول زيارة لها لإسرائيل، في أواخر يناير عام 1992م، رتب منبار وكوتسير لها لقاء مع خمسة خبراء في شعبة الاستخبارات العسكرية في هيئة الأركان العامة، في الموساد، وذلك للحديث عن إرتباطات وعلاقات زوجها مع المصريين والعراقيين وعن مشروع الصاروخ، وتضيف بأنهم صعقوا عندما أخبرتهم بأنها حرقت كل الوثائق والتصاميم التي خلفها زوجها، لكنها أخبرتهم بكل ما تتذكر من أسماء وأرقام هواتف وعناوين وأمور أخرى. وتذكر فرانسين بأنها تسلمت هدية عبارة عن مرطبانات صغيرة للتوابل، قالوا لها بأنها تجلب الحظ. وفي تلك الأثناء كان منبار قد قام بتكوين علاقة مع جهاز الأمن العام مستعيناً بعاموس كوتسير، وبذلك تحول منبار إلى مساعد كما يقول أفراد الأجهزة الإستخبارية، أي الشخص الذي يبادر لتقديم المساعدة بمحض إرادته الشخصية، فهو الذي أخبر قادة الشاباك بعلاقة زوجته في صاروخ الكوندور، وزور تفاصيل ومعلومات عن لقاءاته بالإيرانيين لكنه لم يتطرق للعقود التي أبرمها معهم، وارتبط منبار بداني ميلينر رجل الشاباك لتنظيم الإتصال، ومرة أبدى منبار استعداداً لتقديم معلومات عن الطيار الإسرائيلي الأسير رون أراد، والذي كانت طائرته قد تحطمت في الأجواء اللبنانية، ووقع أسيراً بيد مقاتلي الجنوب اللبناني وذلك مقابل مليون دولار، فيما بعد أحضر منبار شريطاً قال أنه حصل عليه من رجل ارتباطه الإيراني، لكنه بعد الفحص الفني الذي أجرته شعبة الإستخبارات العسكرية على الشريط تبين أنه مزور، وأبدى «منبار» دهشته لذلك وإن كانوا في الإستخبارات العسكرية قد ساورهم الشك في أن يكون منبار على علم بأن الشريط مزور منذ البداية. وبعد اعتقاله ادعى أن الإيرانيين طلبوا منه أموالاً طائلة مقابل الشريط، لكنه رفض الدفع قبل الإطلاع عليه وأنه نجح في خداعهم وفي نسخ الشريط وإيصاله إلى إسرائيل وذلك كان مخاطرة. وفي أعقاب الحادث كان ميلينر قد أبلغ منبار بأن الأجهزة الأمنية في إسرائيل تطلب منه الكف عن التدخل في قضية أراد، وجراء شعوره بالإهانة حاول منبار تغيير القرار، لكنه أذعن في النهاية. وفي نظر الشاباك، فإن منبار لم يكن مساعداً متعاوناً على مستوى كبير، كما أن المعلومات التي قدمها لم تكن ذات قيمة متميزة، واعتاد الشاباك على إقبال رجال الأعمال الإسرائيليين الراغبين في تسليم معلومات حصلوا عليها من خلال اتصالاتهم خارج البلاد، وفي أغلب الأحيان، يسعى هؤلاء إلى اكتساب الأهمية والرفع من مستواهم. ومنذ اعتقال منبار ورجال الموساد والشاباك مقتنعون بأن لمنبار نوايا خفية أخرى من خلال الإتصال معهم. فقد عمل على بناء تغطية لإتصالاته السرية مع الإيرانيين والتي لم يكن يطلع ميلينر عليها، وبذلك يكون ـ حسب إدعائهم ـ قد بنى شبكة خارقة، ففي الوقت الذي يعمل بتجارة محظورة مع الإيرانيين، يقوم الشاباك بتفعيله كمتعاون معه، ومرة واحدة حضرت فتاة مندوبة عن الموساد لقاء بين منبار وميلينر، وكان انطباعها بأن ميليز مسحور بمنبار ويعتبره قصة نجاح كبرى، وما أن وصل الأمر إلى رئيس الشاباك (الرجل المتشكك بطبعه) حتى بدأت المطاردة التي تتحول على يد مسئول الموساد إلى حرب لا هوادة فيها. بدأ منبار في يونيو عام 1992م وبعد شهرين من زواجه، اقتحام عالم الرياضة، فقد قدم عرضاً لشراء منتخب كرة السلة هبوعيل بتل أبيب، إضافة إلى تبرعاته السخية لمنتخبات كرة السلة الإسرائيلية، التي وصلت إلى أكثر من سبعة ملايين دولار، ولكن يبدو بأن منبار كان يبالغ في ذلك كما فعل في مشروعاته الاستثمارية. مال وأعمال المال والأعمال والنجومية الرياضية مهدت له السبل لانشاء علاقات ودية على المستوى السياسي، وعلى رأسهم عوزي برعام وزير السياحة في حكومة رابين، وداليا إيتسيك عضوة الكنيست، ووزيرة البيئة في حكومة باراك، ووزيرة التجارة والصناعة في حكومة شارون، وقام منبار بتمويل حملات إنتخابية، وفي أعقاب مقتل رابين ساهم بالتبرع لإنشاء ميدان التسامح في مركز اليونسكو في باريس. وتمكن منبار من جمع عدد من الصور مع قادة إسرائيل، فقد قامت فرانسيس زوجته بنشر صور له مع شيمون بيريز وايهود أولمرت و ليئا رابين ويشار هنا إلى أن الشخص الذي رفض التقاط صورة معه هو رئيس الوزراء الاسرائيلي اسحق رابين، ولم تفلح محاولات التدخل من قبل الصحافية نيفا لينر المقربة من عائلة رابين، أو داليا إيتسيك، فقد كانت المعلومات تتراكم فوق طاولة رئيس الوزراء بكل ما هو معتم عن علاقات منبار بالإيرانيين، وكان كوتسير قد أبلغ الشاباك بأنه يشك في أن منبار يبيع لإيران أكثر مما يبلغ به السلطات الإسرائيلية، وتحدث أيضاً عن شبهات تدور حول مساع إيرانية للحصول على معدات تقنية لإنتاج أسلحة كيماوية وليس فقط معدات الوقاية من الهجمات الكيميائية. وفي تلك الأثناء تلقى الموساد استفساراً عاجلاً من جهة استخبارية أجنبية عن شخصية منبار، الأمر الذي نبه الموساد وجعله يبدأ حملة بقيادة شفتاي شافيط، كانت هي الأضخم في نطاق عمله، وقد استمرت أربع سنوات وطالت عدة قارات وبمشاركة عدة أجهزة استخبارية وعدد كبير من العملاء. وأسفرت النتائج عن أن منبار تجاوز علاقاته مع الإيرانيين ووصل حد تزويدها بقدرات هجومية كيماوية، وليس مجرد الصفقات الساذجة كمعدات الوقاية من الهجمات الكيماوية أو تسويق منتجات كهربائية أو سجائر «كِنْت ومالبورو»، كما كان يحرص هو على تقديم هذه الصورة.وشعر الموساد بالقلق من علاقات منبار العميقة والمتشعبة مع الإيرانيين، وخاصة من علاقته بمجيد عباس نور، الشخصية المهمة جدا في طهران، فهو المسئول عن الدائرة 105في وزارة الدفاع الإيرانية ومستشار رئيس الجمهورية علي أكبر هاشمي رفسنجاني ورئيس برنامج السلاح الكيماوي في بلاده، وهو المعروف باسم الدكتور عباس. إستمرت العلاقة بين منبار والدكتور عشرة أعوام، وكان الشاباك قد وجه مرة تحذيراً لمنبار لوقف تجارته مع الإيرانيين، وكان قد وعد بالتعاون الكامل مع الشاباك ووقف الإتجار بمواد القتال الكيماوية، وفي مذكرة أعدها ميلينر في السادس عشر من يوليو 1994م جاء أن جهاز المخابرات على علم بصفقات منبار لإيران المتضمنة بيع تقنيات ومواد قتال كيماوية، وإن كانوا بعد اعتقاله والتحقيق معه قالوا بأن ذلك لم يكن بالصورة الحقيقية، فلم يكن منبار يطلعهم على الحجم الكامل لتلك الصفقات. وعلى الرغم من ادعاءات منبار بأنه كان يفعل عكس ذلك، فقد تراكمت أمام مسئولي الأجهزة الأمنية رسائل سرية ووثائق عديدة تشير إلى أنه ـ أي منبار ـ يخفي العديد من الأمور ولا يكشف كامل نشاطه. مما حدا بشفتاي شافيط إلى تشديد الرقابة عليه. وفي إحدى المرات حاول منبار إظهار حسن النية فطلب من موظف مكتبه في وارسو تسليم الشاباك (كراستين من وثائقه) إلا أنه سلمهم حقائب تتضمن تسجيلات ونسخاً وكتباً إرشادية تشرح كيفية إنتاج الغازات، وحين واجهه الموساد بذلك قال إنه اشتراها من المكتبات. لكنه قبل ذلك كله أعرب لميلينر عن مخاوفه من إمكانية استغلال هذه الوثائق ضده، وكان رد ميلينر «نحن لا نعض اليد الممدودة إلينا» فاعتقد منبار بأنه من خلال هذه العبارة تلقى الحصانة من إمكانية تقديمه للقضاء في المستقبل. هذا التصور الذي سيكتشف لاحقاً بأنه كان مخطئاً فيه. ومع نهاية عام 1993م تبلورت النقاشات الدائرة لدى رئيس الوزراء إسحق رابين حول اعتبار إيران هدفاً استخبارياً مهما بعدما كانت الحكومة في عام 1990م قد اتخذت قراراً يعتبر إيران دولة عدوة. ومن خلال هذه النقاشات والمداولات تقرر أيضاً البدء بعملية سرية ضد منبار أطلق عليها اسم (عملية تارمينت) وتولى شافيط بنفسه رئاسة العملية. تأليف: يوسي ميلمان وإيتان هابر ـ عرض ومناقشة: توفيق أبوبكر