الاحد 8 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 9 فبراير 2003 تكشفت، مؤخراً، ملامح من الاشكال النهائية التي ستأخذها الحرب ضد العراق. فقد كانت هذه الاشكال هي على وجه الدقة الموضوع الرئيسي للقمة التي جمعت الرئيس الاميركي جورج بوش ورئيس الوزراء البريطاني توني بلير، اللذين قررا السماح بإعطاء فرصة رمزية اخرى لمفتشي الامم المتحدة لمدة ستة اسابيع كأقصى حد ليقولوا بأنهم عثروا على أسلحة دمار شامل في العراق. وعلى العراق ان يقول ان لديه اسلحة دمار شامل وان يتقدم بها لمفتشي الامم المتحدة، والا فسيواجه غزواً عسكرياً. وفي سياق هذه العملية اخذ شكل جديد للنظام العالمي بالتبلور، فالولايات المتحدة وبريطانيا انخرطتا في تحرك تحالفي تقليدي ضد دول كانت حتى قبل ايام، تبدو وكأنها تقود الرأي العام العالمي، وتقنية المواجهة التي اتخذها المتحالفان قوامها ان يسعيا الى محاصرة معارضي الحرب دبلوماسياً وشن حملة سياسية من ادلة وبراهين وتخويف من عمليات ارهابية وكان الحديث عن اسابيع وليس شهوراً في انتظار الحسم هو المحور الأساسي لتلك القمة. في مقابل ذلك، وضعت فرنسا والمانيا نفسيهما في موقع المعارضة للحرب، وطالبتا بمنح المفتشين مزيداً من الوقت، مشيرتين الى شهور وليس اسابيع فقط فما كان من وزير الدفاع الاميركي دونالد رامسفيلد الا ان وصفها بأنها «أوروبا العجوز» وفيما كررت روسيا والصين القول بضرورة منح المفتشين والامم المتحدة مزيداً من الوقت، تبدو الاولى وكأنها قد لحقت بتركيا الى صف الحرب الاميركي، اما الدول العربية فقياداتها اعربت عن رغبتها في توخي «الحذر». وقد قال بوش ان احتواء العراق يعد استراتيجية ما عادت تنفع، كما اعرب احد الدبلوماسيين الذين رافقوا بلير في رحلته للولايات المتحدة عن اعتقاده بأن مواقف الطرفين واستراتيجيتهما متطابقة وقوامها استنزاف الامم المتحدة ثم توجيه الضربة ومؤخراً، بدت اوروبا العجوز التي عناها رامسفيلد معزولة، فروسيا والصين غير واضحتي المواقف، والولايات المتحدة لم تترك وسيلة الا واتبعتها لايضاح ان الدبلوماسية ما عادت خيارها، الحرب ما عاد الجدل بشأنها يدور حول ما اذا كانت ستندلع ام لا، بل متى وكيف؟ مؤخراً، جهزت بريطانيا ملفاً استخبارياً ثانياً بشأن العراق، وبدوره قدم كولن باول للأمم المتحدة ما لديه من أدلة على تحايل العراق على قراراتها اما بليكس فسينتظر حتى 14 فبراير الحالي ليقدم تقريره الثاني لمجلس الامن، وهو التقرير الذي سيفيد على الارجح ان عدم تعاون العراق يعيق عمل فريقه. وينتظر جميع المراقبين ان يطرح مشروع قرار ثان على مجلس الامن يجيز استخدام القوة ضد العراق، وان كان هناك من سيعترض على القرار فلن يزيدا على الارجح عن اثنين: ألمانيا وسوريا. قبل ايام طلبت صحيفة «وول ستريت جورنال» الاميركية من رئيس الوزراء الاسباني خوسيه ماريا ازنار ونظيره الايطالي سيلفيو برلسكوني والبريطاني توني بلير توقيع رسالة الى الرئيس الاميركي يساندون فيها قراره بغزو العراق حينها وافق بلير بحماس شديد، اما برلسكوني فأراد مزيداً من اسماء الرؤساء ليوقعوا الى جانبه قبل ان يوقع هو وكانت النتيجة توقيع 8 زعماء دول اوروبية على الرسالة، 5 دول من الاتحاد الاوروبي وهي بريطانيا والبرتغال واسبانيا وايطاليا والدنمارك، وثلاث تنتظر الانضمام للاتحاد، وهي جمهورية التشيك والمجر وبولندا. طبعاً، الرسالة لم تعرض على زعيمي المانيا وفرنسا ولدى السؤال عن السبب في ذلك قال مسئول من مقر الحكومة البريطانية متهكماً ان ذلك سيعني «طابوراً طويلاً» غير ان النية الحقيقية لتجاهلها واضحة فقد قال المسئول نفسه ان المانيا وفرنسا تتحدثان بلغة مختلفة، واردنا ان نخبرهما انهما لا تتحدثان باسم اوروبا. وعلى الرغم من الغضبة التي اعربت عنها قيادة الاتحاد الاوروبي في بروكسل، التي رأت في الرسالة محاولة لزيادة عمق الشرخ داخل الاتحاد الاوروبي بخصوص العراق فإن فرنسا ارسلت مؤشرات تدل على انها يمكن الا تستخدم الفيتو، اذا رأت ادلة مقنعة.وقد تحدث بلير وبوش هاتفياً ليؤكد رئيس الوزراء البريطاني على الحاجة لعدم تجاهل طريق الامم المتحدة بسبب الرأي العام الداخلي والعالمي وبالتالي، اتفق الجانبان على منح فرصة لا تتجاوز بضعة اسابيع للمفتشين الدوليين واوضح بلير انه يرجح طلب قرار ثان من مجلس الامن وفي غضون ذلك تتواصل عملية التعبئة العسكرية وهذا هو الشق الثاني من استراتيجية الحليفين. اما الشق الثالث الى جانب عزل المعارضين ومواصلة الحشد العسكري فهو شن حملة دبلوماسية لاقناع الآخرين بالانضمام الى الركب فقد كان بلير اول من يعلم بنية واشنطن ارسال باول الى الامم المتحدة ليتحدث عن صلات مزعومة للعراق بشبكة القاعدة وفوراً بدأت الاستخبارات البريطانية تحضر ملفاً جديداً ضد العراق سلمته الى كوندوليزا رايس، مستشارة الرئيس الاميركي لشئون الأمن القومي ويفيد التقرير ان العراق يعمل على اخفاء اسلحة الدمار الشامل عن المفتشين الدوليين وان عناصر الاستخبارات العراقية يفوقون المفتشين عدداً بنسبة 200 الى واحد. ويضيف التقرير ان الحكومة العراقية قد كثفت جهودها لاخفاء الوثائق في أماكن لا يحتمل وجودها فيها مثل منازل مسئولين متوسطي المستوى والجامعات كما تم نقل المواد المحظورة والوثائق الى المناطق الزراعية والسكنية او جرى اخفاؤها تحت المستشفيات بل وحتى المساجد». في غضون ذلك، اخذت العلاقة بين بلير وبوش تثير انتقادات داخلية في بريطانيا، خاصة وانها تجمع سياسياً يسارياً اشتراكياً يؤمن بدور الدولة، وسياسياً يمينياً تكساسياً له سياسات انفرادية مستفزة ومع ان كثيراً من المراقبين الاميركيين يقولون ان بوش بحاجة الى بلير، فإنه ينكر اي زعيم لا يتبع طريقة تفكيره، فحينما التقى كولن باول، الذي يفترض انه اقل تشدداً في قضية الواحد من بقية وجوه الادارة الاميركية، بنظيره الفرنسي مؤخراً في نيويورك، كانت رسالته للأخير واضحة: لا تحاولوا التقليل من مدى عزم الولايات المتحدة على الانتهاء من هذه القضية وعدم السماح بإطالتها! هذه الرسالة تجد في الموقف البريطاني ما يعزز قوتها فخلال اجتماع وزراء خارجية الاتحاد الاوروبي الاسبوع قبل الماضي، رفض وزير خارجية بريطانيا جاك سترو مذكرة تفاهم تطالب بمنح مزيد من الوقت للمفتشين الدوليين ولدى نشر البيان الختامي للاجتماع كان بعيداً عن هذه الفكرة. عن ذلك يقول مسئول في الخارجية البريطانية ان مزيداً من الوقت ليس في الحقيقة سوى كناية عن الاحجام عن التحرك وبريطانيا لا تريد ارسال رسالة مهادنة للحكومة العراقية. كان السؤال الاخير الذي سمعه بوش في مؤتمره الصحفي في ختام اجتماعه مع بلير هو عن السبب وراء اصراره الشديد هذا على التحرك العسكري ضد العراق. حينها قال بوش: «بعد 11 سبتمبر لم يعد مبدأ الاحتواء يعني لنا شيئاً لقد قلت لكم ان الرؤية الاستراتيجية لنا قد تغيرت جذرياً، لأننا ندرك الآن ان المحيطات التي تفصلنا عن العالم ما عادت تحمينا ان العالم قد تغير، واهم اولوياتي حماية اميركا من اي اذى يلحق بها». بلير يعرف ان بوش وادارته يعملان على رسم ملامح نظام عالمي جديد، كما يعرف انه حتى يتمكن من البقاء جزءاً من هذا النظام فعليه ان يكون بجانب بوش. في مقابل ذلك، يشير الدبلوماسيون والمحللون الى ان الرئيس الفرنسي جاك شيراك الذي لا يزال يقود حتى الآن جبهة الرفض، والذي لم يظهر في قمة توكيه مع بلير اشارات واضحة على تليين موقفه المعارض لعمل عسكري متعجل ضد العراق قد بدأ يناور للبحث عن مخرج من زاوية الرفض التي حشر فرنسا فيها مع المانيا. ويشير هؤلاء الى الابحار المستعجل لحاملة الطائرات الفرنسية النووية «شارل ديغول» من ميناء طولون مؤخراً، لاجراء مناورات عسكرية لثلاثة اسابيع في شرق المتوسط، تتضمن تدريبات مشتركة مع حاملة الطائرات الاميركية «هاري ترومان» في اشارة الى ان شيراك لم يصبح مستعداً بعد لقطع الجسور الاطلسية لفرنسا مع اميركا.نعم، لقد اعاد الرئيس الفرنسي تكرار معارضته للحرب ضد العراق واكد ضرورة اعطاء مفتشي الامم المتحدة كل الوقت الكافي اللازم للبحث عن الاسلحة المحظورة المفترض وجودها. غير ان المحللين يقولون ان الموقف الفرنسي المناهض للحرب ليس هو نفسه ذلك الموقف الألماني الرافض بشدة للحرب وعن ذلك يقول جاك بيلتران، من المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية: «ان القول بأن موقفي فرنسا والمانيا متشابهان كان خطأ ان المانيا تعارض الحرب تحت اي ظرف وهذا لم يكن ابداً الموقف الفرنسي بل كان اشارة تضامن تجاه برلين ازعجت واشنطن». وحينما تضافر هذا مع بعض التصريحات الحادة المناوئة للحرب من بعض المسئولين الفرنسيين وخصوصاً وزير الخارجية الفرنسي دومينيك دوفيلبان كانت النتيجة وضع المانيا وفرنسا في خانة واحدة هي التحالف السلمي الذي اغاظ اميركا وجعل ثمانية قادة اوروبيين آخرين ينشرون رسالة تأييد لحربها موقعة بأيديهم في الصحف. طبعاً هذا لا يعني ان شيراك بالضرورة سيغير المسار الفرنسي فجأة ليدخل المظلة الاميركية كما انه بالتأكيد ليس بالزعيم الذي يجاهر بالرفض الشديد المتواصل خلال الأسابيع القليلة المقبلة شيراك بالتأكيد غير سعيد بالتناحر الفرنسي الاميركي الحالي وهو يدرك تماماً ان فيتو فرنسياً في مجلس الامن ضد قرار بالحرب سيجعل الامم المتحدة، وبالتالي الثقل الفرنسي فيها، في مهب الريح، اذ انه لن يردع اميركا، اذا ما عزمت على الحرب وهكذا يعتقد العديد من المراقبين، خصوصاً الفرنسيين منهم، بأن شيراك سيبدأ قريباً باعادة رسم تدريجية للموقف الفرنسي، او ان يعيد فرنسا الى موقفها الاولي الذي اتخذته بداية الازمة، وهو تفويض مجلس الامن بحلها. مصادر الحكومة الفرنسية تقول ان الموقف الاولي لها كان واضحاً، وسيكتسب الاحترام في نهاية المطاف هذا الموقف يقول ان الحرب هي الخيار النهائي وان هذا الخيار متروك لمجلس الامن وحده ليتخذ بشأنه القرار الاخير وان هذا الرأي قد تشوش في الاسابيع الاخيرة. يقول بيرلتران ان فرنسا اذا استطاعت ان تناور وتستعيد هذه الوضعية التي فقدتها فقد يستطيع شيراك حينها العثور على طريق الخروج من المأزق الفرنسي الحالي حتى لو كان ذلك عبر دليل نصف ملموس يدين العراق يقدمه باول او بليكس يوم 14 فبراير. لكن على شيراك ان يأخذ بعين الاعتبار ايضاً عاملاً مهماً آخر، وهو الرأي العام الفرنسي المعارض للحرب في معظمه اذ يقول المراقبون ان حوالي ثلاثة ارباع الفرنسيين يعارضون اي عمل عسكري ضد العراق حتى لو كان ذلك بقرار دولي لكن النصر الكبير الذي حققه في انتخابات الرئاسة قد يشجع شيراك على تجاهل المعارضة اليسارية التي طورت موقفها المعارض للحرب بقوة مؤخراً مطالباً باستخدام الفيتو الفرنسي في مجلس الأمن.يقول بيلتران: «اعتقد ان شيراك سيرى ان موقف فرنسا على الساحة الدولية اكثر أهمية له من شعبيته السياسية في الداخل واعتقد ان الامر سينتهي بتبنيه لموقف داعم لقرار ثان قوي من مجلس الامن وانذار نهائي واضح للعراق واخيراً السير في ركاب قافلة الحرب ان لم يكن لذلك من بد». اعداد: جلال الخليل