الاحد 8 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 9 فبراير 2003 لقد كان من الطبيعي أن تقوم المخابرات المصرية بمحاولة جديدة لتسريب جاسوس جديد، بعد نجاح جاك بيتون (رفعت الجمال)، لكن «الشاباك» جهاز الأمن العام الاسرائيلي كان على استعداد لمثل هذا الاحتمال، لكنهم كانوا يعلمون في الوقت ذاته بأن ازدواجية (بيتون ـ ياتيد ـ رفعت) منحتهم نقطة مراقبة غير عادية ازاء ما يحدث في جهاز المخابرات المصرية. ويبدو أن الشاباك كان متأكداً من أن العميل المصري المقبل سيتسلل الى اسرائيل من دون ارتباط بجاك بيتون لاعتبارات واضحة ذات علاقة بالسرية والكتمان، لكن الشاباك كان قادراً على اقتفاء الشقق الأمنية التابعة للمخابرات المصرية في أوروبا الغربية بالاضافة الى اكتشاف أساليب العمل ونظام التخطيط والرموز السرية، وبالفعل استطاع الشاباك كشف حقيقة يتسحاق كوتشوك والذي تمكن من العمل في اسرائيل طيلة عامين. يتسحاق كوتشوك من مواليد مصر 1938، اسمه الحقيقي كابورك يعقوبيان، وهو أحد أفراد أسرة أرمنية لم يتابع دراسته الجامعية بسبب وفاة والده حيث اضطر للعمل في مجال التصوير لكسب رزقه والانفاق على والدته، لكن المال الذي يجنيه لم يكن كافياً مما جعله يتورط في مخالفات جنائية بسيطة من الغش والسرقة، فدخل الى السجن باحدى تهم السرقة، وحكمت عليه المحكمة المصرية بالسجن ثلاثة أشهر، غير أنه في ديسمبر عام 1959، وبعد مرور شهر واحد على وجوده في السجن، قدم أشخاص من جهاز المخابرات المصرية صفقة ليعقوبيان، وتتلخص الصفقة بالافراج عنه والتغاضي عن مخالفته مقابل تجنيده في صفوف المخابرات المصرية، لكن لم توضح المخابرات المصرية طبيعة المهمة التي ستوكل اليه، فوافق يعقوبيان على الفور ومن دون أي تردد أو شروط. جاسوس رهن الإعداد لقد تميز يعقوبيان بمظهره المناسب، وقدرته الطبيعية لتعلم واكتساب اللغات، فقد كان قوياً باللغات الانجليزية، الفرنسية، العربية، الاسبانية، والتركية. مما جعله مؤهلاً للعمل ضمن جواسيس المخابرات المصرية المؤهلين للذهاب الى اسرائيل، حيث تم اعداده لمهمة التجسس طيلة عام كامل، فقد تم تدريبه في احدى الشقق الآمنة بالقاهرة على يد رجال محترفين وخبراء من المخابرات المصرية، فتعلم يعقوبيان قواعد مهمة في العمل السري، مثل التهرب والتضليل واستخدام الكتابة السرية، وتم اعداده لتقمص شخصية جديدة، حيث سيتحول يعقوبيان الأرمني الى يهودي مصري، ولأجل بناء هذا الغطاء اليهودي تم اجراء عملية ختان له في أحد مستشفيات القاهرة، ولكي يكون بالامكان منحه الاعداد والكفاءة الأفضل كان يتوجب على المصريين اعداده على يد أحد اليهود، ولكن خشية تسرب أي معلومات عنه، فضلت المخابرات عدم ايداعه بيد أحد أفراد الجالية اليهودية المصرية حتى لو كان بالامكان ايجاد يهودي مصري مخلص، من هنا بدأ يعقوبيان دراسة كل شيء بجهده الذاتي. حيث توجه لزيارة الكنيس الكبير في القاهرة ليتعلم العادات والسلوكيات والتقاليد والصلوات اليهودية، وزودته المخابرات المصرية بمجموعة من الصحف والكتب عن اسرائيل حتى يتعلم ويعرف عن المجتمع الجديد الذي سيعيش فيه. وبموجب الخطة المصرية التي أُعدت ليعقوبيان، كان ينبغي عليه تقديم نفسه على أنه أحد أفراد عائلة لاجئين يهود أتراك قدمت الى مصر من اليونان. وتشير وثائقه المزورة والتي استلمها من المخابرات المصرية الى أنه من مواليد سالونيكا في اليونان عام 1935 باسم يتسحاق كوتشوك لعائلة يهودية من أصل تركي، وبموجب القصة ترك الأب زوجته وابنه الشاب الى جهة مجهولة، وهاجرت الأم برفقة ولدها الى مصر حيث توفيت هناك. وبهدف تعزيز هذه الرواية تسلم يعقوبيان صورة لقبر والدته توضح أنها دفنت في إحدى المقابر اليهودية في مصر. ومن الجدير بالذكر أن هذه الطريقة معروفة ومقبولة جداً في أوساط وعالم أجهزة المخابرات لبناء تغطية للعملاء، حيث تلجأ هذه الأجهزة الى اخفاء أو قتل الوالدين أو أقارب في العائلة، وفي حال اثارة أي شبهات فانه سيكون من الصعب تأكيد القصة. ولأجل تعزيز هويته الجديدة تم تزويده بوثائق تحمل اسم كوتشوك صادرة عن جمعية الجالية اليهودية والحاخامية في القاهرة. وبالطبع تم تزوير هذه الوثائق من قبل الوحدة الفنية في المخابرات المصرية العامة، وكانت عملية التزوير متقنة ومعقولة، بالاضافة الى ذلك كان يعقوبيان ـ كوتشوك يحمل صوراً عن الوثائق والمستندات ولا يحمل نسخة أصلية وذلك لتعقيد امكانية اكتشاف التزوير. وبعد مرور تسعة أشهر وفي خريف عام 1960م تحديداً، توجه يتسحاق كوتشوك الى مكتب وكالة اللاجئين التابعة للأمم المتحدة في العاصمة المصرية للحصول على وثيقة لاجئ. قائلاً إن السلطات المصرية ترفض تمديد تصريح بقائه، وهو التصريح الذي كانت قد حصلت عليه والدته، عندما كانت على قيد الحياة. وبالفعل حصل على طلبه وبعد ذلك بأسابيع معدودة توجه الى القنصلية البرازيلية مزوداً ببطاقة اللاجئ، طالباً الحصول على تصريح هجرة الى البرازيل. يشار هنا الى أن مسألة اختيار المخابرات المصرية، حيث أن معظم اليهود الذين هاجروا من مصر الى اسرائيل حتى نهاية أعوام الخمسينيات فعلوا ذلك عن طريق أوروبا، وهذا ما فعله جاك بيتون سابقاً. ولكن منذ عام 1960م تم تشديد القيود بشأن هجرة اليهود من مصر، والهجرة من مصر الى البرازيل بدت آنذاك مقنعة ومنطقية أكثر. وفي مارس عام 1961 منحت القنصلية البرازيلية تأشيرة هجرة «ليعقوبيان» فسافر بحراً بهويته الجديدة من الاسكندرية الى جنوة في ايطاليا، ثم صعد احدى السفن الاسبانية (كافان روكي) المتوجهة الى البرازيل. خلال ابحاره التقى كوتشوك شاباً اسرائيلياً يدعى ايلي أدغمان (30 عاماً) من أحد كيبوتسات منطقة النقب، وكان أدغمان برفقة زوجته وابنتيه يقومون بزيارة لأفراد أسرتهم في البرازيل، ويقول ايلي أدغمان (جلس كوتشوك الى جانبنا بشكل دائم، وقدم نفسه على أنه يهودي من مواليد تركيا، وأدعى أيضاً بأنه يقيم وحيداً بلا أب ولا أم. وقرر أن يبدأ حياته ومستقبله في احدى دول أميركا اللاتينية، بعدما توصل الى استنتاج بأنه لا يوجد أي مستقبل لليهود القلائل الذين بقوا في مصر) وهكذا نشأت علاقة ودية بين اللاجئ اليهودي «كوتشوك» وأفراد عائلة أدغمان. لقد تأثر أدغمان بقصة اليهودي اللاجئ اليتيم الآتي من مصر، خاصة بعدما رأى صورة قبر والدة كوتشوك، فقرر أدغمان تقديم المساعدة له، أما كوتشوك فقال إن لقاء الصدفة الذي جمعه مع أدغمان حسّن من حظه حيث سيصل الى اسرائيل من دون الاشتباه به، فهو برفقة أصدقاء اسرائيليين جدد. وكان كوتشوك متيقظاً، فلم يطلب من عائلة أدغمان مرافقتهم الى اسرائيل، بل ان أدغمان اقترح عليه ذلك بحماس وانفعال أثناء الاحتفال بالعيد الثالث عشر لقيام اسرائيل. لقد كان ذلك الاحتفال مناسبة جيدة لكوتشكوك الذي تعرّف على مجموعة من الشباب اليهود البرازيليين والذين انهوا دورة مرشدين في اسرائيل. عند وصولهم الى البرازيل انفصل أفراد عائلة أدغمان عن كوتشوك، لكن خلال الشهرين اللذين مكثت فيهما عائلة أدغمان بالبرازيل، كانت هناك لقاءات متعددة تجمع بين العائلة والصديق اليهودي الجديد. وخلال ذلك أحاط الشاب اليهودي علماً بتاريخ الصهيونية والاستيطان اليهودي في أرض اسرائيل. لقد توثقت علاقة العائلة بكوتشوك، حيث شجعه أدغمان على الهجرة الى اسرائيل واقترح عليه التعرف على مندوبي الوكالة اليهودية في البرازيل ليرشدوه الى حقوقه وفرصته كمهاجر جديد في اسرائيل، لكن كوتشوك أظهر نفسه بمظهر المتردد الى أن استجاب في نهاية المطاف لصديقه. وعندها رافقه أدغمان الى لقاء مندوبي الوكالة اليهودية في ريو دي جانيرو، ولكن كلما ازدادت اللقاءات بين أدغمان وصديقه الجديد، تعززت شكوك رجل الكيبوتس ازاء صديقه، فقد لاحظ من خلال الحديث معه حرصه الشديد في التأكيد على ماضيه اليهودي، فهو يحاول دوماً التظاهر بأنه على دراية بالديانة والتقاليد اليهودية. لكنه عند مرور يهودي متدين، تبرز تحت ملابسه أربعة أهداب لم يعرف كوتشوك ما هي، فتوجه بالسؤال الى صديقه رجل الكيبوتس العلماني وشرح الأمر له، وهذا يعد بالأمر الغريب لرجل يعرض نفسه كيهودي يعرف أصول الديانة اليهودية، ولكنه لا يعرف تقاليد وملابس اليهود المتدنيين. بعدها قضى أدغمان شهرين في البرازيل، وكان على علاقة طيبة بكوتشوك يصف أدغمان هذه اللحظات بأنها لحظات مؤثرة جداً، لقد جاء كوتشوك الى الميناء لوداعنا، كما أنه اشترى هدايا لابنتيّ اللتين اعتاد على وصفهما بحبيبتي، واعداً بالقدوم الى اسرائيل ذات يوم، ان لم يكن بوصفه مهاجراً، على الأقل سيأتي زائراً. بعد عودة عائلة أدغمان الى اسرائيل، لم ينقطع يتسحاق كوتشوك عن البيئة اليهودية التي وصل اليها، لأنه في الواقع تصرف وفق التعليمات الصادرة عن المسئولين عن تفعيله، أي إيجاد علاقة مع الجالية اليهودية في البرازيل. حيث كان كوتشوك على اتصال دائم مع مشغليه في مصر، اذ التقى مع ممثل الغرفة التجارية المصرية، لكنه في حقيقة الأمر يعمل مندوباً لدائرة المخابرات المصرية العامة في تلك المدينة، وبتوجيه من ضابط الاستخبارات نقل يعقوبيان كوتشوك عنوانه الى سان باولو ليقوم بتعزيز هويته اليهودية، فقد حصل من السلطات المحلية على هوية برازيلية قانونية وصالحة تفيد بأنه يهودي، وعندها عاد الى ريو دي جانيرو حيث وجد له عملاً في حانوت للتصوير. وفي نهاية عام 1961 توجه كوتشوك الى مكتب الوكالة اليهودية والتي كان قد زارها قبل ذلك وتعرف على موظفيها وقدّم طلباً للهجرة الى اسرائيل، فقام هؤلاء العاملون في قسم الهجرة بالوكالة اليهودية بفتح ملف خاص به، وتمت الموافقة على طلبه. غادر كوتشوك البرازيل بالطريقة التي وصل بها اليها، اذ أبحر الى جنوة في ايطاليا وسارع من هناك للقاء المسئول عن تفعيله في ريو دي جانيرو، وقام بتسليمه آخر التعليمات والتوجيهات استعداداً لتسلله الى اسرائيل. تضمنت تلك التعليمات وجوب العمل تدريجياً وببطء وبذل الجهود من أجل تثبيت نفسه في المجتمع الاسرائيلي، وحيث كان المصريون يعلمون، بأنه كما هو حال أي مهاجر جديد سيتم تجنيد يعقوبيان ـ كوتشوك في صفوف الجيش الاسرائيلي، لذا طلبوا منه خلال لحظة التوجيه الأخيرة في جنوة العمل بجد للانخراط في احدى الوحدات العسكرية المهمة، والمفضل عند المخابرات المصرية هو سلك الاستخبارات أو سلاح المدرعات. الطريق إلى حيفا لقد بدأت رحلة «كوتشوك» في منتصف ديسمبر عام 1961 حيث أبحر «يتسحاق كوتشوك» من جنوة، وفي العشرين من الشهر نفسه نزل في ميناء حيفا وكان عمره الحقيقي آنذاك 24 عاماً و27 عاماً وفق وثائق الهوية المزورة التي يحملها. وبالطبع كأي مهاجر يهودي جديد، تم تحويل ملفه من قسم الهجرة في الوكالة اليهودية الى جهاز الشاباك، ومن خلال التدقيق في ملفه، ثارت الشكوك في الشاباك حول احتمال أن يكون هذا الشخص مبعوثاً من المخابرات المصرية. وتضاعفت هذه الشكوك مع معلومات وصلت للشاباك من ايلي أدغمان الصديق القديم لكوتشوك، ومن هنا قرر الشاباك مراقبة كوتشوك، الذي قام بالاتصال بصديقه أدغمان حال وصوله الى ميناء حيفا، التقى الاثنان في الكيبوتس، وأقام كوتشوك لعدة أيام هناك، فهو يتيم ولا أقارب له في اسرائيل. وبناءً على توصية من أدغمان تم قبول كوتشوك في أحد المعاهد في كيبوتس «دودوت» ليتعلم اللغة العبرية، الا أن كوتشوك لم يصمد طويلاً، حيث اشتكى بأنه لا يرغب في أن يشاركه في السكن أي شخص، وطلب السكن في غرفة وحده، وعندما لم يحصل على ما يريد قرر مغادرة الكيبوتس، لكنه تقدم بطلب آخر لاستيعابه في كيبوتس قريب من المنطقة الجنوبية. ولماذا في تلك المنطقة تحديدا؟ الرد على هذا السؤال جاء بعد القاء القبض عليه، حيث قال لرجال الشاباك بأنه كان يرغب في البقاء قريباً من قطاع غزة، فهذه هي احدى تعليمات المخابرات المصرية، حيث اعتقد المصريون أن بقاءه بالقرب من الحدود المصرية سوف يسهل عليه عملية الفرار في حالات الطوارئ، كما أن بامكان كوتشوك نقل الرسائل بالمثلثات بسرعة كبيرة نسبياً اذا بقي في المنطقة الجنوبية، حيث تم تحديد نقاط الارسال على حدود اسرائيل وقطاع غزة. وبالفعل تم استيعاب كوتشوك في كيبوتس جديد بناءً على توصية جديدة من أدغمان، الذي قدّم الى جانب توصيته معلومات خاصة بالمهاجر اليهودي الآتي من مصر. لقد استفاد كوتشوك من اقامته في الكيبوتس الجديد، حيث اطلع على الأجواء الفكرية السائدة في الكيبوتسات، وتعلم اللغة العبرية وبهذا أصبح كوتشوك يتقن سبع لغات، اذ تعلم البرتغالية في البرازيل، الا أن كوتشوك لم يعترف أبداً أنه تلقى دروساً في اللغة العبرية، قبل وصوله الى اسرائيل. وعلى الرغم من ذلك راودت الشكوك نفس سكرتير الكيبوتس (لوفليناد) الذي قال (انه يعرف العبرية قبل وصوله الى اسرائيل، ودخوله الى معهد العبرية في الكيبوتس لم يكن سوى لتسهيل اندماجه في المجتمع الاسرائيلي). أما معلمته في المعهد (يهوديت هارئيل) فتقول (لم يكن كوتشوك مميزاً،لم يهتم بالتعليم، ومعظم اهتمامه كان مكرساً لبنات الكيبوتس وآلة التصوير خاصته، التي بدت متطورة آنذاك لكن كان يحتفظ داخل محفظته بالصور التي التقطها). ويبدو أن كوتشوك تعمد اظهار نفسه كمصور غير محترف. تعرّف كوتشوك على احدى بنات الكيبوتس وهي في السابعة عشرة من العمر، توفي والدها أثناء حرب 1948، لقد نشأت علاقة وثيقة بين كوتشوك وتلك الفتاة، لكن أفراد عائلتها لم ترق لهم تلك العلاقة، حتى في المرحلة التي أبدى فيها الاثنان رغبتهما بالاقتران ببعضهما. وفي عام 1962 وقبل انتهاء مرحلة تعليمه في الكيبوتس، بدأ يدور الحديث حول مستقبله، لقد كان كوتشوك يفكر في البقاء في الكيبوتس كعضو فيه، لكنه أبدى نيته في فتح ستوديو تصوير خاص به، وفي النهاية تراجع عن هذه المشروعات وقرر التجند في صفوف الجيش. وقبل الانخراط في الجيش، توجه كوتشوك الى الوكالة اليهودية وطلب معونة مالية للحصول على سكن، فقدمت له الوكالة مبلغاً ووجهته لاحدى شركات الاسكان، حيث وقع عقد ايجار بالشراكة مع مهاجر يهودي من المغرب يدعى (ألبرت عميئيل). وحصل الاثنان على الشقة رقم 1/689 في الاسكان الجنوبي في مدينة عسقلان، والتي لا تبعد عن الحدود مع قطاع غزة سوى سبعة كيلومترات فقط. في نوفمبر 1962، تجند كوتشوك في الجيش الاسرائيلي ولكنه لم يستطع الانضمام الى سلاح المدرعات الاسرائيلي كما كانت رغبة رجال المخابرات المصرية وانما أصبح عضواً في سلاح آخر، فقد أنهى دورة التدريب الخاصة بسلاح النقل في (بيت نبالا) على مقربة من مدينة اللد، ثم عمل سائقاً شخصياً لضابط كبير في شعبة الطاقة البشرية يدعى كولونيل (شماعيا بيكنيتش) وهو أحد رجال الهاغاناة. لم تكن وظيفة كوتشوك على قدر كبير من الأهمية، لذلك قرر مغادرة الجيش واستغل الامكانية التي منحها الجيش الاسرائيلي في حينه للمهاجرين الجدد من أعمار ثمانية وعشرين عاماً فما فوق، والتي تمنح هؤلاء حق التسريح المبكر وهذا ما كان، غير أن السبب الحقيقي لمغادرته الجيش، هو تلقيه التعليمات من رجال المخابرات المصرية، فقد يئسوا من امكانية انتقاله لوحدة أكثر أهمية، وبالتالي فان عمله كسائق لم يعد مجدياً. السقوط عبّر جيران كوتشوك عن ملاحظتهم لظاهرتين مميزتين في حياته، اكثاره من التصوير والتباهي بأن كاميراته تلتقط الصور من مسافات بعيدة، كما أنه كان يكثر من الاستماع الى نشرات الأخبار الاذاعية بشكل دائم، ويقول أحد الجيران (كانت هذه هي نقطة الضعف لديه فعلاً، فعند سماعه اشارة الأخبار اعتاد كوتشوك على اسكات المحيطين به والتركيز لسماع الأخبار)، وفي الحقيقة لم يكن أصدقاؤه وجيرانه يعلمون أنه يحرص على سماع الأخبار ليلتقط تعليمات المخابرات المصرية التي يرسلها المصريون عبر البث الاذاعي السري من خلال اذاعة صوت العرب في القاهرة. ويبدو أن الأحداث لا تسير دائماً بصورة روتينية، فعند ساعات المساء يوم 19 ديسمبر عام 1963 وبعد مرور عامين بالضبط على هجرته الى اسرائيل وصل أفراد من الشرطة ورجال وحدة العمليات في الشاباك برئاسة أفراهام شالوم في حينه الى منزل كوتشوك في عسقلان، اذ فتح الباب بنفسه. عندها اقتحم رجال الشاباك المنزل واعتقلوا كوتشوك وصادروا حقائبه وكاميراته، ووجدوا بين حاجياته كراسة لرموز وكتابات سرية وجهاز ارسال وتسجيلات وعناوين في أوروبا. وبدأ التحقيق مع كوتشوك برئاسة «فيكتور كوهين» ونائبه «أريه هدار» والاثنان محققان في بداية طريقهما، ولم يكونا بحاجة الى أساليب متطورة جداً لاستخراج اعترافات كوتشوك، الذي تحدث عن تلقيه التعليمات عبر البث الاذاعي الذي كان يلتقط عبر جهاز موجود في غرفته، وعبر الرسائل البريدية التي كان يتلقاها من الخارج، كما تمكن من زيارة ايطاليا مرتين التقى خلالهما بمسئولي البعثة الاستخبارية المصرية العاملة في أوروبا الغربية. من جانب آخر فان المهمات التي ألقيت على كاهله فاجأت محققي الشاباك اذ أنها مهمات قليلة القيمة، كشراء صحف عبرية وارسالها الى أحد صناديق البريد في ايطاليا، والذي كان يشكل عنوان تغطية لبعثة المخابرات المصرية، كما قام بجمع كراسات أرقام الهواتف في اسرائيل التي كان يسرقها من أكشاك الهواتف العامة. الا أن التقارير الأكثر أهمية، هي ما كان يرسله كوتشوك حول المنشآت العسكرية التي التقط صورها أكثر من مرة. وفي احدى المرات أحبطت اسرائيل هذه المحاولة، حيث لاحظت الوحدة التنفيذية التابعة للشاباك أنه يقوم بوضع رسالة في أحد صناديق البريد. وبالتعاون بين الشاباك ودائرة البريد تم اعتراض تلك الرسالة والتي كانت تشمل تقريراً عن أحد المعسكرات في منطقة الجنوب، حيث تمكن الشاباك من فك رموز الكتابة. وعلى الرغم من ذلك، فقد تمكن كوتشوك من ارسال أكثر من رسالة الى الخارج خلال الفترة الواقعة ما بين ابريل 1962 الى نوفمبر 1963. ان السؤال الذي يطرح نفسه يتعلق بكيفية اكتشاف أمره من جانب الشاباك ربما بواسطة «ياتيد» ولو بطريقة غير مباشرة، الا أن هذا الاحتمال لا يعد قوياً، حيث أن المخابرات المصرية ظلت ملتزمة بقواعد السرية، فحالت دون اجراء أي اتصال بين ياتيد وكوتشوك، فلا أحد فيهما يعلم بوجود الآخر. لكن يبدو أن كشف حقيقة كوتشوك لم تكن صعبة، فخلال تلك المرحلة أصدرت دائرة احباط التجسس العربي قراراً لموظفي البريد بوجوب اتخاذ كافة اجراءات الحيطة والحذر، لا سيما في الرسائل المبعوثة الى الخارج، كما أن مهمة تحديد البريد الصادر ليست صعبة أو معقدة، خاصة أن سكان اسرائيل آنذاك لم يتجاوز عددهم ثلاثة ملايين نسمة، حيث كانت الرسائل المبعوثة للخارج يتم تصنيفها في دائرة مركزية، لأن بعض هذه الرسائل كانت تتوجه لعناوين التغطية الخاصة بالمخابرات المصرية في أوروبا. بعث كوتشوك أول رسالة بعد شهرين من وصوله الى اسرائيل، وأخذ الشاباك يعترض معظم الرسائل التي أرسلها «يعقوبيان» بالتعاون مع دائرة البريد، ومن رسالة الى أخرى أخذ يتضح بأن العميل المصري يسكن في المنطقة الجنوبية من البلاد، وشيئاً فشيئاً أخذ الشاباك يصل الى الحقيقة، فالعميل يسكن في عسقلان، التي تمت مراقبتها جيداً وتم جمع معلومات عن سكان المدينة، الا أن رجال الأمن لم يتوصلوا لأي معلومات، وفي أحد الأيام وعن طريق المصادفة تعرف أحد أفراد الشرطة على مهاجر جديد يدعى يتسحاق كوتشوك، فلم يعجبه أمره، مما حدا بالشرطي الى ارسال انطباعه وملاحظاته لمحطة الشرطة المحلية، والتي بدورها أرسلت تقريراً الى جهاز الشاباك، ومن هنا ألتقت هذه المعلومات مع المعلومات السابقة وتم القاء القبض على كوتشوك. المحاكمة في بداية عام 1964 تمت محاكمة كوتشوك في المحكمة المركزية بالقدس وقد أشار خلالها نائب مدعي عام الدولة «جدعون حسيد» الى الأسلوب المتطور الذي اتبعه المصريون في تفعيل كوتشوك، وأضاف بأن الأضرار التي ألحقها «يعقوبيان» من شأنها أن تنطوي على خطورة بالغة جداً لولا أنه تم القاء القبض عليه في مرحلة مبكرة من تفعيله. لذلك طالب المدعي العام بانزال عقوبة قاسية جداً بحقه. وبالفعل قبل القضاة مرافعة المدعي العام وحكموا عليه بالسجن ثمانية عشر عاماً، وفي عام 1965 وتحديداً في شهر اكتوبر قدّم يعقوبيان طلباً لاستئناف قضيته من خلال محاميه (دانيئيل يانوفسكي)، لكن طلبه قوبل بالرفض حيث تم رد الاستئناف من قبل رئيس المحكمة القاضي (يتسحاق أولشين) والقضاة الذين قالوا (لقد تم تسريب كوتشوك من قبل دولة جارة جراء تخطيط مسبق، وتم تدريبه على تنفيذ أعمال التجسس داخل اسرائيل وعمل في اسرائيل لمدة عامين مدعياً بأنه يهودي، وتسلل الى البلاد عبر الخداع والخدمة في المؤسسات العسكرية، وقدم معلومات عبر الرسائل السرية التي أرسلها للمخابرات المصرية، واعترف لاحقاً بجرائمه) لذلك رفضت المحكمة طلب الاستئناف الذي قدمه. لكن يعقوبيان لم يبقَ في السجن طويلاً، ففي التاسع والعشرين من مارس 1966 وخلال ساعات الصباح الباكر تم اخراجه من سجن الرملة المركزي ونقل الى حاجز ايرز عند حدود قطاع غزة وتم تسليمه للسلطات المصرية عند الساعة التاسعة صباحاً باشراف رجال الأمم المتحدة، كما قامت اسرائيل بتسليم فدائيين فلسطينيين من سكان قطاع غزة الى الجانب المصري وهما حسين حسن وأسعد خميس عبد القادر وكانا قد اعتقلا من قبل رجال الأمن الاسرائيلي وهما في طريقهما للقيام بعملية فدائية ضد اسرائيل. وفي مقابل هذه الصفقة تسلمت اسرائيل ثلاثة من اليهود الذين اجتازوا الحدود المصرية عن طريق الخطأ والثلاثة هم (دافيد حانوس وابنه شموئيل وعوديد مئير) وهم من هرتسليا كانوا قد اجتازوا الحدود في السابع من أغسطس 1965 لأجل شراء البطيخ. وبطريق المصادفة جاءت دورية تابعة للأمم المتحدة الى المكان واعتقلتهم وسلمتهم للجنود المصريين وتم التحقيق معهم في أحد سجون القاهرة، واستغلت مصر هذه الفرصة وطالبت اسرائيل بالافراج عن كوتشوك والفدائيين الفلسطينيين ولكن اسرائيل في البداية رفضت دلك بحجة، أن المصريين يطالبون بالافراج عن جاسوس واثنين كانا ينويان القيام بعمل ما ضد أهداف اسرائيلية، مقابل ثلاثة مدنيين اجتازوا الحدود خطأً ولكن في نهاية الأمر نجح العناد المصري واستجابت اسرائيل لذلك الأمر. لقد أثبتت المخابرات المصرية بأنها لا تتخلى ولا تنسى جواسيسها. تأليف: يوسي ميلمان وإيتان هابر ـ عرض ومناقشة: توفيق أبوبكر