السبت 7 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 8 فبراير 2003 يتحدث عن عمليات مختارة لجهاز الأمن الاسرائيلي (الشاباك) وجهاز المخابرات الخارجية الاسرائيلية (الموساد) حيث يتناول المؤلفان يوسي ميلمان وإيتان هابر، مجموعة من أشهر عمليات هذين الجهازين. يعرض الكتاب قصة أكبر شبكة تجسس اسرائيلية في مصر، والتي عرفت باسم «فضيحة لافون»، وكان المتهم الرئيسي فيها الجاسوس الاسرائيلي ايفري جلعاد. ويلقي الضوء على تفاصيل عملية «تارميت» وأسرار أخرى كثيرة، والهدف من هذه الاطلالة هو أن يعرف القاريء العربي رواية «الآخر» من دون أن يكون النشر تأكيداً أو نفياً لصحة هذه المعلومات. عملية الاستخبارات الاسرائيلية التي جرت في أوائل الخمسينيات في مصر، والتي كانت تهدف الى زعزعة النظام المصري الفتي بقيادة جمال عبد الناصر، شكلت خيبة أمل كبرى لاسرائيل في ميدان التجسس، ولا تزال في الذاكرة على الرغم من مرور خمسين عاماً عليها، اذ يكاد لا يخلو كتاب اسرائيلي من ذكر فضيحة لافون، وبطريقة أو بأخرى تركت هذه القضية بصماتها على الحكومات المتعاقبة في اسرائيل، وهناك من لم يكف عن البحث في حيثياتها حتى الآن، آملاً في الوصول الى استنتاجات جديدة، خاصة وأن القضية انتهت من دون دليل ادانة موجه ضد بطلها «ايفري جلعاد» الذي انتهت به الحال في مزرعة بكاليفورنيا في الولايات المتحدة الأميركية، حيث نشر مذكراته من هناك، وتوفي في يوليو عام 1993. وقد ظل يدعي حتى آخر يوم من أيام حياته بأنه بريء، وأنه سقط ضحية صراع قوي بين أشخاص ومجموعات في صفوف الأجهزة الاستخبارية الاسرائيلية. هذا كله يطرح على الرغم من أن المحكمة أدانت جلعاد وحكمت عليه بالسجن عشر سنوات قضاها كاملة في عزلة داخل سجن الرملة المركزي، ومع ذلك فليس من دليل قاطع على أن «جلعاد» هو الذي سلم أفراد شبكة التجسس الاسرائيلية للمخابرات المصرية. حيث أشار القاضي في حيثيات قرار الحكم الى أن «جلعاد» سلّم أعضاء الشبكة، على الرغم من عدم العثور على ما يدعم هذه الشكوك، وقد كان التوجه سائداً نحو معاقبة جلعاد بناء على توصية لجنة مشتركة للجيش الاسرائيلي والموساد، اتهمته بحيازة معلومات سرية بدافع المس بأمن اسرائيل متعمداً والاعداد للقيام بمخالفات ضد أمنها مستقبلاً. وطوال ثلاثة عقود من الزمان حمل «جلعاد» تهمة الخائن الأكبر في تاريخ المخابرات الاسرائيلية، الى حين ظهور قضية ماركوس كلينبرغ من المعهد البيولوجي في بلدة نيس تسيونا. عملية «سوزانا» وقبل الدخول في تفاصيل قضية لافون، لابد من القاء الضوء على الخلفية السياسية لوضع دولة اسرائيل عام 1954، فالخوف من المستقبل يضرب أطنابه في أعقاب النفي السياسي الذي فرضه بن غوريون على نفسه، حيث استقال من رئاسة الوزارة ووزارة الدفاع، وتوجه الى الاستيطان في كيبوتس سد بوكر في النقب، أي أن الأب المؤسس اختار الصحراء. وشعر الاسرائيليون بأن رئيس الحكومة موشي شاريت ووزير الدفاع بنحاس لافون لن يكونا مثله، كما أن وضع اسرائيل على الساحة الدولية كان في منتهى التعقيد، فالاتحاد السوفييتي أصبح دولة عظمى معادية، وبريطانيا على وشك سحب قواتها المرابطة في منطقة السويس، والادارة الأميركية الجديدة بقيادة الرئيس ايزنهاور تنكرت (ولو جزئياً) لاسرائيل، على أمل فتح قنوات جديدة مع النظام المصري بقيادة الرئيس جمال عبد الناصر. هذا الوضع دفع كلاً من بن غوريون وموشي ديان الى الاعتقاد بأن الزمن ليس لصالح اسرائيل، وأن الدول العربية ستعمل على الانتقام لكرامتها المهدورة في حرب عام 1948، وستستعد لحرب جديدة ضد اسرائيل، ولذلك فمن الأفضل توجيه ضربة وقائية لمصر قبل أن تتسلح بالعدة والعتاد. وتم وضع الخطة في شعبة الاستخبارات العسكرية في الجيش الاسرائيلي، وهي القاضية بتفعيل شباب يهود أعضاء في شبكة تخريب وتجسس للقيام باعتداءات على دور السينما والمؤسسات العامة، وبعض المؤسسات الأميركية والبريطانية لزعزعة نظام حكم عبد الناصر وتشويه صورته في نظر الدول الغربية، وضرب أي علاقة يمكن أن تنشأ بينه وبين هذه الدول. وكان أمل مخطط العملية التي أطلق عليها اسم (سوزانا)، أن تؤدي التفجيرات الى فتور العلاقة بين أميركا ومصر، وعدول بريطانيا عن اجلاء قواتها من السويس. ولكن السؤال المطروح يتعلق بالجهة التي صادقت على العملية: هل هي وزير الدفاع لافون أم رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية بنيامين جيبلي؟ وهل كان موشي ديان رئيس الأركان على علم بها؟ لقد ظل هذا السؤال يشغل بال المستويات السياسية والقضائية والاستخبارية في اسرائيل على مدى جيل كامل، ولم يتم تقديم الجواب الشافي، غير أن الأبحاث والوثائق أعطت الاستنتاج بأن لافون وجيبلي كانا وراء العملية ـ الفضيحة التي أثارت الصدمات السياسية وشكلت محور خلاف بين جناحي الحزب الحاكم (ماباي) والذي تبلور قبل ذلك كجزء من الصراع على وراثة بن غوريون، وكانت نهاية المطاف عام 1963 بانقسام الحزب، فقد شكل بن غوريون والأوفياء له (موشي ديان وشيمون بيريز واسحاق نافون والكاتب سيمار يزهار وآخرون) من قائمة عمال اسرائيل. بطل القضية «ايفري جلعاد» هو أدولف افراهام زايندبرغ، وهو نفسه بول فرانك، والكنية المسجلة له في ذاكرة التاريخ الأمني الاسرائيلي هي (الشخص الثالث). ولد زايندبرغ في فيينا عام 1926، أرسله والده الى فلسطين في أعقاب دخول هتلر للنمسا، ليتجند في صفوف البالماخ وينضم الى القسم الألماني العامل في خدمة الجيش البريطاني خلف خطوط الألمان. ويقول جلعاد في مذكراته عن تلك الفترة: «انه على الرغم من كفاءة المجموعة الا أنها لم تكن ذات يوم محل اختبار، فقررت قيادة الاستخبارات البريطانية حلها وتوزيع أفرادها في مهمات استخبارية، في مناطق مختلفة»، وفي أعقاب انتهاء الحرب العالمية الثانية التحق جلعاد بـ (الهاغاناه) ومن ثم بالكتيبة السادسة في فرقة أ لبالماخ، وهي كتيبة (هارئيل) حيث شارك في اقتحام الحصار المفروض على القدس، وعمل مساعداً لضابط استخبارات، وقائد سرية أركان، وخلال فترة وجيزة كان من أوائل المظليين، لكنه سرح من الجيش عام 1951 بعد مثوله لمحكمة عسكرية بتهمة نهب ثلاجة من أحد المنازل العربية، عمل لفترة قصيرة في مصنع تركيب السيارات الأميركية، ليتعرض بعدها لظروف بائسة وحياة صعبة، الا أن الخلاص جاءه من مصدر غير متوقع، اذ جاءه أحد ضباط الاستخبارات العسكرية ليرشده الى الانضمام لجهاز الموساد، وبالفعل اجتاز سلسلة من الاختبارات لينضم الى الوحدة (131) المعنية بعمليات التخريب والدعاية السوداء (الحرب النفسية) عبر خطوط العدو. وكان المقدم مردخاي بن تسور المسئول عن الوحدة عام 1951، المبادر لفكرة انشاء شبكات تجسس في مصر، ولذلك قام بتجنيد الرائد «أفراهام دار» المعروف بخدماته الجيدة للموساد، وخاصة في تنشيط الهجرة اليهودية من أوروبا الى اسرائيل. وبدأ «دار» نشاطه في مصر بجواز سفر بريطاني وباسم «جون دارلينغ» وبشخصية رجل أعمال، تمكن «دار» من انشاء خليتين، واحدة في القاهرة والأخرى في الاسكندرية، على الرغم من أنه والقائد «تسور» لم يتمكنا من تحديد مهمة المجموعتين بشكل دقيق، فقد كانت الأمور المطروحة متعددة من جمع المعلومات، الى التخريب، وتقديم المساعدة للهجرة اليهودية غير القانونية، وغيرها، كما تلقى أعضاء الخليتين تدريباتهم في اسرائيل. وفيما يخص «جلعاد» فقد تقرر ارساله الى ألمانيا قبل ذهابه الى مصر لبناء قصة تغطية مقنعة من خلال شخصية يهودي ألماني اسمه (بول فرانك)، وفي أرشيف الجيش الألماني اكتشف «جلعاد» أن الاستخبارات الألمانية زرعت عدداً من العملاء في منطقة أريحا، ومن ثم فقدت آثارهم، ومن بين هؤلاء الرائد «بول فرانك» من قسم التجسس المضاد في الجيش الألماني، هذه المصادفة المذهلة هي في صالح «جلعاد»، والتي لم يكن يتوقعها حتى في أجمل أحلامه، تمكنه من التمسك بها في حال تعرف أحد عليه في مصر، وفي ألمانيا تبنى «جلعاد» كل الماضي المتعلق ب « بول فرانك»، حتى أنه زار قريته وتذكره الناس هناك، وفي المرحلة الثانية بدأ البحث عن النازيين السابقين والتقى الفرنسي «ألفريد بوهيل»، وساعده في ذلك ما تلقاه من تدريبات في البالماخ، حتى أنه كان يحفظ الأناشيد النازية والشتائم المميزة والألفاظ والمصطلحات العسكرية. وبموجب تعليمات شعبة الاستخبارات العسكرية، التحق جلعاد بإحدى شركات الالكترونيات، وتمكن من أن يكون وكيلاً لها في مصر، واندفع رفاقه النازيون لتحميله رسائل توصية. في سينما ريو وصل فرانك الاسكندرية في مطلع عام 1954، ونجح في تدعيم مكانته كوكيل للشركة الألمانية وفي التعرف على السفير الألماني في مصر الذي عرّفه بدوره على مجموعة من النازيين السابقين الذين يعملون في المؤسسات الأمنية المصرية، وحتى ذلك الوقت لم يكن فرانك يعلم بماهية الهدف الذي وصل مصر من أجله، كما لم يكن يعلم بوجود الشبكة اليهودية في مصر. لكنه في مارس من العام نفسه التقى قائده «بن تسور» في باريس الذي طلب منه الاتصال بالشبكة في الاسكندرية والاعداد لأعمال تخريبية ضد المنشآت الأميركية والبريطانية وذلك لضرب العلاقة بين أميركا ومصر ولعرقلة اجلاء القوات البريطانية من السويس. وعاد فرانك الى مصر في أوائل يونيو ليتعرف على أعضاء الشبكة باسم روبرت. من جهة أخرى، كان الجدل قد ثار في اسرائيل في وقت سابق حول أهمية وضرورة الوحدة 131، وكان رئيس الأركان موشي ديان يرى أنها مضيعة للوقت والجهد والمال، وأنه من الأفضل التركيز على جمع المعلومات عن القدرات العسكرية العربية. الى جانب صراع القوى القائم بين رؤساء الأجهزة الأمنية. وفي الثاني من يوليو 1954م، قام أفراد الشبكة بتفجير ثلاثة صناديق بريد في الاسكندرية ملحقين أضراراً طفيفة لم تستثر الصحافة والسلطات المصرية. على عكس الحال في الرابع عشر من يوليو حين انفجرت قنبلتان في المركز الثقافي الأميركي في القاهرة والاسكندرية، لكن رد فعل السلطات المصرية تحول الى الشيوعيين والأخوان المسلمين، وفي العملية التي تم توقيتها في الثالث والعشرين من يوليو، في الذكرى السنوية الثانية للثورة المصرية، وكانت تستهدف محطة القطارات ومسرح ريفولي بالقاهرة وداري السينما (مترو وريو) في الاسكندرية، تم اكتشاف أمر منفذ العملية في سينما «ريو» مما دفع بالسلطات المصرية الى اعتقال أعضاء الشبكتين بعد يوم واحد فقط. وأدى غياب وانعدام المعلومات الواضحة من اسرائيل لأعضاء الشبكة في حال اعتقالهم الى الانهيار التام أثناء التحقيق، وسقوط الجميع في أيدي المخابرات المصرية عدا «ايفري جلعاد» الذي تمكن قبل فراره الى أوروبا من بيع سيارته والبقاء في مصر أسبوعين طليقاً، الأمر الذي أثار سؤال: «هل كان جلعاد خائناً؟» وهل تمكن المصريون من جعله عميلاً مزدوجاً؟ بعد الفضيحة في أعقاب سقوط الشبكة في مصر أصدر ديان أوامره بعزل مردخاي بن تسور من قيادة الوحدة 131 وتعيين يوسي هارئيل الذي اتخذ بدوره أحد أكثر القرارات اثارة في تاريخ الاستخبارات، بأن استدعى جميع العملاء في البلاد العربية وأوقف جميع النشاطات ولم يجر العمل على زرع عملاء جدد الا بعد عامين على الحادث، أي في عام 1956، كما وأنه خلال عملية تنظيم الوحدة كشف هارئيل النقاب عن أن بن تسور وجيبلي وجلعاد وضباطاً آخرين تورطوا في عمليات غش وتزوير للوثائق، وتورطوا أيضاً بتقديم شهادات كاذبة أمام لجنة التحقيق، واطلع هارئيل كلاً من وزير الدفاع لافون وديفيد بن غوريون المعتزل في كيبوتس سد بوكر على قراراته. وفي الحادي عشر من ديسمبر عام 1954 جرت محاكمة أفراد الشبكة في محكمة القاهرة العسكرية التي أصدرت حكماً باعدام شموئيل عازر والدكتور موشي مرزوق، وتم تنفيذ الحكم في 31 يناير 1955، أما باقي الأعضاء فقد صدر الحكم بسجنهم لفترات مختلفة. ومن بينهم كان مئير (ماكس) بينت، وهو رائد في شعبة الاستخبارات عمل سابقاً في كل من بغداد وطهران، والتحق بالوحدة 131 عام 1951 ليعمل في مصر كرجل أعمال ألماني ومهمته جمع المعلومات العسكرية، من دون أن تكون له صلة بأفراد الشبكة في مصر، ولكن معرفته بمارسيل نينو احدى عضوات الشبكة أدت الى اعتقاله، وربما يكون جلعاد هو الذي أعلم المخابرات المصرية بأمره، و«بينت» انتحر بعد اعتقاله وأُعيدت جثته الى اسرائيل بعد ذلك بأعوام لدفنها في جبل هرتسل سراً. لم تناقش حكومة اسرائيل القضية حتى بعد اعتقال أفراد الشبكة، ولكن في أعقاب المحاكمة طالب عدد من الوزراء بتوضيحات حول القضية، وتوجهت أصابع الاتهام لبنحاس لافون وزير الدفاع الذي استقال من منصبه أيضاً، وعاد بن غوريون من جديد ليتسلم وزارة الدفاع، واضطر بنيامين جيلبي مسئول شعبة الاستخبارات العسكرية للاستقالة، ليحل محله نائبه هركافي. ولم تتوقف الأمور عند هذا الحد، فقد استمر نافون وجيبلي بتبادل الاتهامات، وقبل أن يستقيل جيبلي أعاد جلعاد الى ألمانيا بشخصية «بول فرانك» وقيل حينها بأن جيبلي كان يرغب بابعاد جلعاد عن اسرائيل لمنعه من الادلاء بشهادته. هذا القرار بابعاد جلعاد للخارج أغضب «يوسي هارئيل» الذي كان يعتقد بتورط جلعاد في تسليم أعضاء الشبكة للمخابرات المصرية. لكنه لم يكن بامكانه القيام بشيء في ظل عدم وجود نفوذ له في شعبة الاستخبارات العسكرية، وبسبب تفاقم الخلافات بين المؤسسات الأمنية وغياب التنسيق، وغياب تحديد التخصصات فيما بينها. وفي يناير 1955 تم استدعاء جلعاد على عجل للشهادة، ولكنه كان قبل ذلك قد تسلم رسالة من جيبلي تفيد بالاشارة الى تاريخ متأخر للتعليمات التي تلقاها من «تسور» في شهادته، كي تتوافق مع شهادة داليا غولدشتاين سكرتيرة جيبلي التي اعترفت في الثمانينيات، بأن مديرها هو الذي طلب منها تغيير التاريخ في الشهادة التي تقدمت بها. وفي اسرائيل التقى جلعاد بموشي ديان وبنحاس لافون، وتمكنت شهادته المزورة من الحيلولة دون اتخاذ قرار استمرار التحقيق الجاري بالقضية. كما فشلت محاولة هارئيل لاعتقاله، وعاد «جلعاد» من جديد الى ألمانيا ليواصل عمله هناك. وفي مذكراته، برّر جلعاد شهادته الكاذبة بالتزامه بأوامر مديره لانقاذ صورة جيش الدفاع الحرجة في القضية. ومرة أخرى طلبه هارئيل حين استلم قيادة الوحدة 131 لتقديم حديث مفصل عن حياته، ونفذ جلعاد الأمر وعاد من حيث أتى، كان ذلك في أوائل العام 1956، وهذه المرة بدأ اتصالاته بالعقيد عثمان نوري الملحق المصري في السفارة المصرية في بون، وكان قد تعرف اليه في القاهرة حين كان نائباً لمسئول المخابرات المصرية، ولم يكن قد أبلغ الوحدة 131 بهذه الاتصالات، وانما اقترح ذلك عليها في صورة أن يكون عميلاً مزدوجاً، غير أن قيادة الوحدة أخذت تتسلى بالفكرة طويلاً، دون اتخاذ قرار حاسم بهذا الشأن، بينما كان جلعاد يواصل الأمر باطمئنان، وقد أخطأ في ذلك اذ أن مصادفة تعرض لها ضابط الاستخبارات الاسرائيلي ديفيد كيمحي في ألمانيا في بداية نوفمبر 1957، كشفت المستور، فقد حاول كيمحي تجنيد عميل ألماني شاب، لكن هذا الأخير فاجأه بالقول:(عرفتك، أنت مبعوث من طرف عثمان نوري، وبول فرانك أرسلني اليه لتجديد العلاقة معه)، وحينها أدرك كيمحي بأنه امتلك دليلاً على أن «جلعاد» هو عميل مزدوج يخدم المخابرات المصرية، وأن (فاغنر) هو الاسم الذي منحه اياه العقيد نوري في مصر، وأرسل كيمحي تقريره الى هارئيل، الذي قام بدوره باطلاع بن غوريون رئيس الحكومة على هذه المعلومات المثيرة، لاتخاذ الاجراء اللازم، وقد تم الاتفاق على اعادة جلعاد الى اسرائيل بكل الوسائل للتحقيق معه. لكن الأخير كان حذراً ورفض المحاولات المغرية الكثيرة التي قدموها اليه. والغريب أنه استجاب مرة واحدة وبقي في تل أبيب شهراً كاملاً، وعن ذلك يقول هو بأنه عاد بمبادرة شخصية على الرغم من الحكايات العديدة الدائرة حول عودته، وحتى ارغامه على العودة عنوة أو بالخداع، كأن يوضع داخل حقيبة ملفوفاً بالجبس، وما أشبه ذلك، ويضيف بأنه أرسل بياناً قبل قدومه يطلب استيضاح الحقيقة في قضية لافون.وأياً كانت الأمور فقد تم استدعاء جلعاد للتحقيق معه، ومن ثم اعتقاله، على الرغم من الروايات الغريبة والعجيبة التي سردها في التحقيق كمحاولة من خلال عمله مع العقيد نوري اطلاق سراح أعضاء الشبكة، أو تمكنه من الحصول على شريط فيلم عن مصنع صواريخ مصري وأنه هرّب الشريط على جسده ليوصله الى اسرائيل، وغير ذلك من حكايات غريبة، الا أن المحققين لم يقتنعوا بالوضع الغريب الذي كان عليه جلعاد أثناء التحقيق، ومع ذلك نجح جلعاد في اتلاف وثائق سرية مهمة كانت مخبأة في شقته في حيفا بمساعدة صديقين له، لكن «الشاباك» الأمن الداخلي في اسرائيل، نجح في ضبط شحنة في ميناء حيفا كانت معدة للتصدير الى هامبورغ، وكانت عبارة عن يوميات جلعاد في مصر، وعلى الرغم من أنها لا تحمل دليلاً ضده، الا أنها عزّزت شكوك القائمين على التحقيق، والذين اعتقدوا بأن هناك نسخة أخرى للمذكرات عند زوجته شولا في فيينا، فجرى تزوير رسالة لزوجته على أنها من «جلعاد» تطالب بتسليم اليوميات لأنها تفيده في الدفاع عن نفسه خلال المحاكمة، لكن شولا ترددت وطلبت من المبعوث تأجيل الأمر بضعة أيام، وفي أثناء ذلك استشارت هوغو كروغ شريك جلعاد في شركة «اينغادكو» التي شكلت تغطية لنشاطه في مصر، والذي أشار عليها بعدم تسليم اليوميات، وهكذا تم تدمير وتغييب اليوميات التي كان من شأنها أن تشكل أساساً لادانته. وفي التحقيق، اعترف جلعاد بأنه أرسل الشاب الألماني للقاء العقيد نوري كي يبيعه معلومات وأسراراً مختلفة، وأدعى أيضاً بأنه كان بحاجة للمال، كي يمول نفقات والده المريض، وواصل انكار خيانته لرفاقه في الشبكة الاستخبارية وتسليمهم للسلطات المصرية، وحين عرضت عليه وثيقة مصرية تفيد بأن سبب سقوط الشبكة كان عميلاً مصرياً مزدوجاً يعمل في صفوفها، قال جلعاد أنه شموئيل عازار الذي انتهت مغامراته بالاعدام. اللغز لا يزال قائماً وأمضى جلعاد الحكم الصادر عليه، وهو عشرة أعوام قضاها في عزلة تامة في سجن الرملة المركزي، وبعد الافراج عنه، غادر الى كاليفورنيا، حيث اشترى احدى المزارع، ونشر مذكراته هناك، وتوفي في يوليو عام 1993، وقد ظل يدعي حتى آخر يوم في حياته بأنه بريء، وأنه سقط ضحية صراع قوى بين أشخاص ومجموعات في صفوف الأجهزة الاستخبارية الاسرائيلية، أما الأجهزة الاستخبارية الاسرائيلية فقد ظلت وعلى جميع المستويات تشعر بالفشل لهذا الاخفاق الفظيع. كما بقي هارئيل يحاول طوال حياته الحصول على دليل أو مفتاح لحل القضية، لكن جميع جهوده باءت بالفشل، وفي بداية العام 1968 تم الافراج عن سجناء القضية، المعروفة بفضيحة لافون، ضمن صفقة تبادل للأسرى مع مصر في أعقاب حرب يونيو، وحاول محققو جهاز الشاباك الوصول الى دليل ادانة من هؤلاء ضد جلعاد، ولكن بدون فائدة، ولا يزال الأمر معلقاً حتى اليوم، على الرغم من أن جلعاد هو في نظر كل من لهم ضلع بهذه القضية، هو خائن سلّم رفاقه في الشبكة للمخابرات المصرية، مما أدى الى اعتقالهم واعدام شخصين منهم. تأليف: يوسي ميلمان وإيتان هابر _ عرض ومناقشة: توفيق أبوبكر