الجمعة 6 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 7 فبراير 2003 في الساعة الواحدة بعد ظهر التاسع والعشرين من يناير 1864، كانت فتاة صغيرة بملامح بريئة وشعر خشن مسترسل على الكتفين ترتدي معطفها الشتوي وتنتظر بصبر لكي يتم التقاط صورة لها، وفي الجهة المقابلة لها، قامت امرأة قصيرة القامة، ممتلئة الجسم، وفي منتصف العمر، بوضع شريحة زجاجية اخرى في الجانب الخلفي من كاميراتها الكبيرة، وتوسلت الى الفتاة كي تبقى ساكنة في مكانها، وعلى الارجح انها كانت تقوم بالعد ايضا، فقد كان التقاط الصورة يستغرق مدداً تصل الى خمس دقائق، واذا كانت الفتاة قد شعرت بالملل فإن ذلك لم يظهر عليها، فوجهها، الملتفت الى الجنب لالتقاط الضوء، كان هادئا، ولكنه مفعم بالحياة، وكان انحناءاته قد برزت بفعل التباين بين الظل والضوء. ولقد كانت النتيجة مرضية للمصورة حيث كتبت رسالة بهذا الخصوص الى والد الفتاة في ذلك اليوم تقول فيها: انني ادين بنجاحي المثالي الاول في انتاج صورة كاملة الى انصياع وعذوبة افضل وأجمل جليسة صغيرة، لقد التقطت هذه الصورة من قبلي من الساعة الواحدة بعد الظهر من يوم الجمعة الموافق 29 يناير وتمت طباعتها وتثبيتها في الاطار وتسليمها كما هي عليه الآن من قبلي بحلول الساعة الثامنة مساء من هذا اليوم نفسه 29 يناير 1864 جوليا مارغريت كاميرون. وبعد هذه الحادثة بعشر سنوات، وفي مذكراتها سجلات بيتي الزجاجي، اسهبت كاميرون في وصف هذه اللحظة قائلة: كنت منتشية من الفرح وتنقلت في جميع اركان المنزل بحثاً عن هدايا اقدمها للطفلة. وشعرت وكأنها هي التي صنعت الصورة بالكامل. كانت تلك الفتاة هي آني ويلهلمينا فيلبوت. وكانت تبلغ من العمر ثماني سنوات ويتيمة الأم. وكانت تقيم هي وشقيقها في جزيرة وايت مع الاوصياء عليهما، الذين كانوا اصدقاء لالفريد تنيسون الشاعر المتميز والصديق المقرب من عائلة كاميرون. كانت كاميرون سعيدة بالصورة التي اعطتها العنوان الدال آني ـ نجاحي الاول حتى انها ضمت نسخة مطبوعة منها الى الالبومات التي اعدتها للاصدقاء والزبائن احتفالاً بفنها الراقي، وعلى أمل ان تجذب المزيد من المبيعات: ففنها كان قد اثبت انه مكلف. وكتبت الى صديقها الفلكي سير جون هيرشل تقول: «عندما بدأت مهنة التصوير كنت آمل ان تساعدني في تعليم احد اولادي، وسرعان ما اكتشفت ان تكاليفها تضاهي ضعف ايراداتها، ولهذا اصبح من الواجب عليّ استعادة النفقات التي تكبدتها. في عام 1864، كانت كاميرون تبلغ من العمر 48 عاماً ولديها ستة اطفال، اما زوجها تشارلز هاي كاميرون، فيكبرها بعشرين عاماً، وكان قد تقاعد في ذلك الوقت ولدت جوليا كاميرون في كالكوتا بالهند عام 1815، وكان والدها يعمل موظفاً في شركة الهند الشرقية، وكانت والدتها ابنة احد افراد العائلة المالكة الفرنسية الذي فر الى الهند قبل اندلاع الثورة. وقضت جوليا واخواتها الجانب الاكبر من فترة المراهقة مع جدتهم في فرساي وكانوا يقومون برحلات طويلة بالسفينة الى الهند لزيارة والديهم، والتقت بتشارلز في كيب تاون، حيث كانت تمضي فترة نقاهة من مرض ألم بها، وتزوجا في عام 1838 وامضيا السنوات العشر التالية في الهند، وفي كيب تاون ايضا تعرفت على هيرشيل الذي كان يستطلع اجواء النصف الجنوبي من الكرة الارضية. وكان مهتماً بعلم التصوير الجديد وكان على الرجح اول شخص يتحدث الى كاميرون عنه. وعندما بدأت تلتقط الصور، كتبت الى هرشيل تقول له: «اتذكر بامتنان ان اول معلومة حصلت عليها عن التصوير كانت منك في صورة رسالة تلقيتها في كالكوتا وارسلت اليه البوماً جمعت فيه بعضا من افضل صورها، وكان من بينها صورة آني. وبحلول ذلك الوقت، كانت قائمة الشخصيات التي قصدت كاميرون لالتقاط الصور تضم شخصيات بارزة وشهيرة في انجلترا، وقد ضم الالبوم الذي ارسلته الى هيرشيل كلا من تنيسون وتوماس كارلايل وهيرشبل نفسه والرسام جي. أف واطس والشاعر سير هندير تيلور وانطوني ترولوب، وكانت هناك صور ايضا لاولاد كاميرون واخواتها وابنة اختها جوليا جاكسون التي انجبت فيما بعد ابنتين هما فانيسابيل وفرجينيا وولف. وكانت هناك صور تمثل احداثاً تاريخية اعتمدت فيها كاميرون على اصدقاء واطفال يرتدون ملابس لاحداث مشهد روائي مبني على قصص من الميثولوجيا الاغريقية والتاريخ والادب. غير ان الصور المشهدية لم تحظ ابداً بالتقدير الذي حصلت عليه الصور الشخصية، وربما يعود هذا الى استخدام كاميرون للضوء والظل والتحكم بالضوء من خلال تعتيم النوافذ في البيت الزجاجي، والسماح بدخول حزمة واحدة من الاشعة يتم ترشيحها عبر قماش قطني لاعطائها مسحة من اللوان الاصفر وتسليطها على الشخص الجالس لالتقاط الصورة. وكانت النتيجة هي الحصول على وجه وضاء يبرز من بين الظلال بشكل جميل. وعلى الرغم من انها كانت تأمل بأن تعتاش من صورها، إلا انها لم تكن تملك الرغبة في ان تصبح مصورة محترفة. ومن بين مبيعاتها القليلة كانت هناك دفعة مؤلفة من 80 صورة بيعت الى متحف جنوب كنسنجتون والمعروف الآن باسم «في اند ايه» مقابل 22 جنيها استرلينيا «يمكن ان يصل ثمن الواحدة منها الآن الى ما يزيد على 100 الف جنيه. ضرار عمير