الجمعة 6 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 7 فبراير 2003 «لم يعد للحياة معنى بالنسبة لنا.. سوف نحمي هذا المتحف حتى آخر قطرة من دمنا» هذا ما قالته صباح العمري القيمة الشابة على متحف الموصل للصحافي البريطاني دان كروكشانك، الذي قدم للعراق مؤخرا لاعداد برنامج على «بي بي سي» عن الدمار الذي حل بالاثار العراقية على مدى عشرين عاما من الحروب مع ايران ثم مع الغرب، كانت صباح تتحدث بنبرة جادة وحادة تنم عن عزيمة وهمة لا تنثني واصرار على الدفاع عن الارث الحضاري والثقافي لوطنها. تحليق الطائرات الاميركية والبريطانية فوق المكان كان مبررا كافيا لاخلاء المتحف في جميع المعروضات الهشة، والان ينبيء الصمت القابع بين صفوف الخزن الزجاجية الفارغة في المتحف عن حقيقة ان الفن والثقافة يقعان في خط النار بالعراق وان الكنوز الثقافية الفريدة والثمينة على المستوى الدولي قد تتعرض لأضرار رهيبة اذا اصبح العراق ساحة لحرب اخرى. ولا عجب في ان يكن العراقيون هذا القدر من الحب والتبجيل للثقافة القديمة الثرية الى حد الادهاش في بلدهم، فالعراق هو مهد حضارة العالم، ومعظم الاشياء التي يعتبرها الغرب اساسية لتقدم الانسان تضرب جذورها في بلاد ما بين النهرين، التي تشكل قلب العراق الحديث. انها الارض المنبسطة الخصبة الواقعة بين نهري الفرات ودجلة والتي فتنت اليونان القدماء لكونها فردوسا في هذا الجزء الحار من العالم، وفي هذا المكان وقبل سبعة آلاف عام تعلم ابناء جنوب ما بين الرافدين ري الارض بواسطة الاقنية وليستثمروا ارضهم الخصبة التي تلغمها حرارة الشمس الحارقة، وقد جلب ذلك الوفرة والرخاء الى المنطقة وحفز نمو الحياة الفكرية والروحانية، وقبل حوالي خمسة الاف عام، اخترع السومريون ـ الكتابة والعمل والرياضيات حتى مفهومنا الحديث للزمن «تقسيم وحدة الزمن الى 60 جزءا فكرة سومرية»، والاواني الفخارية والفنون اقدم كتاب معروف الان هو ملحمة جلجاميش الذي كتب في بلاد ما بين الرافدين قبل حوالي 4500 عام، واللاهوت «اصول معظم الكتب المقدسة والاساطير المسيحية واليهودية والروحانية توجد في الكتابات الدينية السومرية» وبعد ذلك في حدود عام 200 ق.م، ولدت في المكان ذاته القوانين المدونة والتقويم، وفي حدود المعرفة البشرية الى الان، فإن اول مدينة في العالم بنيت في جنوب منطقة ما بين الرافدين، هنا بزغت جذور الحضارة الانسانية المدنية، تأسست اولى المدائن اوروك التي كان جلجاميش ملكا عليها، قبل حوالي ستة الاف عام، وكشفت قصة أوروك وملكها عن الاصل اللاهوتي للمدينة، فقد ارتحل جلجاميش عن موطنه بحثا عن المعرفة والخلود، وبعد مغامرات عديدة ادرك انه لا يمكن تحقيق الخلود الا من خلال العمارة، من خلال بناء المدن التي تحمل اسم بانيها أبد الدهر، فتخلده بعد رحيله. لكن على الرغم من كل هذا الثراء الحضاري والثقافي فقد توقف السياح الغربيون عن القدوم الى العراق قبل سنوات واصبحت الاهمية الثقافية الهائلة للبلد منسية الى حد بعيد، وعندما يكون هذا التاريخ الحافل بعيدا عن العين والذهن، يسهل تجاهله في اي حرب مقبلة، وكما يوضح دوني جورج مدير متحف العراق وعالم آثار ذو مكانة دولية، فإن «الغرب الان ينظر الى العراق الان على انه مجرد معسكر مسلح، متناسيا ان البلد برمته موطن لثقافات وآثار قديمة لا تقدر بثمن وهذا يعني ان اي قنبلة او صاروخ يسقط في اي مكان في العراق يمكن ان يدمر موقعا تاريخيا او يطمس آثارا لم يكتشف بعد». ويبدو هذا النسيان او التناسي غريبا، لان المتاحف في اوروبا والولايات المتحدة مليئة بالغنائم الثقافية التي جلبت في منطقة ما بين الرافدين في القرنين التاسع عشر والعشرين والامثلة الاكثر اثارة تعود لفترة الامبراطورية الاشورية التي جاءت بعد بروز الاشوريين وبلغت اوجها في حدود عام 850 قبل الميلاد وايضا في الامبراطورية البابلية بزعامة الملك نبوخذ نصر الثاني في حدود عام 600 ق.م. وعندما اكتشفت هذه اللقى الاثرية العظيمة في خورساباد ونينوى ونيمرود في مواقع مدن قديمة منسية اخرى اكتشف العالم حضارة عظيمة مفقودة، واصبح ضروريا للبشرية ان تعيد كتابة تاريخها، ولو كانت العواقب دراماتيكية جدا في بعض الاحيان، وعلى سبيل المثال فعندما اكتشفت الالواح الطينية التي تحمل حكاية جلجاميش وفكت رموزها فيما بين عامي 1860 و 1870 كانت صدمة كبيرة للغرب، فلقد قدمت هذه الالواح للعالم ملحمة ـ ليست فقط اقدم من ملحمتي هوميروس بـ 1500 عام بل من الواضح انها اقدم من الانجيل ذاته ـ تضمنت قصة فيضان عظيم تشبه الى حد بعيد قصة نوح، لقد كان ذلك الاكتشاف تحديا للمعتقدات المسيحية التقليدية، وقد احدث هذا الاكتشاف الى جانب الثيران المجنحة ذات الرؤوس البشرية واشياء اخرى ورد ذكرها في العهد القديم ضجة كبيرة في اوروبا واميركا في القرن التاسع عشر، حتى ان الاشكال والانماط الاشورية اصبحت الزي الشائع في الملابس والمفروشات والديكور في ذلك العصر. ومن الواضح ان المواقع التاريخية والعمارة القديمة اصبحتا اليوم قضايا سياسية ساخنة في العراق، وتجلى ذلك واضحا لمن يزور المدينة الاسطورية بابل، التي اعاد بناءها نبوخذ نصر في القرن السابع قبل الميلاد، والتي تتضمن احدى عجائب الدنيا من الحدائق المعلقة، وقد حرص النظام الحالي بدوره على الاهتمام بشكل خاص بهذه المدينة واعادة بناء العديد من اجزائها لتسليط الضوء على الاهمية الثقافية والامتداد الحضاري العظيم للعراق. وفي بلدة القرنة على الحافة الجنوبية للبلد يلتقي الفرات ودجلة في مشهد بديع ليجريان جنوبا نحو الخليج، وبحسب المعتقدات القديمة فإن هذا المكان هو حديقة عدن التي ورد ذكرها في العهد القديم، ولاشك ان البلدت تطابق التوصيف الذي ورد في الاسفار المقدسة بأرضها الخصبة ونخيلها الشاهق، ولابد ان الارض المحيطة ببلدة قرنة بدت كالفردوس للأشخاص القادمين في الصحاري المحيطة. لكن هنا كما في اي مكان اخر في البلد يبدو الاحساس بالسلام والطمأنينة مخادعا، واذا زحفت الدبابات الغازية عبر المواقع الاثرية فقد تكون الخسائر الثقافية والبشرية فادحة، وستكون هذه كارثة للعالم بأسره، لان تاريخ العراق هو ببساطة تاريخ العالم. علي محمد