الخميس 5 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 6 فبراير 2003 الرجال أكثر ميلا للعنف من النساء في كل مستويات الاعمار وفي اي جزء من العالم، ولذلك صاغ مؤلف الكتاب الذي نناقشه هنا جيفن دي بيكر لغته في كتابه «منة الخوف» لتكتسي حلة الذكورة وهو يؤكد ان الانسان يخاف في كثير من الاحيان من الآخرين مهما كانوا لطفاء معه وفي مواقف خلال مسيرة حياته تعتريه نوبات من الخوف في مكان ما وفي وقت ما، خاصة اذا كان الانسان الذي يقترب منك يثير الشكوك حول سلوكه، ولم يسبق لك ان رأيته في حياتك. وبيكر الكاتب ليس سوى خبير في قضايا العنف ويستطيع سبر اغوار الواقع لينتشلنا من حقيقة الخوف، ويبعث في انفسنا الطمأنينة والتحدي. ولدى مؤلف هذا الكتاب كما يبدو واضحا من الاطلالة الاولى الكثير ليقوله عن الجريمة والخوف منها وهو يقوله بالفعل باسلوب الاقناع والنماذج الواقعية من الحياة. ويرى بيكر ان أسمى تجربة في الحياة هي ان يرفض الانسان ان يكون ضحية، لان ذلك يعد مؤشرا الى اقوى ما فيه والى قدرته على الصمود في وجه الخطر. لا شك بأنه كان يراقبها منذ فترة. لم نكن متأكدين ولكن ما كنا نعلمه هو انها لم تكن ضحيته الاولى. في عصر ذاك اليوم، وفي جهد للحصول على كل ما ترغب في شرائه في مشوار واحد بالغت كيلي في تقدير قدرتها على حمل السلع التي اشترتها في طريق عودتها الى البيت، ولتبرير قرارها، بينما كانت تكافح محاولة حمل اشيائها، تذكرت ان التردد على السوبر ماركت مرتين سيعني انها ستمشي وحيدة في الظلام، وكانت حريصة على أمنها وحياتها الشخصية. وبينما كانت تصعد بضع درجات الى شقتها اكتشفت ان باب البناية غير محكم الاغلاق، ورأت ان جيرانها غير مبالين، وعلى الرغم من ان استرخاءهم في البناية بهذه القضية ازعجها، الا انها وجدت في ذلك سانحة جيدة لانها لن تضطر لوضع اغراضها على الارض لاخراج المفتاح من حقيبتها. اغلقت الباب وراءها ودفعته حتى اطمأنت الى انه اغلق تماما، وتأكدت من اغلاقه ولكن ذلك يعني ان هناك مجهولا سبقها الى الردهة داخل المبنى. وبعدها جاء صعود أربعة طوابق للوصول الى شقتها، وقد ارادت انجاز ذلك، او تمنت تحقيقه في خطوة واحدة، وما ان بلغت قمة درج الطابق الثالث حتى انفرط احد الاكياس، وسقط منه كل ما كان يحتويه من المعلبات الخاصة بطعام قطتها، وتدحرجت تلك المعلبات على الدرج وكأنها تحدث اصداء لمعزوفة خفية، او انها تحاول الافلات منها، وتوقفت العلبة الاولى عند الطابق الثاني، واتبعتها كيلي بنظراتها تحاول رصد اتجاهها، الى ان غابت عن عينها. صاح شخص ما: «لقد امسكت بها وسأحملها اليك». لم تشعر كيلي بارتياح ازاء ذلك الصوت، فمنذ البداية احست بأن هناك شيئا غير مريح، ولكن ما لبث صاحب هذا الصوت الودود ان صعد اليها، وهو يحدث جلبة اثناء صعوده، وفي طريقه كان يجمع المعلبات التي انتشرت على الارض. وعلى الرغم من ان ذلك الشخص بدا انه لا يرغب في شيء سوى تقديم المساعدة، في تلك اللحظة، الا ان كيلي توجست خيفة منه، لكنها ما لبثت ان شعرت بالذنب لشكوكها المبالغ فيها به، ولامت نفسها لانها ليست من ذلك النوع من الناس الذي يفقد الثقة بكل انسان. وفجأة تساءل مشيرا الى قطتها التي جلبت لها الطعام المحفوظ: «هل تعلمين ان القطط تستطيع العيش ثلاثة اسابيع من دون طعام؟ سأقول لك كيف وصلت الي هذه المعلومة. لقد نسيت مرة ان اطعم قطا تعهدت بأن اطعمه فيما كان صديقي مسافرا بعيدا عن منزله!». ما ان وصلت الى باب شقتها وفتحت الباب، حتى قالت للرجل: «يسعدني ان آخذ منك الكيس هنا» قالت ذلك وهي تأمل انه سيسلمها الكيس فوراً، ويتقبل شكرها ويغادرها المكان ولكن بدلا من ذلك سارع بالقول: «لم اقطع هذه المسافة الطويلة كي اسكب طعام القطة على الارض» وبينما كانت لا تزال مترددة في السماح له بالدخول، ضحك مبديا تفهمه، وما لبث ان قال: «يمكننا ترك الباب مفتوحا كما كانت تفعل السيدات في الافلام القديمة، كل ما سأفعله هو وضع هذا الكيس على الارض واغادر، اعد بذلك» وتركته يدخل، لكنه لم يحافظ على وعده. في تلك اللحظة وبينما كانت تروي قصة اعتدائه عليها ومعاناتها التي دامت ثلاث ساعات، كانت كيلي تتوقف عن الكلام لتطلق العنان لنحيبها ودموعها، وباتت تعلم الآن انه قتل ضحاياه الاخريات طعنا حتى الموت. كان القلق ينتاب كيلي، وهي فتاة غضة لم تكن تجاوزت السابعة والعشرين، وقبل تعرضها للاعتداء كانت تعمل مستشارة نفسية للاطفال المضطربين، ولكن منذ وقوع الحادث لم تعد الى عملها قط، لقد تسبب ذاك الشاب الذي بدت على ملامحه علامات الود والصداقة في معاناتها طوال ثلاث ساعات في شقتها، وعذابا استمر اكثر من ثلاثة اشهر وذكريات الحادث لاتفارقها، ولكن الثقة التي بددها الشاب في نفسها كانت لا تزال مختبئة في اعماق ذاتها، اما الكرامة التي خدشها فكانت تتعافى، قالت: «لم يحدث الاعتداء الا بعد ان صوب مسدسه الى رأسي، وبعد ان نفذ ما اراد نهض من السرير، وارتدى ملابسه، واغلق النافذة، ونظر الى ساعته وبعد كل ذلك تصرف كما لو انه في عجلة من امره». وأقسم انه لن يلحق بها اي ضرر، لكنها كانت تعلم انه يخطط لقتلها، وعلى الرغم من انه من الصعب تخيل ذلك، ولكنها كانت المرة الاولى، منذ وقوع الاعتداء وهي تشعر بخوف عميق يجتاحها. تحرك نحوها وهو يحمل مسدسه قائلا: «لا تتحركي او تقومي بأي شيء، انني ذاهب الى المطبخ للشرب، وبعدها سأغادر اعدك بذلك ولكن ابقي حيث انت!» واكدت كيلي له» انك تعلم انني لن اتحرك». عندما سمعت صوت فتح ادراج المطبخ، ادركت انها النهاية، وتحركت سريعا، وخرجت من شقتها الى شقة جيرانها طالبة منهم عدم الكلام، واغلقت الباب خلفها، وقالت انها كانت تعلم انه اذا عاد من المطبخ اليها، فانه سيقتلها وتتابع «لا ادري كيف كنت متأكدة من ذلك». لقد كان اغلاقه للنافذة اول مؤشر لاستعداده للقيام بقتلها، تلك الاشارة الذكية هي التي اثارت مخاوفها وحذرتها، لكن الخوف هو الذي شجعها على النهوض من دون تردد وتتبعه .. وفي وقت لاحق، وصفت خوفا بصورة كاملة، فقد كان الخوف كحيوان يختبيء في داخلها، وقد استنفر كل شيء فيها، ووقف هناك مستخدما كل عضلة في ساقيها وتقول: «لم يكن هناك شيء يدعني اتردد، لم اكن سوى مسافرة اتحرك باتجاه القاعة». ان ما مرت به كان خوفا حقيقيا، ليس شبيها بحال الفزع، وليس ذاك الخوف الذي نشعر به في احد الافلام السينمائية، اوالخوف الذي يعترينا عندما يطلب منا القاء كلمة او ملاحظات امام جمهور عريض، ذلك الخوف هو الحليف القوي الذي يقول: «افعلي ما اطلب منك ان تفعليه». احيانا يطلب الخوف من المرء ان يلعب دور الميت، او ان يتوقف عن التنفس، او يطلق ساقيه للريح، او يتصدى ويقاتل، ولكن بالنسبة لكيلي فان الخوف قال لها «تمالكي نفسك والزمي الهدوء، ولا تشكي بي وسأخرجك من ذلك كله». تقول كيلي انها شعرت بثقة كبيرة بنفسها، وهي تعلم انها تصرفت وفقا لاشارة انقذت حياتها، لقد قالت انها سئمت من اللوم ولوم نفسها لانها سمحت لذلك الشاب بدخول شقتها لقد قالت انها تعلمت ما يكفي لكي لا تتحول ثانية الى ضحية بهذه الطريقة. وقالت وهي تتأمل الموقف: «لعل ذلك هو الشيء الجيد الذي خرجت به من تلك المعاناة .. ان الشيء الغريب، مع كل هذه المعلومات فقد اصبحت اقل خشية من السير والتجول الآن اكثر من حياتي قبل الحادث، وارى انه لابد من طريقة اسهل كي يتعلم الناس ذلك». ويقول المؤلف جيفن دي بيكر لقد اطلق علي لقب خبير بسبب نظرتي الثاقبة الى العنف لانني اتنبأ بسلوك القتلة والمبتزين والقتلة المأجورين والاصدقاء الذين يتعرضون للهجر وللازواج المطلقين وللموظفين المفصولين الغاضبين والسفاحين وآخرين غيرهم ومن لف لفهم، ولا ريب في انني تعلمت دروسا كثيرة ولكن تخميني ان كل قاريء يمكن ان يكون خبيرا، في التنبؤ بسلوك عنيف، ومثل كل مخلوق يمكنك ان تعرف متى تكون في حضرة الخطر فلديك مؤهبة الحارس الداخلي الذي يقف متأهبا لتحذيرك من الاخطار ولارشادك بحد الاوضاع الخطرة. لقد تعلمت بعض الدروس حول السلامة عبر السنوات التي كنت احقق فيها مع اشخاص تعرضوا لاعمال عنف وسؤالي لهم دائما كان «هل كان باستطاعتكم رؤية ذاك الخطر» وكانوا غالبا مايقولون لا لان الخطر كان يصدر من مكان مجهول. لكني اذا التزمت الهدوء وانتظرت للحظات لجاءت المعلومات دراكا». اننا جميعا نرى الاشارات المنذرة باقتراب الخطر، لان هناك رمزا كونيا للعنف، ولاشك في انك بحاجة لتعلم كيف تفك هذه الرموز، لكن قبل كل شيء فان الحلول كامنة في داخلك. الطاقة والثقافة صعود الامواج العاتية في المحيط، بالمعنى الدقيق والعميق، ليس ناتجا عن حركة المحيط بل تحرك الطاقة داخل مياه المحيط، وفي اطار هذا المعنى ذاته فإن طاقة العنف تتحرك من خلال تراثنا الثقافي، والبعض يكتسبون تجربته كنسيم خفيف، ولكنه غير ممتع، ومن السهل تحمله، اما الآخرون فتعرضهم هذه الطاقة للدمار، وكأنهم تعرضوا لاعصار، ولكن لا يعني ذلك ان احدا لم يمس، ان العنف هو جزء من الحياة في الولايات المتحدة واكثر من ذلك هو جزء لا يتجزأ من الكيان البشري، فالعنف يلف من حولنا، ويعيش في داخلنا لقد تسلقنا اميركا بصفتها القوة الامة الاعظم والاقوى في التاريخ، الى قمة سلم السلسلة الغذائية العالمية، ولا يستطيع عدو واحد ان يتحداها،، ولا يشكل اي حيوان مفترس خطرا عليها، ولم يجد الاميركيون ضحية سوى انفسهم. ولا احد يشك او يرتاب في حقيقة ان عدد الاشخاص الذين لقوا مصرعهم نتيجة للاصابات بطلقات نارية يشكلون عددا اكبر من كل القتلى الاميركيين في الحرب الفيتنامية، وبالمقابل فان عدد الاشخاص الذين يقتلون بالرصاص سنويا في اليابان (120 مليون نسمة) يساوي عدد الاشخاص الذين يقتلون في مدينة نيويورك في عطلة الاسبوع، وكذلك فان نسبة السطو المسلح اكثر بمئة ضعف من اليابان، ويعود السبب لاننا نمتلك اسلحة نارية اكثر من تعداد السكان الراشدين، ويكفي القول ان هناك 20 الف قطعة سلاح ناري تتدفق الى الاسواق التجارية يوميا، ولا يمكن ان يكون التفكير بالسلامة مخلصا في اميركا بدون مناقشة احصائية لتلك الاسلحة، ومع انبلاج فجر كل يوم يكون اكثر من 400 اميريك قد اصيبوا بطلقات نارية بينما سيواجه نحو 1100 شخص تهما مختلفة بارتكاب جريمة اطلاق النار باستخدام السلاح الناري. وتتعرض 75 امرأة اميركية للاغتصاب في كل ساعة. وتفيد الاحصاءات انه خلال الاعوام الخمسة والعشرين المقبلة يتعرض المزيد من الشخصيات العامة للاعتداء اكثر مما تعرضت له خلال الاعوام الـ 185 التي سبقتها، ويمكن ان يتعرض الاميركيون العاديون لاخطار العنف في وظائفهم الى درجة ان القتل اصبح السبب الرئيسي لموت النساء في مراكز العمل. وقبل 20 سنة فقط كان اطلاق الرصاص على الناس في اماكن العمل قضية خارجة عن نطاق عادات المجتمع الاميركي، ولكنها اصبحت الآن تتبلور، وباتت تحتل حيزا في الاخبار الاسبوعية على شبكات التلفزة الاميركية. وبينما هناك اندفاع لتسجيل حالة حقوق الانسان في البلدان الاخرى، فبين الاميركيين ترتفع معدلات الجريمة والقتل الى عشرة اضعاف نسبة ا لجريمة في البلدان الغربية الاخرى، مع تكرار لا ينقطع لتلك الحوادث المفزعة وفي سياق الحقيقة المحزنة، فاذا تحطمت طائرة جامبو للركاب في منطقة جبلية لتقتل جميع ركابها ولو حدث ذلك كل شهر فان عدد الاشخاص الذين يمكن ان يقتلوا في هذه الحوادث لن يساوي عدد النساء اللاتي يلقين حتفهن على يد ازواجهن كل سنة في اميركا. وتشير الاحصاءات الى ان عدد النساء اللواتي ينقلن الى غرف الطواريء في المستشفيات والعيادات الطبية بالمقارنة مع النساء اللواتي يتعرضن للاصابات بسبب حوادث سيارات او سطو مسلح او عمليات اعتداء جنسي. ان نظام العدالة الجنائي في اميركا يحتاج الى عدالة والأكثر من ذلك انه ينقصه العقل والحكمة وعلى سبيل المثال فان في اميركا قائمة تضم ثلاثة الاف شخص ينتظرون الاعدام، وهو ما يتجاوز ما حدث في اي وقت مضى في التاريخ العالمي، ومع ذلك فان معظم حوادث الوفيات التي تسجل حول هؤلاء النزلاء هي وفاتهم نتيجة «لاسباب طبيعية» حيث لا يعدم سوى 2% من هؤلاء الذين ينتظرون تنفيذ الاحكام، ومع ذلك فالافضل ان يظل هؤلاء على لوائح الاعدام من ان يعيشوا بين الناس. يقول المؤلف: لا نريد معرفة اي شيء عن العنف، هكذا يشعر الكثيرون لان الشرطة ستتعامل مع ذلك ونظام الامن الجنائي سيتعامل مع ذلك والخبراء ايضا سيتعاملون مع ذلك. وعلى الرغم من ان ذلك يطالنا جميعا وعلى الرغم من ان كل واحد فينا يمتلك شيئا عميقا في داخله يسهم بحلول، الا اننا تجاهلنا تلك التحقيقات المهمة وتركناها لاناس يقولون لنا ان العنف لا يمكن التنبؤ به. تلك المخاطر هي لعبة الغرائب وان القلق جزء لا يمكن تجنبه في الحياة، ولكني لست واحدة من تلك الحكم التقليدية الحقيقية. ولا شك في اننا طوال فترة حياتنا يقوم كل منا بتنبؤات سلوكية مهمة دون الاستعانة بأي خبير ومن خلال قائمة عريضة من الناس الذين يعرضون انفسهم يمكننا اختيار مجموعة متنوعة من الناس لاقحامهم في حياتنا:« موظفون، اصحاب شركات، مستشارون زملاء عمل، اصدقاء، عشاق، ازواج». سواء تعلمنا الطريق الاسهل اوالاصعب فان الحقيقة التي تبقى هي سلامتنا الشخصية، ان تلك ليست مسئولية الأمن، الحكومة، الصناعة، او مدير عمارة شقتك، او شركة الضمان او الامن. وكما اننا ننظر الى الحكومة والخبراء فإننا ايضا ننظر الى التقنية لحل مشكلاتنا، ولكنك سترى ان حلولك الشخصية لا تأتي من التقنية. بل تأتي من مصدر اعظم وموجود لدينا طوال الوقت وفي داخلنا، ذاك المصدر هو الادراك. وقد يكون من الصعب قبول اهميته لان الادراك هو في العادة ينظر اليه الغربيون بازدراء ويوصف من حين لآخر بانه انفعال عاطفي غير منطقي ولا يمكن تفسيره. ويزجر الازواج زوجاتهم بسبب «الادراك الانثوي» ولا يأخذون ذلك على محمل الجد، فإذا استخدمت اي امرأة الادراك لايضاح خيار ما، واعربت عن قلق لا تتيح له ان يمر، فان الرجال يعربون عن امتعاضهم ولا يكترثون قط لما تقوله، اننا معشرالرجال نفضل المنطق والايضاح وعملية التفكير التي لا تتدخل فيها العاطفة وينتهي ذلك بخاتمة تلقى الدعم، وفي الحقيقة فان الاميركيين يعشقون المنطق حتى وان كان منطقا اعوج وينكرون الادراك حتى وان كان صحيحا. والرجال، بالطبع، لهم نظرتهم الخاصة للادراك وهو ادراك يطلقون عليه وصف «شعور داخلي» وهو عملية خارقة للعادة وفي النهاية اكثر منطقية وفقا للترتيب الطبيعي اكثر من حسابات اي كمبيوتر مدهش وغير عادي، انها العملية الادراكية الاكثر تعقيداً وفي الوقت ذاته الأبسط. الادراك يصلنا بالعالم الطبيعي وبطبيعتنا وينقلنا الادراك، محررين من قيود الحكم وغير متصلين سوى بالفهم، الى التنبؤات التي سنسعد بها لاحقا، و«الى حد ما كنت اعلم» اننا سنقول حول اللقاء الصدفة الذي تنبأنا به او حول المكالمة غير المتوقعة من صديق بعيد او تغير سلوك شخصي ما او العنف الذي نجونا منه او في الاغلب جدا العنف الذي اخترنا الا نبتعد عنه كثيرا و «اعرف نوعا ما..» مثلما عرفت كيلي وكما يمكنك ان تعرف انت. وهناك، على سبيل المثال، الزوج والزوجة اللذين اتفقا معي على موعد لمناقشة مسألة المعاكسات والتهديدات الهاتفية التي يتلقونها، ويريدون مني ان اتكهن بمن يكون الفاعل واستنادا الى ما كان يقوله المتحدث المجهول، فمن الواضح انه شخص يعرفانه ولكن من هو يا ترى؟ هل هو زوجها السابق؟ ام ذاك الشخص غريب الاطوار الذي اعتاد استئجار غرفة في بيتهم؟ ام هو احد الجيران الغاضبين بسبب انشاءات قاما بها؟ام المقاول الذي اعفوه من العملية؟ وهما يعتقدان ان الخبير سيقول لهما من هو المتهم، ولكن في الحقيقة والواقع فانهما هما اللذان سيقومان بالتعرف على الفاعل، وهذا ما حدث حقيقة من خلال تجربتي ازاء الالاف من الحوادث والقضايا، وهما لديهما الخبرة ازاء هذا الشخص، وفي اعماقهم هناك الحقيقة التي يمكنني ان استخلصها ومساعدتي لهما هي كل المعلومات التي يحتاجانها للقيام بتقويم دقيق، وفي مرحلة ما من نقاشنا حول المشتبه بهم المحتملين قالت السيدة شيئا من هذا القبيل: «كما تعلم، هناك شخص آخر، ولكن ليس لدي اي ادلة ثابتة ضده تجعلني حتى افكر به، ولكن لدي هذه المشاعر واكره حتى الايحاء بها ولكن ..» وفي تلك المرحلة استطعت ان ارسلهما الى البيت وان ارسل اليهما فاتورتي لان تلك المرأة هي المتهمة، وتابعت ادراك الزوجة حتى تمكنت من حل ذاك اللغز، ولا شك ان المديح انهال علي ولكني في الغالب فإنني تركتهما يتحدثان وكان دوري الاصغاء اليهما فقط، وبداية في اول اللقاء معهما قلت «ليست هناك نظرية يستبعد استطلاعها، وليس هناك شخص بعيد عن الاعتبار فلا يمكن استبعاد اية مشاعر تخرج من قلب وداخل الانسان. عندما اقابل ضحايا تهديدات مجهولة لا أسأل بطبيعة الاحوال «من تظنون يبعث لكم بهذه التهديدات» لان معظم الضحايا لا يتخيلون الاناس القريبين منهم انهم يبعثون بالتهديدات ولكنني اسأل «من من الممكن ان يبعث بالتهديدات»؟ ونقوم معا بتسجيل قائمة للاشخاص الذين لديهم قابلية لهذا العمل من دون ذكر اي دوافع، بعدئذ اطلب من زبائني ان يحددوا الدوافع حتى ولو كانت تثير السخرية، لكل شخص على القائمة انها عملية ابداعية لا تضع الزبائن تحت اي نوع من الضغوط، ولهذا السبب بالذات وفي كل قضية فان واحدة من افتراضاتهم النظرية ستكون صحيحة. وفي الاغلب فان اسهامي الاعظم لحل اللغز هو رفضي ان اسمي اي قضية بانها لغز بل هي احجية في واحدة منها هناك ما يكفي من القطع المتوفرة لكشف حقيقة الصورة الكاملة، وارى هذه القطع مرارا علني الاحظ الصورة اسرع من الاخرين ولكن وظيفتي الرئيسة هي وضع كل شيء على الطاولة. وبينما نقوم باستطلاع القطع الخاصة باحجية العنف البشرية ساريكم اشكالها والوانها، وهي ستكون مألوفة لديكم، وفوق كل ذلك فان كل احجية يمكن ان تحل قبل ان توضع كل قطعة في مكانها. يقوم الناس باشياء نقول عنها انها «جميعها مفاجئة» من دون الخضوع لاي نظام معين، مثل هذه الكلمات تدعم الاسطورة الشعبية التي تتنبأ بأن يكون السلوك البشري غير ممكن، ومع اننا نقوم بالسير بنجاح في ازدحام حركة السير الصباحية فاننا نقوم بتنبوءات دقيقة للغاية حول السلوك الحرفي للالاف من الناس، ونقرأ من دون وعي الاشارات الدقيقة التي لم نتعلمها: ميلان رأس شخص غريب قليلا او النظرة السريعة لشخص يبعد عنا مئة قدم وهي تقول لنا اننا في امان وسلامة للمرور امام شاحنته التي تبلغ حملوتها طنين، ونتوقع ايضا ان يتصرف كل السائقين كما نشتهي ولكننا لا نزال نراقب بانزعاج اولئك القلة الذين لا يستجيبون. وهكذا فاننا نتنبأ بسلوك هؤلاء على الرغم من الاحتمال الكبير بأننا لسنا بالضرورة مضطرين لمراقبة هؤلاء، وها هنا نحن ننطلق بسرعة اكبر من اي شخص ونحكم على نوايا كل سائق بدقة مدهشة ورغم ذلك نقول اننا لا نستطيع التنبؤ بالسلوك البشري. يمكننا التنبؤ ببعض من النجاح كيف يكون رد طفل على تحذير وكيف يكون رد فعل شاهد ازاء احد الاسئلة وكيف يبرز رد فعل هيئة المحلفين على شاهد وكيف يكون رد فعل مستهلك على شعار وكيف يكون رد فعل جمهور على مشهد في مسرحية وكيف يكون رد فعل قاريء على جملة. ويلاحظ ان التنبؤ بسلوك عنيف أسهل من كل هذه، ولكن نظراً لأننا نتخيل ان العنف البشري هو انحراف قام به آخرون غيرنا فإننا نقول اننا لا يمكن التنبؤ به. ومشاهدة فيلم جين جودول الوثائقي عن حياة الشمبانزي وهي تقتل مجموعة اخرى من الذكور نقول ان الهجوم غير المبرر هو هجوم أعد للسيطرة على كامل السكان. وبتأكد مماثل وبصورة مماثلة ويقينية نقول اننا نفهم المسبب والغرض من العنف الذي يقوم به كل مخلوق وكائن على هذه الأرض. إن العنف البشري الذي نبغضه أشد البغض ونخافه أشد الخوف هو ذاك الذي نطلق عليه «عشوائياَ» أو «بدون معنى». ولهذا العنف دائماً مقصد ومعنى بالنسبة لمقترف الجرم، على الأقل. وقد لا نختار استطلاع أو فهم ذاك القصد، ولكنه ماثل أمامنا وطالما نضع له عنوان «لا معنى له» فلن نجعل له معنى. واحياناً يكون عمل عنيف مفزع للغاية حتى اننا نطلق على المجرم وحش بشري، ولكن كما سترون يحدث ذلك عن طريق ايجاد بشريته وانسانيته، شبهه بك وبي وان عمل كهذا يمكن التنبؤ به. وعلى الرغم من انك على وشك تعلم حقائق جديدة ومفاهيم خاصة بالعنف البشري، إلا انك ستجد معظم المعلومات تتردد أصداؤها في مكان ما من تجربتك الخاصة. وسترى انه حتى في أنواع العنف الباطنية فإن لها أنماطاً يمكن تتبعها ومؤشراتها التحذيرية. صداقة بالاكراه سألتني كيلي ما هي المؤشرات التي ظهرت على الجاني، وبدأت بما اطلق عليه «الصداقة بالاكراه» والصداقة بالاكراه هي طريقة مؤثرة لترسيخ ثقة سابقة لأوانها لأنها موقف أو وضعية «اننا في قارب واحد» وهو ما يكون من الصعب رفضه من دون ان تشعري بانك قاسية. ان تقاسم ورطة أو موقف حرج مثل الانحشار في مصعد أو الوصول في وقت واحد الى مخزن مغلق سيؤدي كل ذلك الى تحريك الناس حول الحدود الاجتماعية. لكن الصداقة بالاكراه ليست ازاء المصادفة فهي قصدية وموجهة وهي من أكثر الامور حداثة وتطوراً. ان المؤشر الذي يمكن رصده والخاص بالصداقة بالاكراه هو ظهور غرض مشترك أو تجربة حيث لا يوجد أحد «بل كلانا»، «نحن فريق»: «كيف سنقوم بالتعامل مع هذا الأمر؟»، «لقد انتهينا من ذلك»... الخ. إن تطبيق بسيط للدفاع عن النفس هو رفض الصداقة بالاكراه بكل وضوح، ومعه ارفض قبول مبدأ الشراكة. ومن أهم ما يمكن ان ترد به هو القول: «لم أطلب مساعدتك، ولا أريد هذه المساعدة»! ولكن على الرغم من انها اجابة فظة على اللطف المصطنع، إلا انها تكلفة لابد منها، وهي ستنقذ كيلي وأمثالها من الورطة الحقيقية التي وقعت فيها. والحقيقة ان الردود الفظة على الرغم من انها مرفوضة، في الظروف الطبيعية، إلا انها وسيلة نجاة في الظروف غير العادية. وعلى سبيل المثال، إذا داس شخص على قدمك في طابور للمرة الثانية، فإن عبارة «مالك يا أخي!» على الرغم من فظاظتها إلا انها عادية هنا وتشير الى قدرة على ضبط الأعصاب، ذلك لأن جاهزيتنا للرد هي نسبية مقابل السلوك الذي استفز الحالة. والواقع انه إذا رأى الناس في «الصداقة الغصبية» سلوكاً غير لائق فإننا بلاشك قد نشعر باكتراث أقل ازاء الظهور فظين في المقابل. و«الصداقة بالاكراه» تحدث في سياقات مختلفة، وأسوأها عندما تكون المرأة في مكان معزول لا تقوى على المقاومة، ولذلك فإن الممانعة ورفض هذا النوع من حالة الوئام الزائفة هو أقل تصرف يمكنها القيام به للرد على النوايا الخبيثة. الخوف منهجية في داخلنا يمكن ان يظهر في سلوكنا الخارجي، وهناك أسباب كثيرة تثير في أنفسنا الخوف فنتوجس خيفة على سبيل المثال من سلوك بعض الناس، خاصة أولئك الذين لا هم لهم سوى المراقبة الدائمة للآخرين، والحقيقة ان الخوف هو شعور صادق ينبع من ردود فعل لما يدور من حولك وهو انعكاس نفسي سريع للاحتراس وتوخي الحذر والتنبؤ بما يمكن ان يحدث وفقاً لملاحظات قد لا تكون واهمة على الاطلاق. قد نعتقد ان ذاك الحيوان الذي يجري مسرعاً في حقل على نحو عشوائي، خائف حتى ولو لم تكن هناك أي أخطار. وفي الواقع فإن الجري هو استراتيجية أو حالة احترازية وليس رد فعل على مؤشر خوف، فالسلوك الاحترازي بناء ولكن البقاء في حالة الخوف هو سلوك تدميري. وقد يؤدي ذلك الى الفزع، والفزع في معظم أحواله هو أكثر خطورة من النتائج التي نخشاها، ولاشك ان متسلقي الجبال الشاهقة وسباحي المسافات الطويلة في المحيط سيقولون لك انها ليست الجبال أو مياه المحيط التي تقتل بل الفزع. والآن دعونا نتخذ خطوة أعمق في استكشاف هذا الخوف: في عقد الستينيات من القرن العشرين كانت هناك دراسة سعت لتحديد أية كلمة مفردة لها الوقع النفسي الأعظم على الناس، وفحص باحثون ردود فعل كل كلمات مثل: عنكبوت، أفعى، موت، اغتصاب، قتل.. لقد كانت كلمة «قرش» الأكثر اثارة للخوف ولردات الفعل. ولكن لماذا أسماك القرش التي نادراً ما يلتقي بها الانسان أو يكون على تماس معها هي الأكثر اثارة لفزعنا؟ ويبدو ان العشوائية التي يبدو انه يضرب بها هي جانب من ذاك الفزع، وكذلك الافتعال الى التحذير المبكر وحقيقة ان ذاك المخلوق الضخم يمكنه ان يتقدم بصمت ويفصل الجسد عن الروح بهدوء مرعب. بالنسبة لسمكة القرش فنحن بدون هوية ونحن لسنا سوى قطعة لحم عائمة في الماء، وبالنسبة للكائنات البشرية، فإن فقد الهوية هو بمثابة الموت. وفي كتابه «القرش الأبيض العظيم» يصف جان ميشيل كوستو القرش بأنه الحيوان الأكثر قدرة على اثارة الفزع على البسيطة لكن هناك حيوان أكثر خطورة من القرش! دهش العلماء ازاء المقدرة الهائلة لهذا الحيوان العظيم الأبيض ومدحوا سرعته وقوته الوحشية القاسية وبراعته الحسية واصراره الواضح، لكن الانسان مخلوق له قدرات أكثر اثارة للدهشة. فسمكة القرش لا تتمتع بالبراعة والمكر والخداع والمهارة أو القدرة على التلون التنكر. وكذلك لا يتمتع بوحشيتنا، فالانسان يفعل أشياء لأخيه الانسان لا يحلم القرش أن يقوم بها قط. ففي عمق خلايانا البشرية نعلم ذلك، ولذلك فإن الخوف العرضي من مخلوق بشري آخر طبيعي. وكما هو الحال بالنسبة لهجوم القرش والعشوائية والافتقار الى التحذير المسبق هي سمات للعنف البشري وهي أشد ما نخشاه، ولكن أصبحنا نعلم ان العنف البشري نادرا ما يكون عشوائياً ونادراً ما يكون خالياً من علامات تحذيرية مسبقة. والحقيقة ان الخطر من الكائنات البشرية هو أكثر تعقيداً من الخطر من أسماك القرش. وبعد كل ذلك فإن كل شيء تحتاج ان تعرفه حول أساليب وطرق السلامة من أسماك القرش يمكن التحدث عنها في أربع كلمات: لا تذهب إلى المحيط، أما ما تحتاج اليه لضمان سلامتك من الناس فهو مبني في داخلك تعززه تجربة حياتك. ونظراً لأننا نعيش على هذه الأرض مع أكثر الحيوانات اثارة للفزع، فإن فهم كيف يعمل الخوف يمكن ان يحسِّن حياتنا تحسيناً مثيراً