الاربعاء 4 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 5 فبراير 2003 من الممكن ان ينم استرضاء تومي لبيد في نهاية الامر، فينكث الوعد الشعبي الذي قطعه لناخبيه بعدم الجلوس مع شاس في حكومة شارون. فأن حرب الخليج الوشيكة او اية ذريعة امنية واهية اخرى، ستكون سلما للبيد يستحق من اجله انتهاك نذره، للهبوط عن الشجرة التي تسلقها. وسيسوغ خيانته لناخبيه باعتبارات حالة الطورائ الوطنية، وبحيوية حضوره في مركز اتخاذ القرارات الوطنية. ولبيد كما هو معروف خبير واسع الشهرة في الشئون العسكرية والامنية. كان من الممكن ان يكون ذلك مسليا، لولا ان المقصود زعيم سياسي نجح في اقناع ناخبين كثيرين جدا بطهارة طريقه وبنقاء كفيه واعتباراته. ولكن على عكس الصورة التي نجح في خلقها، فأن لبيد لم يأتِ ببشرى «مستر كلين» للسياسة الاسرائيلية. لقد نجح، بقدرة تستحق الثناء، في الولوج الى مستنقع قبيح من كراهية الشرقيين- المتدينين، وفي غرس الاعتقاد الراسخ في نفوس ناخبين بسطاء ومستقيمين، بانه يمثل سياسة من طراز آخر. صحيح ان لبيد يمثل طرازاً جديدا ومغايرا في السياسة، طرازاً سياسياً اخطر مما عرفنا حتى الآن في الاحزاب التقليدية الملوثة. ولم يسبق لبيد شخص جماهيري تجرأ على التلويح علنا براية التحريض العنصري، الطائفي، وجذب هذا التأييد العارم. انها ظاهرة مثيرة ومرضية. فنبذ لبيد لشاس والصلاحية التي يضيفها على يهدوت هتوارة، يجب ان يشعل ضوءاً احمرا امام كل مواطن في اسرائيل، وخاصة امام ناخبيه. فبماذا يقل ناخبو شاس ومنتخبوها عن ناخبي يهدوت هتوراة ومنتخبيها؟ وبماذا يقل افراد شاس عن الفاسدين في الليكود والعمل؟ لبيد يطالب، وبحق بالمساواة السامية في توزيع العبء الوطني والاقتصادي بين مواطني الدولة، بيد انه وبعكس الصورة العامة، فأن معظم مؤيدي ومنتخبي شاس مثلا، ادوا ويؤدون الخدمة العسكرية في حين ان معظم مؤيدي يهدوت هتوراة ومنتخبيها يتملصون من الجيش. ونهب الخزنة العامة ليس اختراعا لشاس، فحقوق ابتكار الطريقة وتطويرها هي من نصيب مباي (الاسم الاول لحزب العمل) التاريخي ونشطاء العمل والليكود، الذين يواصلون الاحتفال بالجيوب العامة، وتبذير كل ما تطاله ايديهم تقريبا. التفسير الوحيد المعقول لاستعداد لبيد للجلوس مع يهدوت هتوراة في حكومة شارون، ولنبذ شاس، ليس سوى شرقية ناخبي ومنتخبي شاس ولون بشرتهم. لبيد يسوغ تسامحه تجاه يهدوت هتوراة بأن ممثلي الحركة لن يجلسوا في الحكومة عمليا، بل سيتولون حقائب وزارية فقط. انه هراء سخيف ومرفوض، يضفي لبيد بواسطته على نفسه وعلى يهدوت هتوراة، صلاحية الانضمام الى حكومة شارون والتمتع بترف السلطان والسؤدد. ليس لدى لبيد مشكلة اخلاقية وضميرية في الجلوس في حكومة واحدة مع منتخبي جمهور مشبوهين في مخالفات جنائية، او جرى انتخابهم بواسطة هؤلاء المشبوهين في حزبي الليكود والعمل. وتتجلى حساسيته فقط حين يدور الحديث عن منتخبي شاس. انه صعب على السمع، لكن لبيد ببساطة يكره المتشددين والمتدينين الشرقين. ويجب ان يسمى المولود باسمه. هذه كراهية تسري في عروقه وتزود محركاته الشعبية بالوقود. من الممكن فهم رفع علم لبيد المناهض للمتشددين في المعركة الانتخابية بصعوبة، فقد دخل كلامه قلوب طيبين كثيرين من المواطنين المحافظين على القوانين، دافعي الضرائب وجنود الاحتياط، الذين يشعرون، بحق، بعدم المساواة الظالم في حمل العبء. وقد ساعدته البلاغة الساطعة الحماسية في الفوز بثقة خائبي امل ومترددين كثيرين، خاصة اؤلئك الذين جرفتهم موجات تحريضه ضد زعماء شاس، وكفاحه ضد ناهبي الخزنة العامة، المتدينين الشرقين. اليوم، وبعد انتصاره الكبير في صندوق الاقتراع، من الافضل للبيد ان يطوي رايته العنصرية، ويخفض صوته الهادر، واذا ما كانت مصلحة الدولة هي التي نصب عينيه فعلا، فعليه الانضمام الى حكومة شارون، ولو من قبيل التقصير، سوية مع شاس ويهدوت هتوراة واحزاب اليمين غير المتطرفة. من المعقول الافتراض ان ناخبي لبيد يشعرون بالخيانة وقد يشيحون عنه بوجوههم، بيد ان مرحلة مغادرة ناخبي لبيد غير مستبعدة بطبيعة الحال. وذلك عندما يلاحظون في تصوره وفي شخصيته زوايا وخصالاً غير محمودة، معروفة حاليا لقلة قليلة فقط، وطالما ان قوة لبيد السياسية كبيرة وواسعة، فحري به الانضمام الى حكومة شارون وتقويتها. ان ائتلافا من الليكود والاحزاب الدينية، وشينوي والمفدال، بدون العمل واليسار، وبدون اليمين المتطرف، هو ائتلاف متبلور نسبيا، ومن شأنه تمكين شارون من التقدم باتجاه تحقيق غاياته الامنية والسياسية. على تومي لبيد الجلوس في حكومة كهذه، كتفا الى كتف، مع ايلي يشاي، واستنشاق هواء سدة الحكم الى رئتيه، فلربما يشتم في هذه المناسبة روائح تختلف عن تلك التي زكمت انفه حتى الآن. انها مسألة توقيت وراحة شعبية. بقلم: دان شيلون _ عن «معاريف»