الاربعاء 4 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 5 فبراير 2003 يمكنكم القول انني امضيت السنوات العشرين الاولى من عمري ووجه موسوليني يحاصرني على الدوام في كل مكان، فصوره كانت معلقة في كل غرفة صف مدرسية وفي كل مبنى عام او مكتب دخلته، وبالتالي استطيع ان ارسم لكم تاريخ تطور صورة موسوليني عبر صوره الرسمية هذه إذ مازالت تعلق بذهني. بدأت عامي الدراسي الاول في المدرسة الابتدائية عام 1929 ومازلت اتذكر بوضوح صور موسوليني في تلك الفترة: كان لايزال يرتدي الملابس المدنية بياقة مغشاة ترتفع للاعلى مثلما كانت العادة بين وجهاء البلاد في تلك الايام (لكن هذه الازياء اصبحت موضة قديمة في الفترة التي اعقبتها مباشرة) هكذا اتذكره في صورته الملونة المعلقة في صفنا «على الجدار الجانبي لان المكان اعلى طاولة المعلم كان لايزال محجوزا للملك» وفي صورة بالاسود والابيض على الغلاف الخلفي لكتاب الاملاء القديم صورة تبدو وكأنها قد اضيفت للكتاب في طبعاته الاحدث. في تلك السنوات اذن كانت تلازمني الصورة التي ارادها موسوليني لنفسه لدى تسلمه مقاليد السلطة، والتي اراد منها تأكيد استمرارية واحترام معينين له، باعتباره الرجل الذي اعاد النظام للبلاد، كانت الصورة من الاسفل تنتهي عند ربطة عنقه غير ان السترة الذي يرتديها رئيس الحكومة ربما كان معطفا صباحيا السترة السوداء طويلة الذيل المعروفة في ايطاليا ـ وفي ايطاليا فقط ـ باعتبارها «ضيقة» وكان يرتديها عادة في الاجتماعات والمناسبات الرسمية تلك الايام. في تلك الصور كان لايزال لموسوليني شعره الاسود على صدغيه وربما (لم اعد متأكدا) في وسط صلعته كان زي الزعيم يوحي بشبابه لان تلك كانت الشيء الوحيد الجديد الذي كان على الصور نقله للناس (على الرغم من اني ما كنت لاعرف من هو وانا في السادسة من العمر)، فحتى ذلك الوقت لم يكن الناس قد سمعوا برئيس وزراء لا يتجاوز عمره 40 عاما فقط كما ان احدا لم يكن قد سمع بوجود رجل دولة ايطالي حليق الذقن والشاربين، وتلك بحد ذاتها كانت رسالة حداثة حينها كان من العادة ان يحلق الناس لحاهم وشواربهم غير ان الساسة المهمين في ايطاليا قبل وبعد الحرب العالمية الاولى كانوا لايزالون يحتفظون باللحي والشوارب وكان ذلك ساريا في العالم كله باستثناء (انني اكتب هذا بدون الرجوع الى المراجع التاريخية) الرؤساء الاميركيين وحتى الاربعة الذين قادوا المسيرة الى روما كانت لهم شوارب ولاثنين منهم لحى. لا اعتقد ان المؤرخين كانوا يحرصون على توثيق شعر الوجه خلال الفترات التاريخية المختلفة، مع ان هذا الشأن بالتأكيد هو رسالة ذات معنى خصوصا في عهود التحول. باختصار كانت صور موسوليني في تلك الفترة تقصد الايحاء في الوقت نفسه بالحداثة والكفاءة وتأكيد الاستمرارية الى جانب القسوة السلطوية، وهذا الهدف كان القصد منه بالتأكيد مواجهة صورة سابقة كانت ذات صلة بعصابات الفاشية، وبين ذكرياتي هناك صورة اعيد تاريخها الى فترة العنف (حتى لو انني رأيتها بعدها بقليل): صورة بالابيض والاسود موقعة بحرف «م» بخط قوي اللون وهي التي اصبحت مشهورة لاحقا، وجهه، المائل قليلا للجانب، ينبثق من المدكنة المعتمة حوله كان من الممكن ان تكون ناجمة عن قميصه الاسود، لكنها كانت ايضا خلفية غامقة، مثل تلك التي تستثيرها كلمات «عصابة سانسبولكرو في بيزا» والتي بدأ معها ـ كما كانوا يعلموننا ـ عصر جديد. الى ذلك، كان جو العنف الذي مارسته عصابات العمل الفاشي قد ارتسم في ذكرياتي عن طفولتي المبكرة جدا (على الاقل واحدة من اندلاعاته الاخيرة والذي حدث عام 1926)، لكن في الوقت الذي دخلت خلاله المدرسة كان العالم قد بدا لي هادئا ومنضبطا، اما لمسات فترة الحرب الاهلية في الذاكرة فلا تظهر الا لماما يحيط بها انجذاب غامض يحسه طفل عاش في وقت كانت فيه صور الدوتشي تعني ضمنيا الانضباط الذي لا يتسامح مع اي خروج عن الصف. اما الملمح البارز الآخر لتلك الصور الرسمية للدكتاتور فكان الوقفة التأملية حيث الجبهة البارزة تبدو وكأنها تحاول الايحاء بمقدرته الفكرية بل ان من بين الالعاب الابوية الحميمية التي كان الناس معتادين على لعبها مع اطفالهم ذلك الوقت ان يقول الاب او الام للطفل: «قلد وجه موسوليني فما يكون من الطفل الا ان يرفع حاجبيه ويشد شفتيه شدة غاضبة على بعضهما خلاصة القول ان الايطاليين من ابناء جيلي كانوا يحملون صورة موسوليني في اذهانهم، حتى قبل ان يصبحوا في عمر يستطيعون فيه معرفة من هذا المعلقة صورته على الجدران وهذا بدوره يوحي بأنه كان هناك (ايضا) شيء طفولي في تلك الصورة تلك النظرة التركيزية التي يستطيع الاطفال اصطناعها والتي لا تعني عمليا انهم يمعنون التفكير بأي شيء». وهنا اريد التحدث عن تلك الصور التي رأيتها خلال سنوات الفاشية العشرين فقط، تاركا اعدادا هائلة من الوثائق التي مررت بها لاحقا في الوقود الاربعة التي تلت الفاشية وهذا يعني انني بصدد الحديث عن الصور الرسمية باعتبار انها الوحيدة التي كانت قيد التداول حينها: الصور الرسمية له سواء في شكل لوحات نصفية او تماثيل او افلام سينمائية كان ينتجها موسوليني وهو معهد لوتشي للسينما (وهي الانتاج معهد الاخباري في ذلك الوقت) الى جانب الصحف المصورة، بالنسبة للصحف كانت هناك صحيفتان رئيسيتان: صحيفة «دومينكا ديلا كورييري» الشعبية جدا ومجلة «لا الاسترازيوني اتاليانا» والتي كانت مجلة تصدر كل اسبوعين تستهدف النخب بين القراء. وهنا اتذكر رؤية صورة شهيرة في ذلك الوقت لموسوليني بقبعته الطويلة وهو ذاهب ليوقع اتفاقية «لاتيران كونكوردات» ثم عدت للتفكير بتلك الصورة لاحقا بعد وقت قصير حينما سمعت الشائعات بان النظام قد الغى «انابيب المدافيء» (كما كانت تلقب القبعات الطويلة) وهي رمز التوجه التقليدي البرجوازي وباعتباري لم اكن مدركا للجدلية التاريخية بدا لي هذا حينها تناقضا صارخا. ولا اعرف ما اذا كان اليوم الذي وقع فيه موسوليني تلك الاتفاقية هو اليوم الاخير الذي اعتمر فيه قبعة طويلة، لكن ربما كان ذلك هو الواقع باعتباره حينها بعد ان ضمن دعم تشرتشل له، اصبح يستطيع ان يضع ايطاليا في القالب الجديد الذي يريده وهذا التحول في الموضة الفاشية (على الاقل كما كان ينظر اليه في الاقاليم) استطيع ارجاعه الى عام 1932 الذي صادف الذكرى السنوية العاشرة للثورة الفاشية ـ وهي الذكرى العاشرة التي لا تزال محفورة في ذهني باعتباري حصلت على اجازة لاسبوعين من المدرسة التي كنت ادرس فيها صفي الرابع الى جانب مجموعة اخرى من الطوابع التذكارية التي حصلت عليها. في تلك المرحلة دخلت رمزية موسوليني مرحلة مهمة اخرى في تمجيدها للامبراطورية الرومانية ـ الى حد ان احد الطوابع التذكارية تلك كان يحمل صورة تمثال فروسي للدوتشي في استاد بولونا على نمط تمثال فيروتشيو الذي نحته لكوليوني وتحته نقش يقول «اذا ما تقدمت فاتبعوني!». غير ان هذا الشطر الشعري كانت له بقية «اذا انسحبت فاقتلوني!» وهو الجزء الذي زال مع الزمن وهنا يجب ان اقول انه لم تكن هناك طوابع بريدية كثيرة (لا استطيع هنا ان اتذكر غيره) من تلك التي تحمل صور موسوليني فالطوابع البريدية ظلت الميدان الذي يواصل استعراض عظمة صاحب العظمة: صورة رأس الملك فكتور ايمانويل الثالث التي توحي بأنه رجل فارع الطول جدا. والصور التذكارية الفروسية للدوتشي اخذت هي بدورها تحولا مهما من الصورة الامامية الى الصورة الجانبية، والتي استثمرت جدا اذ كانت تعزز صورة قحفه كامل الكروية (وهو ما كان من غير الممكن بدونه انجاز التحول العظيم للدكتاتور الى رمز تصميمي) كما تبرز قوة فكه الأسفل الذي كان يركز عليه ايضا في وقفاته في الاعمال ثلاثية الابعاد، وتبرز ايضا استمرارية سلاسة الخط من قفا رأسه الى عنقه وبنيته الرومانية الكلاسيكية عموما. في السنوات الاخيرة من دراستي الابتدائية اصبح انضمامي لمنظمة باليلا امرا لا استطيع تأجيله وهي منظمة الشبيبة الفاشية التي اصبح الانضواء تحتها امرا اجباريا حتى لطلاب المدارس الخاصة التي كنت في واحدة منها ومازلت اتذكر رائحة القماش الرطب في مخازن رش كاساديل باليلا التي اشترينا منها البزات الرسمية واتذكر ايضا البائع العجوز في المخزن وهو محارب قديم جريح، لكن ما اريد تذكره لكم هنا هو الميدالية التي تحمل صورة ظليلية جانبية للدوتشي والتي كانت تستخدم لربط الفولار الازرق حول العنق (كان اللون الازرق يرمز للدالماتيا، او هكذا قالوا لنا وفق تبرير منطقي ما عاد له اي معنى الآن) اتذكر ان موسوليني في تلك الصورة كان يعتمر خوذة، غير ان تضمين صور الدوتشي لخوذة لابد وانه قد اتى بعد بضعة سنوات من تلك اللحظة التي احاول ان اركز ذاكرتي عليها، ولهذا فاما ان الفولار كان يثبت دون ميدالية في البداية او انه كانت هناك نسخ اقدم للميدالية تحمل صورا لرأس حاسر، وما احاول الوصول اليه هو تحديد تاريخ اللحظة التي اصبح فيها الدوتشي صورة على ميدالية مثل الاباطرة الرومان (وبالتالي اقتحم الميدان الرمزي الذي كان حكرا على الملك، لاكثر من سبب)، لكن ليس لدي اي قرائن تاريخية كافية. لانزال بين سنتي 1932 و1934 ففي تلك المرحلة كانت اول مرة ارى حينها صورة (او تمثالا) لموسوليني بالاسلوب التكعيبي بمعنى انه كان اشبه بمكعب مرسوم بنسب وابعاد هندسية كان ذلك في معرض فني اقامته المدرسة الابتدائية التي تقدمت فيها لامتحان القبول بالمدرسة الثانوية العمل الذي كان يحمل عبارة من قبيل «الدوتشي كما يحبه الدوتشي» كانت تعرض لتكون مادة يرسمها الاطفال وتلك اللحظة تمثل لي الفكرة الاولى التي خطرت في ذهني عن وجود شيء هو «الطراز الفاشي» المعتمد على حداثة السطوح الناعمة المربعة التي تفرض وجودها واصبحت في عدد من اوجهها ملازمة لاسلوب القرن العشرين الذي كان حينها واسع الانتشار حتى في الاقاليم. في ذلك الوقت كانت صور الملك والدوتشي دوما جنبا لجانب، واذا ما كان احدهما غائبا فهو ليس الدوتشي قطعا وبأسلوب القرن العشرين الاكثر ميلا للكلاسيكية الجديدة والاثم كان التمثال الذي نحته ويلدت له بالتاج والعباءة الرومانية ومجرى العينين الفارغين: صورة بدت مختلفة جدا عن تلك السائدة حينها لكنها مع ذلك كانت لها خاتم التصريح الرسمي حيث ظهرت على الصفحة الاولى من كتاب «كتابات وخطابات» موسوليني. واتذكر هنا صورة كانت موجودة في كل كتب المطالعة المدرسية البيت الذي ولد فيه الدوتشي في بريدابيو تلك الصورة ايضا اعطيت للطلاب حتى ينسخوها رسما، على هذه الصورة لم يكن لدي اي اعتراض فقد كان منزلا جميلا له برج درج خارجي وارضية للطابق الاول مرتفعة جدا عن الارض وجدران بأقل قدر من النوافذ فيها. هذا اذا اصبحت الصورة الكلاسيكية لموسوليني راسخة وغير مكتوب لها التغير طوال أوج ديكتاتوريته «تحديداً الجزء الاكبر من ثلاثينيات القرن العشرين» حينها كانت الاذاعة والسينما الوسيلتين الاعلاميتين الرئيسيتين ليس لايصال صورة الزعيم فحسب بل ولتشكيلها ايضا، شخصياً لم احضر اي مسيرة كان الدوتشي حاضراً فيها لاني بالكاد كنت اغادر المنطقة الريفية التي نشأت فيها والتي لم يحبها هو أو يزورها ابداً، غير اني اعتقد ان صور موسوليني كانت اكثر فاعلية وتعقيداً حين رؤيتها في السينما مقارنة برؤية شخصية وهو يطل من شرفته على الجماهير في الاسفل، وفي كل الاحوال كان صوته يبث بمكبرات الصوت، بعبارة اخرى كانت وسيلة الاعلام الصوتبصرية في ذلك الوقت عنصراً محورياً في دعاية موسوليني الرومانية. أما العنصر الآخر بالطبع فكان خطر اي نقد او تحكم فيما توجه اليه. ومما اتذكره ان احد اوائل خطابات الدوتشي كان يدور حول ان «الكتاب والبندقية يصنعان الفاشي المثالي». وفي نهاية الخطاب مد الدوتشي يده لتحت النافذة التي يتحدث منها، ورفع كتاباً وبندقية، انقلاب مسرحي رائع، واتذكر اني سمعت بذلك من عمي المناهض للفاشية في منزلنا وكان قد شاهد ذلك في السينما، واتذكر عمي وهو يقلد بسخرية حركات موسوليني وقبضتيه مشدودتان بقوة على ردفيه وفي لحظة تمخط بيده، واتذكر ايضا ان عمتي تدخلت لتقول له: طيب، ما الذي تتوقعه منه؟ انه عامل بناء ان بعد ايام رأيت ذلك الخطاب في العرض الاخباري السينمائي وشاهدت تلك الحركات التي كان عمي يقلدها بما في ذلك التخبط، كانت الصور التي تدخل ذهني عن موسوليني تمر عبر غربال الاحاديث الساخرة عنها بين الكبار في بيتنا «بعض الكبار» والتي كانت تتضمن آيات المديح، غير ان ايات المديح تلك كانت تقال في العلن، فيما كان عكسها يقتصر على الاحاديث السرية الخاصة فيما لم يكن احد يجرؤ على الاشارة لعيب في واجهة العلن التي كان يجري فيها النظام استعراضاته العظيمة. غير ان موسوليني ادرك لاحقا ان الكاميرا تسجل بدون رحمة كل تحريكة وتسكينة في ملامحه، واذا ما عدنا لاستعراض تسجيلات خطاباته بتسلسل زمني لرأينا ان سيطرته على كل اشارة ووقفة وتسريع ادائه الخطابي قد تطور ليصبح اكثر فاعلية بالتدريج، وهذه الايام حيث يرى الشباب تلك الافلام القديمة يجدونها مثيرة للسخرية ولا يستطيعون فهم كيف تأتى لتلك الحشود الهائلة ان تمتدحه لحد التمجيد ومع ذلك يجد اسلوب موسوليني الخطابي لايزال يجيد مريديه ومقلديه في كل العالم حتى في وقتنا الراهن خصوصاً في انظمة دول العالم الثالث الشعبوية التي تستفيد من هذه التقنيات الدونية. في عصر كانت الاحتمالات الكبرى كلها مفتوحة امام التلاعب بعواطف الجماهير واستخدامها لتعزيز السلطة، كان موسوليني من اوائل الزعماء الذين عملوا على بناء شخصية تتناغم مع هذه النية في كل تفصيل من تفاصيلها، اذا بصورة رسمها لنفسه كزعيم شعبوي ضمنها كل تلك المزايا التي سهل على الحشود ابتلاعها ـ الحيوية والعنجهية والنزعة العدائية والغطرسة الرومانية والغرور الذي ناقض كل شيء كان قد ارتبط حتى ذلك الوقت بصورة رجل الدولة ـ استطاع ان يتواصل مع الناس بصفاته الشخصية ولباسه العسكري وخطبه الرنانة التي تعترضها عبارات حادة وصوته الجهوري وحتى طريقة نطقه المميزة لبعض الكلمات. وحالما رسخت في اذهان الناس فكرة ان الزعيم يجب ان يكون محبباً بصورة مثل هذه، اصبح من المتفاهم عليه ان اي شخص لا يتجلى بهذه الصورة لا يصلح لان يكون زعيماً. بالنسبة لهتلر الذي كان العكس البدني تماماً لموسوليني في كل شيء، لابد وان هذه كانت تمثل مشكلة كبيرة في مرحلة كان موسوليني هو نموذجه المحتذى. «الشخص الذي كان يدرك هذه الحقيقة بفهم نفسي عميق كان تشارلي شابلن في فيلمه «الدكتاتور العظيم». غير ان هتلر استطاع الالتفاف حول هذه القصبة عبر اختياره الاتجاه المعاكس تماماً للدوتشي مركزاً على الهياج العصبي في هيئته «وحجمه وشاربه وشعره الغزير» وفي صوته وتبنيه لاسلوبه الخاص المميز له في الايماءات والخطابة التي كانت قادرة على اطلاق طاقة مرعبة تصل حدود الهستيريا.. ففي لباسه كان هتلر يتحاشى الاستعراض المبالغ فيه مفضلاً اكثر البزات اعتياداً «بخلاف نائبه غورينغ الذي كان يستعرض قامته الفارعة في بزات مبهرجة». اتحدث عن هذه المرحلة بالرجوع الى ذكريات طفولتي حينما كانت صورتي للعالم مستمدة اساساً من رسومات الصحف وصورها التي كانت تحرك خيالي. وحينما افكر بتلك الشخصيات التي شغلت الاخبار العالمية حينها، فان الشخص الوحيد الذي يخرج عن دائرة جميع هؤلاء بناء على صورته كان دون ادنى شك هو غاندي، اذ على الرغم من كل القصص التي كانت تدور عنه ورغم انه كان مادة دسمة للكاريكاتير غير ان صورته نجحت في ارساء فكرة ان هناك شيئا جديا واصيلا فيه رغم بعدها الكبير عنا. في عام 1934، غير الجيش الملكي الايطالي زيه الرسمي وكان ذلك تغييراً كبيراً بالنسبة لايطاليا التي كانت نسبة عالية من ابنائها في الجيش. والى جانب البزة تغيرت الخوذة ايضا. وكان ذلك بالنسبة للايقونة الموسولينية تغيراً كبيراً ايضا: اصبحت الصورة التقليدية للدوتشي رأس بخوذة تبدو وكأنها استمرار معدني للسطح الناعم لرأسه. تحت الخوذة يبرز الفكان اكثر مكتسبين اهمية حاسمة في الصورة نتيجة اختفاء الجزء الاعلى من الرأس «بما في ذلك العينان» تحت الخوذة. وبسبب مطة شفتيه للامام بشكل غير عادي «وهي وضعية غير طبيعية لكنها ضرورية للايحاء بقوة ارادته» اصبح فكاه يصطدمان ببعضهما في الامام وعلى الجانبين ايضا، ومنذ ذلك الوقت اصبح رأس الدوتشي في صوره يبدو وكأنه مكون اساساً من خوذة وعظام الفكين بحيث يوازنان بعضهما من ناحية الحجم مثلما يوازن الاثنان معاً بطنه الذي بدأ حينها بالبروز نحو الخارج، وبدلاً من الصورة الجانبية التي يبدو رأسه فيها وكأنه محشورا في معظمه داخل الخوذة اصبح مصوروه الرسميون يفضلون صورة تؤخذ من الاسفل قليلاً بشكل يسمح بالتقاط ملمح لعينيه تحت الخوذة، غير ان ما ضاع حقا تحت تلك الخوذة فهو الجبهة المتفكرة وهي من ابرز مزايا موسوليني في العشرينيات، وهكذا تغيرت الصورة فالدوتشي المفكر اصبح الآن الدوتشي المحارب. هذه هي الصورة التي اصبحت الايقونة النهائية لموسوليني والتي كان علي ان اراها معظم وقتي في المدرسة وخلال ممارسة الرياضة منذ طابور الصباح ولموازنة هذه الصورة للدوتشي، كان الى جانبها دوما صورة للملك بخوذة وشارب وذقن مستطيل، وبالتأكيد فقد كان رأس الملك فيتوريو اصغر بكثير حجماً من رأس الدوتشي غير انها كانت تكبر في هذه الصور بفعل الزوايا ليصبح رأسه بحجم رئيس وزرائه المفروض بالقوة عليه. وبالطبع كان هناك صور للدوتشي وهو حاسر الرأس وكان موسوليني عبر تقليدية اريك فون ستروهايم ربما قادراً على تحول صلعته من نقيصة شكلية «مثلما تظهر عليه في اعلانات ادوية الصلع في خانة «قبل» العلاج» الى رمز للقوة، وألهمته عبقريته ان يحلق ما تبقى من شعر على رأسه في الثلاثينيات. كما كانت شائعة ايضا صورة بالطربوش الاحمر الذي يليه حرس الشرف او في البزة الخربة السوداء بالبيرية التي تبرز نسراً مفرداً جناحيه، ومن بين صوره الشائعة ايضا وضعيته وهو على صهوات الجياد ومن اشهرها صورته مشهراً سيفاً اسلامياً فوق جواد. وفي مناسبات نادرة كان يظهر بالزي المدني، ففي احد فصول الصيف حضر مناورات بحرية معتمراً بيريه بيضاء بحرية ومنتعلاً حذاء الخيالة العالي وبنطالهم وجاكيت ازرق سماوياً ثم ظهرت بعد ذلك الصور الشهيرة له خلال «معركة القمح» الدوتشي عاري الصدر بجانب دراسة يحمل اكوام سنابل القمح اليها بين الحواصيد. حواصيد ام رجال شرطة؟ كانت النكتة الشائعة حينها هو ان الدوتشي هنأ احد الرجال خلال العمل على جهده بجانب الدراسة قائلاً: احسنت! كيف استطيع ان اكافئك على تعبك؟ فكان جواب الرجل: انقلني من مخفر الشرطة في روما الى مخفر في باليرمو ايها الدوتشي! اما الصور الحياتية الخاصة فكانت نادرة جدا: هناك بضع لقطات له بين افراد عائلته واخرى وهو يتزلج او يسبح او يقود طائرته وقد تم توزيع هذه الصور كما قيل بسبب الشائعات التي تحدثت عن مرضه. ومع غزو الحبشة تطورت ثقافة الزعيم اكثر لتصل حد عبادة الدوتشي، فالعبارة التي كانت تستخدم في تحية الزعيم «يعيش الدوتشي! نعيش نحن!» استبدلت لتصبح اطول منها «يعيش الدوتشي مؤسس الامبراطورية» اما النكتة التي راجت عن ذلك فهي ان الامين العام للحزب الفاشي كان اغبى من ان يحفظها لطولها رغم انه هو من صاغها لذلك حينما كان عليه ترديدها وهو ما كان عليه فعله كثيراً كان يلتفت الى ورقة بيده اولاً. واصبحت الحرب وشيكة حينها كنت اعيش سنوات المراهقة وفي ميونيخ لعب الطاغيتان عام 1938 آخر جولة من جولات الصور، وهي تعبيراتهما الوجهية العازمة والصارمة في مقابل الصورة قديمة الموضة التي كانت لرئيس الوزراء البريطاني نيفيل تشامبرلين بجاكيته ذي الذيل وياقته العالية القاسية ومظلته. لكن في تلك المرحلة كانت الرسالة التي وصلت الجماهير كانت تلك التي ارسلها تشمبرلين بمظلته، تحديداً السلام. ثم اتت الحرب وحينها اصبح موسوليني يرتدي بزة الجيش الملكي الايطالي. وحصل على لقب مارشال الامبراطورية وعلى الجبهات التي كانت لاتزال بعيدة عن ايطاليا اخذ الشبان الذين لا يكبرونني إلا بقليل يموتون «من مواليد 1915 واكبرهم من حملوا عبء الحرب» واخذ شكل موسولينيني الذي كان يميل الى التدوير يتحول نحو التطويل ليبدو صلبا وشديداً واخذت مشكلة قرحة المعدة تزداد مثلما يزداد شبح الكارثة المقبلة لكن المفاجيء على نحو خاص هي صور لقاءاته بهتلر الذي اصبحت له الآن اليد الاعلى وما عاد يسمح له بنبس بنت شفة. واخذ لباس موسوليني يتضمن معطفاً غليظاً وقبعة من الطراز الالماني. ومع الهزيمة العسكرية بدأت تظهر للعامة عبثية تلك الاستعراضات لمن لم تكن لهم عيون سابقا، ودارت شائعة مفادها انه بعد معركة العلمين فإن هناك الى جانب الجند الايطاليين الفارين حصان ابيض كان موسوليني اختاره وارسله الى هناك ليدخل على صهوته مدينة الاسكندرية فاتحا وهو ما كان نهاية لايقونة الدوتشي المحارب. واخيراً اتى اليوم الذي كتب لصور وتماثيل الدوتشي ان تخرج من بين جدران المدارس والقصور والمكاتب الى الشوارع في الهواء الطلق بيد الثائرين على نظامه، حدث هذا يوم 25 يوليو 1943 حينما اقتحمت الحشود التي ما عادت تطيق صبراً قصر كايس ديل فاشيو ورمت بصور الدكتاتور من النوافذ، وفي كل مكان اصبحت صورته الأبوية تتعرض للسخرية والبصق عليها، واخذت تماثيله وصوره العسكرية تجرجر على الارصفة، فيما اصبح رأسه بين ليلة وضحاها شيئاً عميقاً من الماضي ومادة للتندر والسخرية. بقلم: ايتالو كالفينو _ ترجمة: جلال الخليل عن «نيويوركر»