الثلاثاء 3 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 4 فبراير 2003 كم كان القلب يتمزق لدى رؤية انصار حزب العمل ينشدون اناشيد ارض اسرائيل القديمة، بالذات في الليلة التي ترددت في تلك الارض حشرجة واهنة اخيرة. وكما في الخيال العلمي يصرخون بالميت ان يظهر،ان يتجلى. كذلك في تلك الليلة اراد حزب العمل تقويض حركة الزمن واستدعاء تلك الارض القديمة التي كانت ولم تعد قائمة، كي تظهر وتخلص «العمل» من كابوس عذابه. ومرة اخرى يتساءلون كيف حدث لنا «شينوي» (تغيير) ومرة اخرى يقولون: «المتزمتون» كم هو مثير اكتشاف الجدل السياسي الثقافي الاسرائيلي يدرو بهذه الضحالة الداعية لليأس.لقد غيرت اسرائيل خلال العشرين سنة الماضية طابعها الاقتصادي والمعرفي: من طراز خاص وقومي للاشتراكية، الى رأسمالية اتسمت بأعلى درجات الرأسمالية ـ تجسيدا متطرفا شديد الامركة من الرأسمالية. والازدهار شركات القوى العاملة الجنوني دليل واضح على ذلك. كانت النقطة الاكثر توقعا ان يبلور هذا المردود الهائل في مرحلة معينة صورة السياسة.جيل جديد من الناخبين ولد في هذا العالم الرأسمالي، بمعنى انه لم يتعرف على اي عالم آخر.لكن الحلبة السياسية لم تتجاوب.فبقيت تقريبا الأحزاب نفسها. العمل، الليكود، المفدال، راتس، مبام، والمتدينون.يبدو انه لم يتم تذويب التغير في الوعي والرسالة. معظم منتفعي الرأسمالية هم بصورة تقليدية من اليسار الاشكنازي . بيد ان هذه القبيلة التي استوعبت جيدا قوانين الرأسماليةـ الاتفاقات الخاصة، مناهضة التنظيمات العمالية القوية (واين يحتقرون عمير بيرتس فعلا ان لم يكن في اليسار الاشكنازي)، السوق الحرة، خصخصة الخدمات الاجتماعية، مخصصات بطالة وشيخوخة هزيلة، تقليص تدخل الحكومةـ هذه القبيلة واصلت التصويت لصالح العمل وميرتس هذين الحزبين اللذين كانت وجهتهما نحو الاشتراكية (ميريتس)، وغير واضحة تماما في (العمل). ببساطة كان يجب على حزب شينوي ان يقوم اذ ان اكبر الرأسمالية في اسرائيل، المسيطرين على لعبة السوق الحرة في اسرائيل، اؤلئك الذين هذا هو طابعهم الجديد، هم افراد اليسار السياسي. وفي حين كان ميريتس والعمل يعرضان عليهم اسرائيل القديمة، كانوا قد انتقلوا الى اسرائيل الجديدة، الحريصة على مصالحها والتي لا تخجل ببرجوازيتها. ليس صدفة ان كثيرين من مصوتي ميريتس والعمل يرون تومي لبيد في التلفزيون ويرددون في داخلهم بصمت:«والله انه صادق» وذلك لانه لا يوجد في معسكر اليسار فعلا، كثيرون ممن يؤمنون بالاشتراكية الديمقراطية. معظم معسكر اليسار الاسرائيلي اناس ذوو وعي رأسمالي واضحـ وتصويتهم تصويت لطراز حياتهم، لعالمهم الخيالي، شينوي هي فعلا هم. يجب ان نقول ذلك ونترفع عن جميع الترهات والمخادعات: ان البيت الحقيقي لجزء لا بأس به من معسكر اليسار موجود في شينوي.ولا توجد في داخل معسكر اليسار الاسرائيلي التقليدي كتل كثيرة من رجال الاشتراكية الديمقراطية.هذا مؤلم، محزن، لكن حين نرى تحطم ميريتس ندرك كم ان ذلك صحيح.اتباع اليسار السياسي هم اول من انتفع، بنوا انفسهم اقتصاديا، واحيانا اثروا من التغييرات الاقتصادية في اسرائيل خلال العشرين سنة الماضية، ومن الاقتصاد الجديد، من اغتناء القطاع الخاص، ومن كل مؤشرات اقتصاد السوق، والآن وجد لهم حزب على صورتهم ومثالهم، حزب يتحدث باللغة الاقتصاديةـ الاجتماعيةـ الثقافية التي يعرفونها. فلماذا لا يصوتون له؟ لقد كان ذلك تلونا، ان يواصل قطاع واسع من اليسار إثراءه من الهاي تيك، ومن النشر والعولمة ومن العمل الرخيص للعرب او العمال الاجانب، وفي الوقت نفسه يواصلون الهذر بشعارات الاشتراكية الديمقراطية.شينوي تجسد تماما المردود الفظيع الذي طرأ على اسرائيل، والانتقال الى الاقتصاد الجديد، وحقيقة ان نموذج المساواة داخل انصار «اليسار السياسي» لم يعد له وجود منذ زمن طويل.وهذه واحدة من الحكايات الجذابة في هذه الانتخابات: الناس الذين صوتوا لشينوي هم في غالبيتهم اتباع الاقتصاد الجديد، الذين لم تعد اسرائيل القديمة بكل ما مثلته، تعني لهم شيئا.ان الوجه المكتفي لشينوي هو وجه قطاع واسع من معسكر السلام الاسرائيلي التقليدي. ان الاعتراف بذلك يمزق نياط القلب، بيد ان حلم الحزب الاشتراكي الديمقراطي الواسع لا يستطيع بعد، ان ينسج له لحما وعظما.لدى اليسار الاسرائيلي التقليدي لا يوجد احتمال انساني لهذا الامر. فمعظم انصار اليسار السياسي على شاكلة تومي ليبد اكثر مما هم على شاكلة ران كوهن. بقلم: نير بارعام _ عن «معاريف»