الثلاثاء 3 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 4 فبراير 2003 عندما عاد الرئيس الاميركي الاسبق جيمي كارتر الى الوطن بعد زيارة تاريخية استمرت ستة ايام الى كوبا، كان يساوره شعور بالتفاؤل فيما يتعلق بالتزام الرئيس الكوبي فيدل كاسترو بالقيام باصلاح سياسي في بلاده. ومنذ هذه الزيارة ابدى المراقبون للأوضاع في كوبا اهتماما كبيرا بالتطورات في هافانا وفي الوقت نفسه عملوا على مراقبة الرئيس جورج بوش عن قرب لاسيما وان الاخير طالب في خطاب له عن السياسة الكوبية ادلى به بعد عودة كارتر الى اميركا، كوبا باتخاذ مزيد من الخطوات المحسوسة نحو تحرير الاقتصاد كشرط قبل ان يفكر في رفع الحظر الاقتصادي الذي تفرضه اميركا على كوبا منذ اربعة عقود. غير ان مستقبل العلاقات الاميركية الكوبية لا يقع في واشنطن او هافانا، فالمرء يجب ان ينظر الى جنوب فلوريدا حتى يتعرف على هذا المستقبل، فهناك ينفصل الشباب من الأميركيين من اصل كوبي عن كبار السن المتعصبين منهم والامر الاكثر ادهاشا يرى في نورث ذاكوتا حيث يطالب بشدة المزارعون الاميركيون، الغارقون في معاناتهم من تكدس البضائع بالحصول على اذن لبيع منتجاتهم الغذائية الى كوبا. وهاتان المجموعتان في نورث داكوتا وجنوب فلوريدا بالاضافة الى جماعات اللوبي التي تقف خلفهما لها القدرة على ممارسة ضغوط كبيرة على سياسة ادارة بوش نحو كوبا غير ان امكانية نجاح هذه الضغوط من عدمه ربما ترجع في النهاية الى ما يريده كاسترو. ولقد سمحت هذه الزيارة التي قام بها كارتر، الذي يعد اكبر مسئول اميركي يزور كوبا منذ اعتلاء كاسترو لسدة الحكم في 1959، للرئيس الكوبي بأن يبدو وكأنه حقق اكبر انتصاراته، فبينما كان كارتر ينتقد نقص الحريات الديمقراطية في كوبا ويدعو الى حدوث تغيير وذلك اثناء خطاب مباشر على الهواء اذاعة التلفزيون الكوبي من دون اقتطاع اي جزء منه كان كاسترو يجلس بجانبه وهو يبدو هاديء البال مستريحا. وتمت كذلك دعوة كاسترو لمقابلة العديد من كبار المنشقين الكوبيين، امثال فلاديميرو روكا، الذي يعد واحدا من اشهر السجناء السياسيين في كوبا والذي تم اطلاق سراحه قبل زيارة كارتر بوقت قصير وقابل كارتر كذلك اوسوالدو بايا، رئيس مشروع فاريلا، واشاد كارتر في حديثه بقيام المشروع باحالة عريضة الى الجمعية الوطنية الكوبية تحمل 11 ألف توقيع وتطالب بعقد استفتاء حول الاصلاحات السياسية. ولكن بينما يرى البعض في هذه التطورات تغيرا وانتقالا نهائيا الى التعددية يتبين انه من السابق لأوانه الجزم بهذا الامر. وفي نهاية فترته الرئاسية، سمح الرئيس الاميركي السابق بيل كلينتون بارسال مبيعات غذائية الى كوبا، ولكنه منع اي تمويل عام او خاص لهذه المبيعات وطلب من الكوبيين المعروفين باقتصادهم المتردي ان يدفعوا نقدا مقابل الحصول على اي واردات غذائية ومنذ ان بدأ تدفق هذه المبيعات انفقت كوبا حوالي 100 مليون دولار على شراء 550 ألف طن من المحاصيل الاميركية، وقال كاسترو مؤخرا ان كوبا مستعدة لانفاق 200 مليون دولار اخرى هذا العام في هذا الصدد، اذا سمح لها بذلك. هذا التطور من شأنه ان يسيل لعاب القطاع الزراعي الاميركي، غير ان الامر بهذا الشكل سيتطلب تمويلا من المصارف الاميركية، وهو الامر الذي لا يسمح به القانون حاليا غير ان اعضاء مجلس الشيوخ من الولايات الزراعية مثل كنساس ونبراسكا ونورث داكوتا، يعملون بنشاط كي يصدروا تشريعا يغير القانون في هذا الصدد، وفي حقيقة الامر فان هذا البند الذي يدعو الى السماح بتمويل البنوك لهذه المبيعات تم تضمينه في مشروع قانون عرض على مجلس الشيوخ في مايو الماضي وتمت الموافقة عليه غير انه رفض بصعوبة من قبل مجلس النواب. وحتى في مجلس النواب هذا فان مقاومة رفع العقوبات عن كوبا آخذة في التلاشي فقد قام 40 نائبا مقسمين بالتساوي بين الجمهوريين والديمقراطيين، بانشاء مجموعة عمل بشأن كوبا هدفها هو الرفع التدريجي للعقوبات التجارية المفروضة على كوبا على ان تكون البداية من مبيعات الاغذية والمنتجات الصحية. غير انه من قبيل المفارقة، فان جزءا كبيرا من الامل في حدوث تغيير يعتمد على جماعة ظلت لسنوات اكبر خصوم كاسترو، وهي جمعية الاميركيين من اصل كوبي. هذه الجماعة الموجودة فهي ساوث فلوريد او التي سيطر عليها لفترة طويلة مجموعة من اللاجئين المتشددين الذين يؤيدون بقاء الحصار ويعدون حتى لعمل عسكري ضد كوبا، اصبحت تقع بشكل متزايد تحت تأثير مجموعة شابة من الاميركيين من اصل كوبي يؤيدون فكرة انتقال سلمى وتدريجي الى الديمقراطية في كوبا. وحتى منذ عقد مضى لم يكن احد يتصور انه يمكن سماع مشاعر التعاطف التي يطلقها في العلن امثال كارلوس سالا دريجاس، هذا الاميركي من اصل كوبي الذي يرأس مجموعة الدراسات الكوبية، وهي منظمة تؤيد اللجوء الى وسائل بديلة لزرع بذور الديمقراطية في الجزيرة الكوبية. وفي حديث له مع مجلة «صن سنتينل» في فورت لا وديرديل في فلوريدا، قال سالا دريجاس: «ان تأييد بقاء العقوبات الاقتصادية يتناقص ويتناقص بسرعة، فنحن مستعدون لأن نبحث عن وسيلة أفضل». ومثل الكتلة الزراعية، ينظر الاميركيون من اصل كوبي الى القضية بطريقة عملية مباشرة. يقول سالا دريجاس الذي لم يكن عمره يتجاوز 12 عاما عندما احضره والداه الى اميركا: «نحن رجال اعمال وبراغماتيون ونفهم ما يصح وما لا يصح فنحن نريد ان يتم الحكم علينا عن طريق نتائجنا الاخيرة». ان بريقا من الامل الذي يأتي من المواقف السابق ذكرها ربما يساعد على تقوية اعتقاد البعض الذي ربما يندرج بينهم فيدل كاسترو نفسه، والذي يفيد بأنه تحت مثل تلك الضغوطات التجارية والسياسية، وتلك التي يمثلها المجتمع الاميركي من اصل كوبي، فانه يمكن ان تنهار العقوبات الاميركية المفروضة على كوبا من دون ان تضطر كوبا الى اعتناق الرأسمالية او سياسة التعددية الحزبية. ترجمة: حاتم حسين _ خدمة «نيويورك تايمز» _ خاص لـ «البيان»: