الثلاثاء 3 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 4 فبراير 2003 فيما جعل البريطانيون من صفحات الجرائد ميداناً لسجالاتهم حول الحرب ضد العراق، فإن الاميركيين يفعلون ذلك في الكتب، او عبر اكوام منها، حيث تستعيد الكتب ذات الأغلقة الورقية احداث 11 سبتمبر 2001 وتطالب اخرى بالسلام في العراق، فيما تنادي غيرها بحواشيها الثقيلة بفضائل «تغيير النظام» في الشرق الاوسط كله. ففي نيويورك، مضى الناشرون، شأن الاعلام إلى الحرب مسبقا. ولنقرأ فقط عنوان الكتب التي تتحدث عن 11 سبتمبر ـ الكثير منها هي مجلدات مصورة ضخمة ـ في اميركا «فوق ارض مقدسة» حتى يعيش الآخرون، «ما رأيناه»» ، «الحد الأخير»، «غضبة الله»، «في ظلال السيوف».. ولا عجب أن شبكات التلفزيون الأميركية تنظر الى الحرب المقبلة وكأنها شيء محتوم. شبكة الـ «سي.إن.إن» تقول «الحسم في العراق» و«مستعدون للحرب». لكن لا أحد يتساءل حول ضحيتها. لقد عبرت عن احتجاجي خلال برنامج حواري اذاعي مباشر في اوائل ديسمبر الماضي لان السؤال الذي وجه للمشاركين وبينهم اكاديمي اسرائيلي ومسئول ايرلندي في الأمم المتحدة وأحد المحاربين في فيتنام وطوني بين وغيرهم وانا ـ كان السؤال يدور لا حول ما اذا كانت الحرب ستقع أما لا، وانما عن عواقبها فحتمية تلك الحرب اصبحت شيئاً مسلماً به. أما احدث وأهم هذه الاسهامات في هذا «الجدل» المغلوط قطعاً في الولايات المتحدة فهو كتاب «العاصفة الوشيكة: الدعوى لغزو العراق». من تأليف كين بولاك المسئول السابق في الـ «سي.آي ايه» والمسئول سابقا عن «شئون الخليج» في مجلس الامن القومي الاميركي. ان الكتاب الذي يفترض ان اميركا كلها تتحدث عنه، وعنوانه: «العاصفة الوشيكة» وهو بالطبع تقليد لعنوان المجلد الأول «العاصفة المتجمعة» من الكتاب الذي وضعه ونستون تشرشل لتوثيق الحرب العالمية الثانية غير اننا كل ما نحتاج معرفته حول مضمونه. فمثلما حاول جورج بوش خلال العام الماضي التشبه بتشرشل الذي رفض الرضوخ وتملق العدو، كذلك يدعي بولاك مرتين أن العالم يواجه تلك المعضلة ذاتها التي واجهت بريطانيا وفرنسا عام 1938. فهو يدعي ان الحلفاء كان بمقدورهم تحقيق النصر على ألمانيا في عام واحد فحسب لو أنهم أعلنوا الحرب على هتلر في ذلك العام. لكن الحقيقة التي تقول ان بريطانيا وفرنسا كانتا تفوقان المانيا في عدد الجند لكنهما اضعف منها في العتاد الحربي الحديث ـ فيما الولايات المتحدة اليوم تستطيع سحق القوات العراقية في اسبوع ـ هذه الحقيقة لا أحد يسمح لها بالظهور في هذا الجدل المخادع. اذ فيما يقبل بولاك ان الرئيس العراقي ليس مثل هتلر، فإنه مرة اخرى يلبسه ثوب هتلر ـ مثلما ألبس الغرب عبدالناصر ثوب موسوليني النيل خلال ازمة السويس عام 1956 ـ وكل من يعارض هذه الحرب هو ـ بالتوسيع المحض ـ متعاطف مع النازية. قبل الحرب العالمية الثانية وبعدها ـ الحرب العالمية الثانية الفعلية ـ كان الناشرون البريطانيون قد حشدوا مؤلفيهم لدعم إعلام هذه الحرب، فكتور نمو لانتش كان داعية لا يكل للحرية البريطانية. ومع حلول عام 1941 كنا ننشر كتاب «القطار الأخير من برلين ـ الذي تصدر قوائم المبيعات لمؤلفه هوارد سميث المراسل الصحافي الاميركي اللامع الذي غطى بوصفه المرعب الحياة في المانيا النازية قبيل دخول الولايات المتحدة للحرب. لكن هذه في معظمها كانت كتب أدب وكتب عقيدة ايضاً. أما يحدث اليوم في الولايات المتحدة فهو شيء مختلف تماماً: «محاولة وصولية رخيصة لدفع أميركا إلى الحرب على ظهر أضحية 11 سبتمبر الصامتة وغير القابلة لإبعادها عن الموضوع». ان «الدفاعات الجبلية» لبولاك لصالح شن الحرب ضد العراق ـ اذا كان هذا ما يمكن تسميتها به أصلاً ـ تحتاج الى دراسة تفكيكية حذرة على امتداد كتابه الضخم الذي يضم 494 صفحة والا فانه سيتمكن من تحقيق تلك المكانة المهمة في هذا الجدل للحرب التي يريد اكتسابها. وفيما يلي بعض جدالاته اذكرها، على سبيل المثال: «ان الفائدة الاعظم لغزونا العراق هي شبه الحتمية ازاء نتيجتها.. اذا ما قررت الولايات المتحدة شن حرب شاملة ضد العراق فستكون لدينا ثقة عالية جداً، بالنصر.. تكاليف هذا النصر ليست واضحة، غير ان اسوأ السيناريوهات الموضوعة لها لا تعتبر كارثية.. وهذه الاستنتاجات شائعة جداً في اوساط العسكريين الاميركيين». اذ ان التخلص من الرئيس صدام حسين، كما يقول بولاك، سيكون «دفعة هائلة للسياسة الخارجية الاميركية» لانه سيحرر ايدي واشنطن لتتمكن من «مواصلة تنفيذ الاهداف الاخرى على جدول اعمال سياستنا الخارجية». ان غزو العراق «سيطمئن الدول العربية المعتدلة بأننا كنا جادين في الاطاحة به.. كما سيمكننا من تقليص وجودنا العسكري في المجتمع وخصوصا في المملكة العربية السعودية» (حيث «ينزعج عسكريون هناك من القوانين الصارمة وأماكن السكنى غير المضيافة». اما الاكثر خطراً والاكثر خبثاً بكثير ايضا بالنسبة للشرق الأوسط فهو ان الاطاحة بالرئيس العراقي «سيفصم عرى العلاقة بين القضية العراقية والصراع العربي ـ الاسرائيلي». وعلى المدى الطويل «سيلغي مصدراً مهما من مصادر العداء لاميركا» ويوفر نتائج ايجابية «اذا ما ارادت الولايات المتحدة بناء دولة عراقية قوية ومزدهرة لكل ابناء العراق.. لتكون نموذجاً يحتذى لكل الدول العربية». ويضيف بولاك ان غزو العراق «قد لا يكون اقل خياراتنا المتاحة سوءاً، وانما يمكن ان يكون فعلاً افضلها». حسنا، اذا غضضنا الطرف عن احد مزاعم رجل الـ «سي.آي ايه» السابق وهو قوله العاري عن الصحة تماما تبعا لعدد من جنرالات البنتاغون، بأن العسكر الاميركيين يؤيدون غزو العراق، فان دعوى بولاك للحرب هي دعوى لا أخلاقية على نحو مرعب. فالحرب كما يبدو هي الخيار المناسب لا لأنها ضرورية لاسباب اخلاقية، انما لاننا سنكسبها. فالحرب في هذ السياق تصبح وسيلة ممكنة وناجحة في السياسة الخارجية وأبعد ما تكون عما تمثله من رمز للفشل التام للروح البشرية بكل ما تتضمنه من عذابات ومحارق للابرياء. وهي ستطلق يد واشنطن لتنفيذ «جدول اعمال سياستها الخارجية» بما يعنيه ذلك كما هو مفترض من غزو لدولة اخرى او اثنتين ربما يمكن فيها اكتشاف وجود مصالح اميركية حيوية والغزو سيكون طمأنة للدول العربية «المعتدلة» (وهي كما هو مفترض الانظمة الديكتاتورية العربية الموالية لأميركا) وفي الوقت نفسه سينقذ اولئك الشبان الاميركيين المساكين من ثكناتهم «غير المضيافة» في مناطق اخرى من الشرق الأوسط. وما دام بولاك يدعو أيضا للاحتفاظ بوجود عسكري اميركي ذي شأن في العراق بعد الغزو، فلا يسع المرء سوى التفكير بنوع وشكل المساكن التي سيجدها الاميركيون وسط الخراب في بلاد الرافدين. وتلك «العلاقة» المهمة جداً بين العراق وبين الصراع العربي الاسرائيلي ستنتهي، ان هذه الفكرة تتردد عدة مرات في كتاب بولاك، والسرد الذي يختاره لها، وهو في مضمونه وجوهره سرد اسرائيلي، بسيط جداً: الفلسطينيون سيصبحون اكثر ضعفاً في صراعهم ضد الاحتلال الاسرائيلي حين حرمانهم من دعم واحدة من اقوى الدول العربية. ويتحدث بولاك عن «حملة الارهاب الشريرة» الفلسطينية دون ادنى اشارة ينتقد فيها اسرائيل. كما يتحدث عن «الهجمات (الارهابية) الاسبوعية التي تتبعها ردود اسرائيلية» وهي النسخة الاسرائيلية الرسمية لوصف ما يجري. ولا يعتبر الكاتب الانحياز الاميركي لاسرائيل اكثر من «اعتقاد» عربي. وفي مناداته بنظام فيدرالي لحكومة عربية، يقتبس بولاك مصادقاً مقولة لكاتب اسرائيلي يقول فيها اننا «لا نعرف كيف سيكون رد الفعل العربي» ازاء اي هجوم انتقامي اسرائيلي على العراق. واذا ما كان هذا صحيحاً، فان من الافضل لنا ايضا ان نلغي الـ «سي.آي.ايه». وبطبيعة الحال، تختفي من كتاب بولاك اي اشارة لوجود احتلال اسرائيلي لاراض فلسطينية أو للاستيطان اليهودي اللاشرعي أو عبارة مادلين أولبرايت المثيرة للاشمئزاز حينما قالت ان موت الوف الاطفال العراقيين بسبب العقوبات الاقتصادية يمكن ان يكون ثمناً مقبولاً في الصراع ضد الرئيس العراقي أو لزيارة دونالد رامسفيلد للعراق عام 1983 حينما كان الرئيس العراقي يستخدم اسلحة الدمار الشامل في حربه ضد ايران. كما يخلو الكتاب ايضا من فضيحة اختراق رجال بولاك السابقين في الـ «سي.آي. ايه» للجنة اونسكوم التابعة للأمم المتحدة للتفتيش عن اسلحة العراق. بل انه يكرر الزعم الكاذب بأن اونسكوم قد «طردت» من العراق (في الصفحة233) مع ان الحقيقة هي ان ريتشارد بتلر رئيس اللجنة هو من سحبها من العراق بعد فضيحة عملها الجاسوسي قبيل قصف ادارة كلينتون للعراق بالصواريخ. وبالطبع لا حاجة بنا للقول ان الكتاب يخلو من اي اشارة للمسئول الدولي المعين للتفتيش سابقا والضابط في البحرية الأميركية السابق سكوت ريتر ولكتابه الصغير الذي يعارض فيه الحرب بعنوان «الحرب على العراق: ما لا يريده فريق بوش ان تعرفوه بخصوص العراق» وهو ليس أكثر من برغوث من 96 صفحة يعض ظهر ادبيات الحرب التي تفور وتغلي في واشنطن. ثم يعود بولاك مرة اخرى في كتابه ليلعب على وتر المزاوجة بين هتلر والرئيس العراقي والتي كان قد تعهد منذ بداية كتابه ان ينكرها. لقد قررت بريطانيا وفرنسا الا تحاربا المانيا عام 1938. «ونحن نواجه المعضلة ذاتها مع العراق اليوم». ولهذا فإنه قلة الشرف السياسية تصل لهذا الحد من الخيال. لكن هل هذا مستغرب؟ فيما كنت اقرأ كتاب بولاك بأسلوبه المهلهل، والذي رأيت فيه «دواليب القدر» تدور بما لا يشتهيه الرئيس العراقي والذي كان المفتشون «القشة التي قصمت ظهر البعير» في سياقه ـ كما تتحدث كليشيهاتهم طبعاً كما ترون ـ كان آخر فصول الخيال الخصب تتبدى من واشنطن ولندن. قصص هجمات اخرى محتملة على نفق لنكولن وجسر البوابة الذهبية في الولايات المتحدة كانت تمتزج بكل تلك القصص المرعبة التي يضخها البريطانيون خلال الاسابيع القليلة الماضية: جدري، قنابل قذرة، هجمات على الفنادق ومراكز التسوق، وهجمات كيماوية، تسميم مصادر المياه، هجمات تستهدف برج بيغ بن ومنتزه الكناري، شراء 5 آلاف كيس قتلى 120 ألف بزة مضادة للتسمم، صفوف دراسية حول النجاة من الهجمات لاطفال المدارس، قوانين جديدة للحجر الصحي على البريطانيين في حال حدوث هجوم جرثومي (ان شاء الله سيسبب مثل هذا الهجوم الأخير حجز توني بلير في مقره في عشرة داوننغ ستريت)، ويبدو ألا نهاية لهذا الارهاب الحكومي. هل يريدون ان ينتصر اسامة بن لادن؟ ام ان هذا هو جزء من حسم موضوع الذهاب للحرب ضد العراق، عقار الخوف اللازم لنا جميعا حتى نساند السيدين بلير وبوش؟ إن هذه القصص توفر القاعدة الحيوية الأديبات الحرب. في الولايات المتحدة تمضي الطبقة الفكرية في دعمها للحرب الى أكثر مما يفعله كتاب بولاك التافه. ففي العدد الاخير من مجلة «فورين افيرز» يوبخ فؤاد عجمي، البروفيسور في جامعة جونز هوبكنز على سبيل المثال، العرب دوماً على رجعيتهم وفقدانهم للديمقراطية واستخدامهم المزعوم للصراع العربي الاسرائيلي «كذريعة لمزيد من السخط والشفقة على الذات ويعلن بحذر كبير.. ان الحرب يجب ان تندلع.. ان «نهر الروبيكون في روما وجد من يجتازه كما يقول. وهنا سطر لمحبي الخيال ليتذكروه: «ان اي نتائج للحرب مهما كانت مهولة، تصبح ضئيلة جداً اذا ما قورنت بنتائج مضي الولايات المتحدة الى حافة الحرب ثم الاحجام عن خوضها مما سيسمح للزعيم العراقي بأن يضع شروط المواجهة التالية». ان المنطق وراء مثل هذه الأقوال مرعب حقا. فأميركا يجب ان تمضي للحرب لأنها هددت بأن تجارب. تهديدها هذا يصبح السبب الموجب للحرب، وبالتالي فإن السلام سيصبح مرعباً أكثر من الحرب، عن ذلك تحدثت لورا ريديس البروفيسورة في جامعة سانت لورانس في نيويورك في مقالة في كتابها «اللغة الشمولية» وهو أحد افضل الكتب التي نشرت بخصوص خطابة هذا الصراع وتقول انه في الصراع الكوني بين الخير والشر من ذلك الذي يتخيله بوش يصبح نزع ارواح الابرياء بأيدينا امرا مبررا لان الجانب الاخر هو من الاشرار، وتضيف: الذي يجعل قتل الابرياء امرا سيئا إذن ليس هو موتهم، انما مواقف ومشاعر اولئك الذين قتلوهم. ويظل العزاء أو شبه العزاء هو في الالتفات إلى كتاب ميلان راي «خطة الحرب على العراق: عشرة اسباب تمنعنا من شن حرب اخرى ضد العراق، الذي يتحدث نعوم تشومسكي في احد مقالاته ليذكر القاريء بأفعال الارهاب التي نفذت باسمنا، من بينها ما فعله الاتراك ضد الاكراد، من بين الاسباب العشرة لمعارضة الحرب ضد العراق، هناك الكارثة الانسانية التي يمكن ان تسببها الحرب وعدم وجود أي صلة بين 11 سبتمبر والعراق والاحتمال الكبير بارساء حكومة «مستنسخة» أميركيا في بغداد وعدم وجود دليل يثبت وجود اسلحة دمار شامل في العراق والمخاوف التي يشعر بها العرب من بوش وليس من صدام والمخاوف من كساد عالمي بعد الحرب. والافضل من ذلك ان يعود معارضو الحرب إلى كتاب «لوبي الموت» الذي نشره كينيث تيمرمان قبل 11 عاما لمجرد ان نتذكر من الذي ارسى نظام صدام حسين في بلاد الرافدين. إن الحرب، مثلما لم أسأم ابدا سماعه من اصدقائي المملين بتكراره، ليست قضية انتصار أو هزيمة انها قضية موت، وفي هذا السياق، لا يسعني الا ان اقتبس لكم اكثر الاسهامات اثارة للمشاعر في كتاب «اللغة الشمولية» لصاحبته آمبر امندسون التي قتل زوجها كريغ الضابط في الجيش الاميركي في الهجوم على البنتاغون يوم 11 سبتمبر، امندسون تسأل قادة بلادها: هل سيؤدي بنا الهجوم على العراق إلى مجتمع دولي اكثر سلماً؟ إذا ما كنتم تنوون الرد على هذه المجزرة الجماعية «11 سبتمبر» عبر استدامة العنف ضد بشر آخرين، فإني ارفض ان تفعلوا ذلك باسم إنصاف زوجي القتيل. بقلم: روبرت فيسك _ ترجمة: جلال الخليل عن «اندبندنت»