الاثنين 2 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 3 فبراير 2003 إنها لأيام صعبة بالنسبة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، فقد واجهه التاريخ بتحد صعب، وعليه ان يفكر ملياً جداً قبل ان يقرر ما سيفعله بشأن معضلته الأكبر: هل يتوجب عليه فعل الحد الادنى الممكن مما هو ضروري لاعادة انتخابه رئيساً لروسيا مرة ثانية او ان يبقى مخلصاً لمهمته المعلنة المتمثلة بتحديث روسيا وأن يكون أكثر شجاعة في تنفيذها؟ صحيح ان كل زعيم يجد نفسه مضطراً لاتخاذ قرارات صعبة بين الحين والآخر، قرارات تهدد حياته السياسية، لكن بالنسبة لبوتين رئيس هذه الديمقراطية المراهقة التي تفتقد لقواعد العمل الشفافة والمستقرة، تصبح المجازفة أكبر. على بوتين ان يختار الآن بين لعب دور داعم الاستقرار وبالتالي الحفاظ على واقع «الملكية المنتخبة» الراهن، او ان يلعب دور الدافع للتحول وبالتالي يكون رائد الاعتراف لأول مرة في تاريخ روسيا بواقع الحكم الحقيقي فيها واعادة هيكلة السلطة عمودياً والقضاء على الصلات الخفية التي تجمع بين عالمي السلطة والمال. لو كان كل مايريده بوتين هو البقاء في الكرملين فإنه الآن يقف في موقف يعطيه ما يريد. فبمقدور بوتين مواصلة ما كان يفعله: السعي لارضاء الجميع ـ اليسار السياسي والانتهازيين السياسيين والقوميين والليبراليين ـ دون ان يختنق لاحتضانه النخبة السياسية المحيطة به. غير ان هذا يعني ان عليه مواصلة الرقص دوماً، خطوة للأمام واخرى للوراء وثالثة لليمين ورابعة لليسار نعم فقد كان التلميذ النجيب لأستاذ هذه التقنية بوريس يلتسين، وفي انتخابات 2004 ما عليه سوى ان يبقى بعيداً عن المهاترات ويحافظ على قناع كتيم يختبئ خلفه ويترك الجميع يعتقدون انه سراً يولي لهم انتباهاً خاصاً، ويربح. ان عمادي الدعم الرئيسين لبوتين هما نسب شعبيته المرتفعة جداً دون انقطاع (80 في المئة الآن) وأسعار النفط الطيبة التي حافظت على الاقتصاد الروسي واقفاً على قدميه وهذا على ما يبدو لا يضمن له الظفر برئاسة اخرى وحسب بل وولاء النخبة السياسية له، غير ان بوتين يجب ان يكون حذراً من هذا فقد مضت الأيام التي كان يستطيع فيها ابقاء الطبقات المنهارة تحت السيطرة. انه يعرف ان المؤسسة السياسية الروسية الجبانة تراقبه وتنتظر ان تمسك عليه خطأ على أمل ان تجد نقطة ضعف تستغلها، وباعتباره خريج عالم المخابرات، فعليه ان يشك دوماً بأن هناك في الكواليس من ينتظر الفرصة ليثب عليه ويخيفه. يجب عليه ان يراقب ميخائيل كازيانوف رئيس وزرائه والذي تضعه الشائعات موضع المنافس له وبعد ان تحرك ليلجم الجنرالات العصاة، الذي جعل من آخرهم غينادي تروشيف عبرة لهم، فهو يجب ان يحذر ايضاً ممن يبدون للعلن انهم اصدقاؤه فحتى الموالون له قد يقلبون له ظهر المجن فالكرملين يضج بالمؤامرات البيزنطية، ولابد ان يخطر له وهو يتنقل في ممراته، ان كل من يقابله يسن اسنانه للقبض على السلطة والبقاء. ابداً، بوتين لا يمكن ان يضع ثقته في الطبقة الروسية الحاكمة وهذا ليس لأن مهنته السابقة قد علمته عدم الوثوق بأحد فحسب اذ لا توجد مجموعة انتخابية واحدة يمكن لها ان تشكل له قاعدة سياسية يعتمد عليها فالطبقة المالية ذات النفوذ السياسي والجهاز الحكومي والنخب الاقليمية والتكنوقراط الليبراليون كلهم منبسطون منه الآن، لكنهم كلهم ايضاً يريدون استخدامه لمصالحهم وكل واحد منهم يريده ان يكون الثقل الذي يحرك موازين الحكومة الى جانبه. حتى الآن، عرف بوتين كيف يحمي نفسه من الوقوع في اسر اي فرقة سياسية فهو يكبح شهية رجاله السابقين في بطرسبورغ ويحاول الافلات دوماً من حاشية يلتسين لكن بوتين المستغرق دوماً في ألعاب العسكر والحرامية في الكرملين لن يكون لديه الوقت للتفكير والاهتمام بخطط كبيرة. كلنا يعرف ما الذي يريده بوتين انه يريد الخلاص من التزاماته القديمة واصدقائه القدامى وكل من لهم علاقة ببوريس يلتسين الذين يريدون دوماً تقديم مشورتهم لوريثه بوتين يسعى وراء شكل جديد من الشرعية، ليست لها علاقة بالجماعة السابقة والشيشان لا يريد ان يكون رئيس زمن الحرب ووثيق الصلة بحرب يدرك تماماً الا حلاً عسكرياً لها. وهذا هو ما يجعلها يضعف روابطه بالصراع في الشيشان عبر جعله شيشانياً، اي بتفويض المسئوليات هناك لمسئولين محليين منتخبين وبالتالي تحرير نفسه من الاضطرار لتركيز كل طاقاته عليه. حتى الآن يبدو وهو يخطو حذراً في هذا الاتجاه ويبدو ايضاً كارهاً لنفسه لأنه ينحني في كل الاتجاهات لكنه قد يفكر ايضاً: لماذا يبعد نفسه عن دور رجل الاستقرار ان كان ضمانته للنصر في انتخابات 2004؟ ما عليه سوى تطبيق المبدأ القديم: ادعي وقدم الوعود. لكنه طريق معروف جيداً، سيخرج من هذا الطريق محتفظاً بماء الوجه في مواجهته مع زعيم الحزب الشيوعي غينادي زيوغانوف، لكنه مرة اخرى سيعرف نصره بأنه الأقل بشاعة وهو طريق له غوايته يستطيع ببساطة ان يؤجل كل القرارات الصعبة الى ما بعد الانتخابات فذلك هو الوقت الأنسب لتبني طريق جديد اكثر جرأة، كما لابد وانه يفكر الآن فبضمانه لأربع سنوات رئاسية اخرى سيكون في موقف اقوى لمعالجة اصلاحاته الموعودة منذ امد بما فيها القضاء المهم جداً على الاحتكارات للموارد الطبيعية في البلاد ـ وفي مقدمتها «انظمة الطاقة الموحدة». قد يمضي في هذا الطريق وقد لا يفعل لكن عليه ان يفعل وفي غضون ذلك، عليه ان يساوم ويفاوض ويتعامل مع الآخرين وان يدفع الديون ويدخل في علاقات السيد والزبون جديدة اخرى، لكن هذا كله سيجعل من المستحيل عليه ان يحقق ذاته هذا هو ثمن ان يكون المرء ملكياً. لكن بوتين يعلم ـ او عليه ان يعلم ـ انه قد لا يحظى بأريحية الرقص المستدام في الكرملين وهو يعي ان امكانيات الزعامة للملكية المنتخب التي يتزعمها تتقلص مع مرور كل شهر. فالنمو الاقتصادي يتراجع والاستثمارات الخارجية لا تأتينا مثلما نتوقع والطبقة المالية النافذة سياسياً تزيد مطالبها وهو يفقد الشجاعة لمواجهتها. ان عملية الخصخصة الاخيرة لشركة سلافنيفت الحكومية للنفط والتي اختطفها صديقه القديم رومان ابراموفيتش بسعر ضئيل يثير الضحك يظهر تماماً كما اصبحت موارده محدودة فان يصبح يد كل رجل في البلاد لن يكون بمقدوره فعل ما هو اكثر من اغماض عينيه والاذعان. ان بوتين ذكي وهو يعرف ان اطالة امد الوضع الراهن سينشر العفن وربما اسوأ من ذلك بأن يعيد البلاد الى الأزمة من جديد. ومع ذلك فإن سلوك طريق التحول فيه مجازفة اكبر والنجاح فيه هدف مضلل قد يؤدي به الى الزلق ودق الرقبة واذا لم يناور بحذر في هذا الطريق، فقد ينتهي الاصلاح بتبني الطريقة الغورباتشوفية التي تفضي فقدان زعيم الاصلاحي السيطرة على الامور. الا ان بوتين يمكن ان يكون طيب الحظ في هذا الطريق ايضاً فإذا ما قرر تقليل ترهل النظام واستطاع عبور طبقة الجليد الرقيقة دون ان تتشقق تحت قدميه فسينجح حينها ما فعل ما لم يسبقه اليه زعيم سياسي ولا سوفييتي حينها سيكون قد بدأ ببناء نظام مسئول للحكم يقوم على حكم القانون وليس على السلطة الضبابية اللاعقلانية ذات الطراز القيصري ذلك سيكون فعلاً فصلاً جديداً في التاريخ الروسي. ان بوتين بشعبيته الاستثنائية يتمتع بالفرصة لتقديم جدول عمل جريء وجديد لناخبيه يكون مناهضاً لنفوذ المال السياسي الردات البيروقراطية هذا هو جدول العمل الذي ستسانده روسيا اذ مع تأكيد استقصاءات الرأي ان 68 في المئة من الناخبين الروس تؤيد الاصلاح يتوفر لبوتين الدعم المتماسك الذي يحتاجه ليجازف بعنقه. فهل سيجازف؟ هل سيتبع بوتين نهج شارل ديغول في فرنسا الذي اضعف المؤسسة السياسية التقليدية لصالح المضي في الاصلاح؟ بالنظر الى سلوكه الحالي، يشك المرء في انه سيفعل، غير ان بوتين قادر على اتخاذ الخطوات غير المتوقعة فهو من قام بالتحول المناصر للغرب بعد 11 سبتمبر على الرغم من صيحات الاحتجاج العالية من جانب الجنرالات والقوميين وكانت لديه الجرأة الكافية ليفعل ذلك. غير ان الوقت ينفد فإذا ما اراد بوتين ان يغير حاله فعليه الاسراع وفرصته الافضل ستكون خطابه الرئاسي الموجه للأمة في مارس المقبل فإذا لم يعمل على صياغة نهج جديد فوراً واذا ما اعيد انتخابه على اعتبار انه ضمانة استمرار الوضع الراهن فلن يعمل الا على تعزيز موقف الرأسمالية النافذة سياسياً والنظام البيروقراطي السلطوي وسيفقد مقدرته على تحقيق حلمه بتحديث روسيا ولن يكون مكانه في التاريخ الروسي اكثر من هامش اسفل الصفحة. بالنظر لهذه المعضلة ننتظر معرفة ما سيكون قراره سنراه قريباً وعدم اتخاذ قرار يظل بحد ذاته قراراً. ترجمة: جلال الخليل _ عن «موسكو تايمز»