الاثنين 2 ذو الحجة 1423 هـ الموافق 3 فبراير 2003 أجرى هذا الحوار مع أحمد سعادات، الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، في سجن اريحا الفلسطيني. وعلى الرغم من طول بقائه رهن الاحتجاز، الا أن سعادات لم يوجه اليه أي اتهام، ولم يحاكم فهو معتقل منذ الأول من يناير عام 2002 برفقة أربعة أعضاء من الجبهة الشعبية. ولقد خلف سعادات الأمين العام السابق للجبهة أبو علي مصطفى الذي اغتاله الجيش الاسرائيلي في 27 اغسطس 2001 بقصف مباشر لمكتبه في مدينة رام الله. وهو متهم من قبل الادارتين الاميركية والاسرائيلية بتنظيم عملية قتل زئيفي، وزير السياحة في حكومة شارون، والمعروف بمواقفه المتطرفة والمحرض على الطرد الجماعي للفلسطينيين. وفيما يلي نص الحوار: ـ لماذا أنتم هنا؟ ـ اننا هنا لأسباب سياسية بالدرجة الأولى. فالاسرائيليون، المدعومون عادة من قبل الولايات المتحدة، طلبوا من السلطة الفلسطينية ان تسلم جميع الأشخاص المتورطين في اغتيال وزير السياحة الاسرائيلي والسلطة الفلسطينية، التي لم تبد ضعيفة بهذا القدر سوى مرات قليلة، تفعل في هذه اللحظة كل ما تطلبه منها الولايات المتحدة، وهكذا عقدت اتفاقا مع اسرائيل والمخابرات المركزية الأميركية «سي.آي.ايه»، مع ان هذا الاتفاق لا يستند على أي أساس قانوني، فالبنسبة للقانون الفلسطيني لا يعد اعتقالنا شيئا قانونيا، وبالاضافة الى ذلك، لا يوجد في هذا القانون أي مادة تسمح بالحكم بأي عقوبة ضدنا، وفيما يخص رفاقي، فلقد أدينوا وفقا للقانون الاسرائيلي من قبل محكمة فلسطينية خاصة مكونة من أشخاص لم يكن لهم أي ماض ولا تحملوا أي مسئولية في الميدان القانوني. وبما اني لم أحاكم حتى الآن، فوضعي مختلف قليلا، حيث اعتقلوني وتركوني هنا طالما انني أمين عام الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. وحسب الاتفاق الذي تم التوصل اليه، يتعين علي البقاء «معزولا»، اي انهم ارادوا حرماني من اي نشاط سياسي مع ان المحكمة العليا الفلسطينية قد أصدرت حكما يقضي باطلاق سراحي، لكن أحدا لا يأخذ هذا الحكم بعين الاعتبار. وهكذا نحن هنا في السجن الفلسطيني بشكل رسمي، لكن فيه كما ترون أعضاء من الـ «سي.آي.ايه» وعدد من نظرائهم البريطانيين، ودورهم هو مراقبة أن يفعل سجن السلطة الفلسطينية ما تطلبه اسرائيل، وعمليا هؤلاء «المراقبون» هم الحراس الحقيقيون للسجن. ففي المحصلة النهائية هذا السجن هو سجن اسرائيلي. ألم تشاهد المراقبة عند الدخول؟ الفلسطينيون اخذوا اسماءكم وكتبوها في قائمة وفي نهاية النهار يلتقط الاميركيون هذه القائمة ويرسلون نسخة منها الى الاسرائيليين. أريد أن أوضح انه من الأهمية بمكان الحديث عن مروان البرغوثي، ليس بسبب ما هو عليه، بل لأنه من الممكن ان يطرح كرمز بالنسبة لجميع السجناء السياسيين الفلسطينيين في اسرائيل. وفيما يتعلق بالصمت الذي يلحق الضرر بنا، فان المسئولية الأولى تقع على عاتق السلطة الفلسطينية نفسها وكذلك على المنظمات غير الحكومية المرتبطة بها. فلقد اختاروا جميعا تعليق المسألة على الشماعة الاسرائيلية لان حالتنا بالنسبة لهم مزعجة اكثر مما ينبغي. فكما قلت لكم، لقد تركونا هنا لأن الاميركيين طلبوا منهم ذلك، وانطلاقا من هذه النقطة، فان واقع قبول مسئولين فلسطينيين اعتقال مقاومين فلسطينيين يمكن ان يبدو متناقضا للغاية. لهذا السبب اختارت السلطة الفلسطينية ومنظماتها غير الحكومية التزام جانب الصمت في حالتنا، وذلك اعتراف هائل بالضعف. إذ أننا هنا لأننا قمنا بتصفية زئيفي، الوزير الاسرائيلي العنصري من اليمين المتطرف الذي اقترح «ترانسفير» الى الاردن لكل الفلسطينيين، والذي كان عضوا في الحكومة الاسرائيلية، ودعم بشكل منظم كل اقتراحات تصفية مسئولي المقاومة الفلسطينية. انه احد الذين طلبوا اغتيال ابو علي مصطفى، ونحن يتعين علينا الرد بالمستوى ذاته، اي باغتيال أحد مسئوليهم. ما كان على السلطة الفلسطينية ان تفعله، ويجب ان تفعله الآن، بدلا من الخضوع للطلبات الاسرائيلية، هو التصرف كما يتصرف الاسرائيليون انفسهم، المطالبة بتسليم جميع الاسرائيليين الذين يقررون أو انهم متورطون بعمليات قتل الفلسطينيين. لكنها ـ السلطة الوطنية الفلسطينية ـ بدلا ان تفعل ذلك، لا تقول شيئا، وتمنع الحديث عنا. فكل ما تمكنوا من فعله لا يخرج عن اطار مساعدة الاسرائيليين، الذين طلبوا منذ زمن بعيد ان تكون الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين على قائمة المنظمات الارهابية المثبتة من قبل الاتحاد الاوروبي، الامر اصبح نافذا في الوقت الحالي. مما انعكس على علاقة العديد من الاحزاب الشيوعية بنا، ومع أن هذه الاحزاب كانت ترفض منذ فترة ان تقف الى جانبنا، الا ان الوضع تدهور اكثر من السابق، فالحزب الشيوعي الفرنسي، على سبيل المثال، الذي جاء للاتصال بالـ «يسار الفلسطيني» رفض اللقاء بنا رسميا. والشيء نفسه فعله الحزب الشيوعي القبرصي، وكذلك احزاب اخرى. وذلك يساهم بالصمت الذي يلحق أشد الضرر بنا. ـ يجري الحديث كثيرا في الخارج حول وحدة مجمل القوى الفلسطينية. كيف تنظر الى هذه القضية والى الذين وضعوك في السجن على أساس اتفاق وقعته السلطة الفلسطينية؟ ـ الوضع معقد، كما تعرف. فثمة أعضاء من حركة فتح، من بينهم كوادر، شاركوا في المظاهرات مطالبين بحريتنا. وهذا يعني ان هناك تناقضات اكثر في كل مرة داخل هذه الحركة وذلك بين الدور الذي يلعبونه أو الدور الذي يريدون ان يلعبوه في المقاومة والدور الذي يضطلعون به داخل السلطة، التي ارادت وقف المقاومة بالكامل بهدف التفاوض مع اسرائيل، الامر الذي لا يعكس ارادة الشعب ولا ارادة الاحزاب السياسية. فنحن نريد اكثر من ذلك وخاصة اثر افلاس اوسلو نريد استراتيجية حقيقية للنضال تسمح بتحقيق الحقوق الفلسطينية، في الوقت الذي يبنى فيه مجتمع ديمقراطي بشكل حقيقي. وحركة فتح تتفق مع هذا الطرح، بل يمكنني القول ان مجموعة الاحزاب السياسية متفقة في الوقت الراهن على تثبيت قيادة مؤقتة تقود المقاومة الفلسطينية. لكن مما لا شك فيه ان السلطة الفلسطينية لا تريد سماع اي حديث عن القيادة المؤقتة التي ستشكل سلطة خاصة بها. ومن الواضح اليوم ان السلطة تشكل عقبة امام المقاومة بقدر ما تمثل حصريا مصالح البرجوازية الفلسطينية، وهي مصالح الاسرائيليين ذاتها، لكنها ليست مصالح الفلسطينيين على الاطلاق. فهم ليس لديهم اي مصلحة في أن تزدهر الانتفاضة، ، بل الامر على العكس، فما يريدونه هو كبح جماح المقاومة. بكلمات اخرى، يمكن القول ان مصالحهم تقف ضد مصالح الشعب الفلسطيني. وكما ترون حتى لو تمكنا من تحقيق وحدة بين الاحزاب الفلسطينية، فستبقى هناك عقبة تحمل اسم السلطة الفلسطينية. ـ كيف تحلل الوضع الراهن؟ ـ من اجل فهم هذا الوضع، يجب العودة الى اتفاقات اوسلو فلقد كانت هذه الاتفاقات مشروعا تجاريا على وجه الحصر تقريبا بين البرجوازية الفلسطينية والمحتل الاسرائيلي. وحققت اسرائيل مع هذه الاتفاقات، ان تتخلى منظمة التحرير الفلسطينية عن برنامجها واستراتيجيتها على حساب ظروف حياة الشعب الفلسطيني. والجميع يتذكر انه في تلك الفترة الزمنية، بعد حرب الخليج، كانت منظمة التحرير الفلسطينية تمر بصعوبات مالية جسيمة. ومثلت اتفاقات اوسلو امكانية استرجاع الاموال بفضل اتفاقات تجارية مهمة. لذلك فان اوسلو ليس اتفاقا سياسيا كان من الممكن ان يجلب حلا للشعب الفلسطيني. بل كان مشروعا يتعلق فقط بمسائل تجارية وأمنية ولا سيما الأمن الاسرائيلي. ولقد ثبت مع اوسلو عمليا قاعدة بين الاسرائيليين والسلطة الفلسطينية في عدد كبير من المناطق، بما فيها مناطق ليست تحت رقابة السلطة الفلسطينية. لقد مرت السنون على النتائج التي من بينها وجود بند جوهري تتضمنه اتفاقات اوسلو حيث تحظر البحث عن حل آخر غير التفاوض مع الاسرائيليين. كما طويت صفحة كامب ديفيد والاقتراحات الفضائحية لكل من باراك وكلينتون. والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين كانت ومازالت تعمل لوقف جميع المفاوضات مع المحتل الاسرائيلي، الامر الذي كان يتطلب ان تتحول السلطة الفلسطينية الى حركة مقاومة حقيقية على اتصال مع الشعب. لكن ذلك الطريق لم يتم السير فيه. واليوم وصلنا الى هذا الوضع، المعارضة الوحيدة فيه بين المحتل ومن يعيش تحت الاحتلال هي المعارضة بين الشعب ودولة اسرائيل مع سلطة تنظر الى كل ذلك من الخارج. سلطة متفرجة، لا تريد سوى شيء واحدا، استعادة صلاحياتها بأي ثمن. ـ ما هي الاستراتيجية التي ستسمح اليوم ببناء حركة فلسطينية قوية؟ ـ من جراء جميع الاسباب التي ذكرناها، تمر المقاومة في اللحظة الراهنة بوضع صعب للغاية. لكن حتى هذا الوضع الصعب من الممكن ان يستمر آخذين بعين الاعتبار بعض العناصر المؤثرة خصوصا اسرائيل، سواء كانت تتعلق بعدم الاستقرار الاجتماعي المتنامي أم بالأزمة الاقتصادية التي توجه ضرباتها منذ عدة شهور. لذلك من الضرورة بمكان بناء القواعد اللازمة لاستمرار المقاومة ولكي تكون أقوى في كل مرة. وهذا يتطلب أمورا عديدة: في المقام الاول من الضروري بناء مقاومة شعبية، مفتوحة للجميع، يجد فيها الشعب بمجمله موقعا له. وذلك كي لا يتولد من جديد اخطاء الماضي، بمعنى ان الشعب يضحي والبرجوازية وحدها تحصد الفوائد، فالامر الجوهري في هذا السياق يتمثل في عدم فصل المقاومة ضد الاحتلال عن المعركة من أجل الديمقراطية حيث من الملائم اليوم بناء منظمة تحرير فلسطينية قوية وديمقراطية تشكل محطة وحيدة يمكنها ان تمثل مصالح كل السكان الفلسطينيين، بما فيهم اللاجئين، ان الامر يتعلق بملاءمة وحدة «من الاسفل» مع وحدة «من الاعلى». العنصر الثاني الاساسي يتعلق بأنه يجب الا ننسى ان نضالنا يتعين ان يدرج في السياق العالمي، اي ضمن النظام الامبريالي العالمي. فاسرائيل دولة دورها الأساسي حماية المصالح الامبريالية في المنطقة. وهذا الوضع له صدى قوي مع وضع جنوب افريقيا في لحظة سيطرة النظام العنصري هناك. ونضالنا بالدرجة الأساسية معاد للامبريالية، اذ ان القضية الفلسطينية مدعومة اليوم في قبو المشكلات العالمية، ولذلك علينا بناء مقاومة على صلة مع الحركات المناهضة للامبريالية في العالم بأسره. ذلك ان التضامن الذي تحتاج اليه لا يخرج عن اطار التضامن المناهض للامبريالية، انني افكر هنا بشكل خاص، في تلك الحركة المناهضة للعولمة الآخذة بالتطور خلال السنوات الاخيرة. اذا اردنا تحقيق النجاح علينا ان نبني بشكل جدي مقاومة شعبية، لكن بدون ان نفصل ما هو محلي عن ما هو عالمي، وان نعي ان نضالنا يتكامل بشكل اوسع في النضالات ضد الامبريالية وضد العولمة الرأسمالية، التي يجب علينا ان نوجه انفسنا نحوها. ـ لقد تحدثنا عن الاستراتيجية، فماذا عن المشروع السياسي؟ ـ الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين لا تعتقد ان حل «دولتين لشعبين» قابل للحياة، حتى لو تمكنا من تحقيق ذلك الحل، فالمشكلة ستبقى بعيدة كل البعد عن الحل، لأنه، في المقام الأول، ستستمر دولة اسرائيل بالوجود على ما هي عليه ولا سيما انهم يطرحون قضيتين مهمتين: «ما هو مصير اللاجئين؟ بالنسبة لنا، ان قضية حق العودة للاجئين، الذين يمثلون أكثر من نصف الفلسطينيين، هو قضية أساسية وحق غير قابل للتصرف، وهو خارج قضية الذين يعيشون في الضفة الغربية او في غزة.. كما ترى المشكلة الاساسية باقية. وما الذي يحدث مع فلسطينيي 1948؟ المشكلة لها أهمية مماثلة، طالما انهم اكثر من مليون نسمة وطالما هم فلسطينيون قبل اي شيء وطالما انهم يعانون من اضطهاد الدولة الاسرائيلية. لن اطيل عليكم اكثر، لكني اعتقد ان حل الدولتين، لا يمكن ان يكون في نهاية المطاف الا حلا مؤقتا، فالحل الحقيقي للنزاع يجب ان يستجيب لثلاثة معطيات اساسية: انهاء الاحتلال وعودة اللاجئين وتثبيت سلطة ديمقراطية بشكل حقيقي على مجمل فلسطين التاريخية. وقبل كل شيء، وأنا أصر على هذه النقطة، علينا طرح الحل على المستوى العالمي. وانطلاقا من وجهة النظر نفسها أيضا، فان اقامة سلطة ديمقراطية حقيقية على أرض فلسطين بكاملها، هو الحل الوحيد الذي يستجيب لتطلعاتنا. ومن نافل القول انه رد يتصدى بشكل كلي للامبريالية على الصعيد العالمي، ومن الواضح أيضا انه لن يكون مقبولا أبدا من قبل الامبرياليين. وهذا يعني ان مقاومتنا سوف تتواصل وستشهد لحظات مزج ولحظات كرب. لكن الامر الحتمي اننا سنحتاج الى الوقت كي نحقق اهدافنا، علاوة عن الدعم. لكني اعتقد ان ظهور الحركة المناهضة للعولمة يمثل دلالة ايجابية هائلة. وحضوركم هنا وواقع اننا التقينا، يجعلاني اقول انه على الرغم من صعوبة المرحلة الراهنة، الا ان المستقبل ليس مظلما بهذا القدر. ترجمة: باسل أبو حمدة _ عن «ريبليون» ـ اسبانيا