الاحد غرة ذو الحجة 1423 هـ الموافق 2 فبراير 2003 هل حقاً ثمة مناطق في العالم لا يمكن ان تساس؟ سؤال يطرح نفسه في ضوء المحاولات الأميركية لدمغ قاموس العلاقات الدولية بمفاهيم تثير الشعور بالصدمة لدى من يواجهونها، وفي حالة اميركا اللاتينية تثير رؤية واشنطن، الخاصة بـ «خطورة» بعض المناطق وخشيتها من امكانية فقدان السيطرة الاقليمية فيها، حفيظة وزير الدفاع البرازيلي جيرالدو ماجيلادا كروز كينتاو، الذي يرفض مثل هذه التوجهات ويؤكد ادانته لها. قبل ان يتولى المسئول البرازيلي منصب وزير الدفاع عام 2000، كان قد نال احترام الجميع كاختصاصي في القانون العام والخاص وكمستشار قانوني لكبريات المؤسسات مثل البنك البرازيلي، ومعه يدور هذا الحوار الذي اجرته مجلة «كلارين» الارجنتينية. ـ يبدو ان الولايات المتحدة قد بدلت الاحكام الأساسية للأمن العالمي، بحيث اخلت سياسة الردع الساحة للعمل العسكري «الوقائي» وبدأت فكرة السيادة التقليدية تتحول الى رؤية لـ «دول فاشلة» و«مناطق لا تساس». ألا يستلزم هذا حواراً صراعياً بين واشنطن وأميركا اللاتينية، آخذين بعين الاعتبار مناطق مثل المناطق الأمازونية او منطقة الحدود الثلاثية؟ ـ لا يوجد حتى الآن حوار صراعي وفي البرازيل كما في الارجنتين، اعتقد انه لا توجد اي منطقة الا والحكومة ممثلة فيها. في حالة البرازيل بمناطقها الامازونية التي تغطي خمسة ملايين كيلومتر مربع كنا قد افتتحنا خلال العام الماضي نظام سيطرة كامل على المجال الجوي في خمسة ملايين و200 ألف كيلومتر مربع ولدينا حضور عسكري على امتداد نهر الامازون بكامله لأنه لا ينتمي الى ولاية «امازوناس» وحسب وانما ايضاً الى ولايتي «بارا» و«مارانهاو» المكتظتين بالسكان مقارنة مع ولاية «أمازوناس» الأقل اكتظاظاً بالسكان، حيث بذلنا جهوداً مكثفة في موضوع حضور الدولة، فواقع انه يوجد سكان أقل لا يعني ان الدولة البرازيلية ليست حاضرة هناك والشيء نفسه قلته لوزير الدفاع الارجنتيني أوراسيو خاونارينا، فيما يتعلق بمنطقة «باتاجونيا». ـ على الرغم من هذا يبدو الشك بغياب السيطرة يقوم على ما يشير الى الحدود الثلاثية. ـ ان حضور الدولة هناك يعد كاملاً، وهناك مدينة من الجانب البرازيلي تدعى «فوز دو إجوازو» حيث جميع السلطات تحكم قبضتها والشيء المختلف هناك هو التعدد العرقي الممثل بالفلسطينيين، فالبرازيل لديها تجربة طويلة في التعايش مع اعراق كثيرة، وهي لم تميز ضد احد ابداً بسبب عرقه او اصله او دينه اذ يعتبر التمييز العنصري اليوم جريمة في دستورنا، الامر الذي يجعل من البرازيل مثالاً للعالم بالنسبة لامكانية تعايش الشعوب بشكل سلمي مع وجود أعراق مختلفة، واكبر مثال لدينا يتمثل في وجود اليهود والفلسطينيين في الشارع ذاته. ـ الولايات المتحدة لم تعتزم الحث على دراسة الرؤية الخاصة بالمناطق «غير الخاضعة لسلطة الدولة» في الاجتماع الوزاري الاخير الذي جرى في تشيلي. ـ بالنسبة للمفهوم التمهيدي المتعلق بإمكانية وجود مناطق بدون دولة حاضرة او سلطة دولة فإن النتيجة الظاهرة تتمثل في غياب السيادة الفعالة في منطقة محددة والبرازيل لا تقبل بمفهوم غياب السيادة الفعالة وقد عارضت ذلك الموقف على اساس الدليل القانوني الذي يفيد بعدم قبول انه عندما يتعلق الامر بسيادة الدولة لا يمكن التعامل بشكل نسبي مع هذا الموضوع لكن الولايات المتحدة لم تصل الى حد طرح هذا الجانب على البرازيل فلقد كان مقراً ويبدو ان الارجنتين وتشيلي كانتا على علم به لكن من جانبي لم اشارك في القرار ولهذا السبب اتخذت ذلك الموقف في الاجتماع وذلك تبعاً للاحترام الذي نكنه ازاء سيادة جيراننا فنحن ندافع عن قاعدة انه لا يحق لأحد التدخل في شئون بلد آخر. ونحن نكافح في سبيل حلول سلمية لجميع النزاعات انها مبادئ اساسية في الدستور البرازيلي. ـ الموقف البرازيلي لا يمنع الولايات المتحدة من ان تحدد الواقع ـ في حالة الحدود الثلاثية على سبيل المثال ـ حسب نظرتها القومية الخاصة لأنها تملك القوة الكافية لفعل ذلك. ـ الولايات المتحدة لم تقل للبرازيل ابداً انه لا توجد حكومة او انه يوجد ارهاب في منطقة الحدود الثلاثية، حيث لدينا نشاط سياحي كبير في تلك المدينة الواقعة في الجانب البرازيلي من الحدود، وهي مدينة غنية ومزدهرة. انني اتحدث عن مدينة «فوز دو اجوازو» حيث يوجد سد «ايتايبو» الذي يزود البرازيل والاورغواي بالطاقة وواقع وجود جماعات من بلدان اخرى هناك لا يعني انها تمارس اعمالاً اجرامية لكننا نعرف بحصول اعمال غير مشروعة اعتيادية في تلك المناطق وذلك لكون المنطقة حدودية وتعتمد مدينة «سويداد ديل ايستي» في البراغواي في مشترياتها على البرازيليين وفي الجانب البرازيلي ثمة رقابة جمركية وقانونية لشراء السلع ولا يمكن ان يسمى ذلك بالتهريب لأنه لا يؤثر على ميزان المدفوعات البرازيلي لكن مصلحة الجمارك البرازيلية متأهبة دائماً لقيام الجميع بتسجيل مشترياتهم ودفع الضريبة المناسبة ولدينا هناك خدمات استخباراتية ثابتة وذلك للبحث عن اي نشاط من نوع آخر، ولم يحدث شيء حتى الآن، لكن هذا الموضوع تغذيه وسائل الاعلام وأنا لا أعرف مصلحتها في ذلك كما انها لم تستجب لطلب البرازيل بمعنى انه اذا كان هناك شيء فليقدموا الأدلة عليه، انها رواية لا تستند الى اي حقيقة. ـ أليست مرآة الصحافة هي المسئولة عن اثارة هذه الشكوك؟ فمن الممكن ان الولايات المتحدة لم تقل اي شيء للبرازيل بشكل رسمي لكنها تدرج وبشكل اعتيادي مسألة الحدود الثلاثية في التقارير السنوية حول الارهاب التي تبعثها وزارة الخارجية الى الكونغرس. ـ ربما يتعلق الأمر بتكرار الأخبار في اجهزة الاعلام فلقد شاركت عدة سلطات أميركية بلقاءات في البرازيل وفي دول مجاورة، وقالوا ان قلق الاميركيين الاكبر فيما يتعلق بالحضور الاجنبي في منطقة الحدود الثلاثية يتمثل في ان جماعات اجنبية محددة ترسل اموالاً طائلة الى الخارج ومع ان هذه الاموال يمكن ان ترسل الى عائلات لكن في الوقت عينه الى جمعيات خيرية هي ليست كذلك عملياً. ـ كالذين يجمعون أموالاً لصالح حزب الله، على سبيل المثال؟ ـ لكن حزب الله هو حزب سياسي في لبنان وما لاحظته البرازيل لا يتعدى ارسال اموال للعائلات واخرى لهيئات خيرية في الشرق الاوسط ونحن في البرازيل لسنا قادرين على معرفة ما اذا كانت هذه الجمعيات الخيرية حقيقية ام مزيفة لكن الاستناد على ما سبق للوصول الى الادعاء بأن ثمة انشطة ارهابية في منطقة الحدود الثلاثية ولا سيما في الجانب البرازيلي ليس صحيحاً. انه لمن السيء جداً ان يمتد هذا الى وسائل الاعلام لأنه يؤثر على حياة المدينة ويدخل القلق الى قلوب الجميع ويكسد التجارة وينشر الفوضى لقد شعرت بذلك عندما كنت في الجانب البرازيلي فلقد كنت مع العسكريين ومع عناصر الاستخبارات الذين يعملون هناك واذا ارادت البرازيل فإنها تستطيع اتخاذ المزيد من الاحتياطات لكنها لها هناك عناصر مخابرات في كل منطقة، حيث لا يوجد اي دليل بهذا المعنى والشخص الوحيد الذي اتهم بشيء كهذا مسجون وفقاً لقرار من المحكمة الفيدرالية لكن السجن التعسفي لأي برازيلي أو أجنبي بدون احترام الأحكام القانونية هو شيء لن تقبل به البرازيل على الاطلاق. ترجمة :باسل أبوحمدة _ عن «كلارين» ـ الأرجنتين