الاحد غرة ذو الحجة 1423 هـ الموافق 2 فبراير 2003 في سرية تامة، وبعيداً عن اي تصريحات او تسريبات يمكن ان تترك أثراً سلبياً على جهود الرئيس الأميركي جورج بوش وادارته لتهيئة الجو العام لغزو شامل للعراق، يعمل خبراء البنتاغون على وضع تقديراتهم للخسائر المتوقعة في صفوف قواتهم نتيجة لهذه الحرب. وفي قدر مواز من السرية التي يفرضها البنتاغون، كانت الامم المتحدة بدورها منشغلة في الفترة الماضية في وضع احصائيات عن الخسائر البشرية لهذه الحرب. لكن فيما ينشغل البنتاغون في توقع اعداد ضحايا قواته، فإن وكالات الامم المتحدة المتخصصة في هذا الشأن تركز في تقديراتها على ما سيتكبده العراقيون. وعلى الرغم من كل التطمينات التي يقدمها القادة الاميركيون من مدنيين وعسكريين على السواء، للشعب الاميركي بأن الحرب المقبلة ضد العراق لن تكون بعيدة عن اجواء عملية «عاصفة الصحراء»، فإن البنتاغون تعمل بجد للاجابة سراً عن اسئلة مهمة: هل يستحق الهدف المخطط له الثمن البشري العسكري الاميركي المحتمل؟ وحتى لو اطيح بحكومة الرئيس العراقي فهل ستكون الخسائر الاميركية المحتملة في صفوف القوات مقبولة بالمعايير السياسية الاميركية؟ ويشير المراقبون في هذا الصدد إلى ان فورة التقديرات للخسائر البشرية الاميركية المتوقعة قبيل حرب الخليج بما فيها التقديرات الرسمية كانت متباينة جداً. احد السيناريوهات التي وضعت حينها وتضمنت استخدام العراق لهجوم جرثومي تشنه الدبابات المخصصة لاطلاق مثل هذه الاسلحة اعطى أرقاماً بعشرات الالوف من القتلى فضلا عن اضعاف ذلك من الجرحى، والبنتاغون قال حينها في تقريرها الرسمي بهذا الخصوص ان الجنود الاميركيين الذين سيقتلون في العمليات الحربية هم بحدود 18 الف جندي، لكن تبين لاحقاً أن هذا التقرير كان مبالغاً بنسبة 100 ضعف. لهذا قد لا يكون من المستغرب اليوم ان المسئولين الاميركيين صامتون تماماً ازاء هذا الموضوع. فالبنتاغون من غير المتوقع ابداً ان يتحدث عن هذا الموضوع قبل الحرب، لان اي تقويم جدي يحترم قارئيه لابد وان يأخذ بعين الاعتبار كل الاحتمالات بما فيها التقديرات الصغيرة والمتوسطة والكبيرة، وهذا سيكون له اثره السلبي على التأييد الشعبي الاميركي لحرب بوش هذه. غير ان ما يقوله اولئك الخبراء الذين عملوا سابقاً في مثل هذه المهمات يشير بما لا يدع مجالاً للشك إلى ان البنتاغون تقوم فعلاً بهذه المهمة الآن، خاصة وان هذه الحرب ان اندلعت وهي ستندلع بشكل شبه مؤكد بعدما قاله بوش في خطاب حالة ـ الاتحاد ـ فستكون من وجهة نظر المؤسسة السياسية والعسكرية الاميركية استكمالاً لحرب بدأت منذ 12 عاماً. قبل ايام نقلت صحيفة «كريستيان ساينس مونيتور» عن مسئول عسكري اميركي رفيع سابق لعب دوراً محورياً في تحضيرات البنتاغون لحرب الخليج قوله انه في مثل هذه السيناريوهات التي يرسمها الاميركيون للحرب وبضمنها غزو العراق في العمق والتخطيط للبقاء طويلاً هناك وربما خوض حرب مدن في بغداد، تصبح تقديرات الخسائر البشرية جزءاً محورياً يقع في صميم التخطيط العسكري. واضاف: «اتوقع انهم قد وضعوا خطط الغزو بما في ذلك توقيت الهجوم وشكله خصيصاً بحيث تتناسب مع كل اشكال المجازفات المحتملة بخصوص الخسائر البشرية». منذ حرب فيتنام التي خسر فيها الاميركيون 58 الف جندي، ما عادت الولايات المتحدة تتوقع خسائر بشرية مرتفعة في اي حرب تخوضها. ومع انها قبيل حرب الخليج كانت قد شحنت إلى المنطقة 20 الف كيس للجثث، الا انها لم تخسر سواء 147 قتيلاً سقطوا في العمليات الحربية حتى اليوم الرابع من مرحلة الحرب البرية. كما انها لم تتعرض لخسائر بشرية في البلقان، فيما تقول مصادرها الرسمية أن خسائرها حتى اليوم في أفغانستان هي 26 جندياً فقط. غير أن بعض الخبراء العسكريين أصبحوا يخشون الآن نتيجة لهذه الارقام من أن الاميركيين اصبحوا يتوقعون دوماً «حرباً معقمة» وهو الوصف الذي استخدمه ضابط اميركي اصيب خلال غزو القوات الاميركية لجزيرة غرينادا عام 1983. وهذا التحول اصبح ظاهرة تؤثر على المبدأ العسكري الاميركي وتعكسه في آن واحد، خصوصاً ان المؤسسة العسكرية الاميركية اصبحت تقوم في معظمها الآن على متطوعين يدخلونها وكأنهم يدخلون اي مؤسسة مدنية: وظيفة في وقت السلم، كما تنقل صحيفة «المونتيور» عن سكوت سنوك الجنرال السابق في الجيش الاميركي، الذي يضيف ان: «سلوكاً غير مدرك للمخاطر ابداً» قد أخذ يتبلور داخل القوات المسلحة الاميركية. يقول سنوك الذي امضى 22 عاماً في وحدة هندسية مقاتلة في الجيش الاميركي ويحاضر الآن في جامعة هارفرد: «لم يعد هناك أسوأ من خسارة جندي في المعركة بالنسبة للولايات المتحدة. ان هذا يحد جداً من دور المؤسسة العسكرية كوسيلة او سلاح يستخدم لدعم سياستها الخارجية. هذا الأمر يعكس في أحد جوانبه المبدأ الاستراتيجي العسكري الأميركي الذي وضعه وزير الدفاع الاميركي الاسبق كاسبر واينبرغر وكولن باول، الذي كان حينها جنرالاً ورئيساً لهيئة الأركان العامة المشتركة الأميركية حتى ما بعد حرب الخليج. في جوهره يعني هذا المبدأ استخدام اكبر قدر ممكن القوة العسكرية الساحقة، بأكبر زخم ممكن في أي حرب لتحقيق نتيجة واضحة منذ اللحظة الاولى. لكن هذا المبدأ وبالتدريج عبر الهجوم الذي تعرضت له قوات المشاه البحرية الاميركية في بيروت عام 1983 ثم تفجير الخبر في السعودية عام 1996 ثم الهجوم على المدمرة الاميركية «كول» في اليمن، اخذ يتضمن ايضاً ما سمي بالتركيز المفرط على «حماية القوات» اي وقايتها من اي هجوم محتمل، مهما كانت التكاليف. يقول جيفري ريكورد من مركز الدراسات الدولية الاستراتيجية والسياسية والتقنية، في معرض وصفه هذا التحول انه: «احجام عميق يصل حد الخوف المرضي». ويذكر في مقالة نشرتها له مجلة «باراميترز» التي تصدرها الكلية الحربية للجيش الاميركي: «ان الرعب من الخسائر البشرية اصبح شيئاً يتكرر ذكره على لسان اعلى القيادات السياسية والعسكرية في البلاد. بل ان الاحصائيات المتوفرة لدينا اخذت تؤكد اختلاف درجة مقبولية الخسائر البشرية الاميركية بين القيادة والعامة في البلاد وان العامة اصبحوا هم من يتقبلونها اكثر من قادتهم اذا كانت الظروف ملائمة». غير ان الوقوف على مقبولية الخسائر البشرية في عمليات قتالية بين العامة من الاميركيين يتضمن تقويم افكار ومفاهيم عصية على القياس عبر عمليات استقصاء الرأي. فقد اظهرت الدراسات التي اجريت مؤخراً، انه حتى الخسائر الاميركية التي تكون قليلة لدى قياسها بخسائر الخصم قد لا تكون كافية للحفاظ على الدعم الشعبي للحرب. فخلال التدخل الاميركي في الصومال عام 1993 قتل الاميركيون حوالي 1000 صومالي في مقديشيو وخسروا 18 جندياً فقط. ومع ذلك كانت تلك الخسارة كارثة للحد الذي جعل الولايات المتحدة تنسحب من الصومال انسحاباً سريعاً أشبه بالهرب. يقول مايكل اوهانلون الخبير في الشئون العسكرية والباحث في معهد بروكينغر للدراسات والذي وضع قبل ايام دراسة مطولة نشرها المعهد حول توقعاته للخسائر البشرية الاميركية في غزو للعراق: «اعتقد ان الاميركيين سيتسامحون مع الخسائر البشرية في صفوف جندهم اذا رأوا انهم يحققون انتصاراً سريعاً وان هذه الحرب ضرورية استراتيجياً لحماية مصالحهم. وضمن مثل هذه الظروف يمكن لارتفاع الخسائر البشرية الاميركية ان يزيد من دعم الاميركيين لقيادتهم، وليس اضعاف عزمها». لكن الخبراء يقولون ايضاً ان امكانية قبول الخسائر البشرية تعتمد على عوامل متباينة مثل كيفية وقوع هذه الخسائر، هل في عمليات قتالية ام نتيجة نيران صديقة واخطاء تكتيكية او فيما اذا كانت هذه الخسائر متوقعة ام لا ضمن ظروف معينة. وعن ذلك يقول دانييل غور المحلل العسكري في معهد لكسنغتون الاميركي للدراسات: «الاميركيون مستعدون لدفع الثمن. لكنهم يكرهون ان يعرفوا هذا الثمن بشكل مفاجيء». آخر استقصاء للرأي اجرته مؤسسة غالوب المختصة بهذه العمليات عن هذا الموضوع أفاد ان 56% من الاميركيين يتوقعون ان تكون خسائرهم اقل من عشرة آلاف جندي في حرب ضد العراق فيما قال 30% ان خسائرهم ستقل عن 1000 جندي. لكن فيما قال 95% ان اميركا ستنتصر في هذه الحرب، فإن نصف الاميركيين فقط يقولون ان هذه الحرب تستحق خوضها. ويخشى ثلاثة ارباعهم من تطورها لحرب اوسع مما تريده اميركا. في مثل هذه الظروف يصبح من المفهوم تماماً لماذا تحجم المؤسسات السياسية والعسكرية الأميركية عن الحديث عن الخسائر الاميركية المحتملة يقول جون بايك مدير مؤسسة الامن العالمي الاميركية: «اننا نتحدث عن موضوع لم نتوصل لاجابات مرضية عنه. في السابق كان القرار بالحرب يتضمن دوماً القبول بتضحيات مادية وبشرية. اما الآن فإن قرار الحرب بالنسبة للاميركيين هو قرار بقبول تضحيات مادية فقط وليس الدم. ولهذا اصبح على اميركا من الاسهل اليوم المضي إلى الحرب وهو ما قد يشرح كوننا نقفز إلى الحروب قفزاً خلال السنوات الماضية التي بدأت بحرب الخليج». ومثلما توجد لدى البنتاغون اسبابها لعدم الحديث نهائياً عن توقعاتها للخسائر البشرية الاميركية، فإن لدى الامم المتحدة سبب ايضاً يمنعها من الحديث عن اجرائها سراً لدراسة عن توقعاتها للخسائر البشرية العراقية المدنية في هذه الحرب، والسبب هو حسبما تسرب قبل ايام، ان هذه التوقعات تشير إلى نتائج كارثية وبالتالي لا تستطيع التحدث عنها بضغوط اميركية على الاغلب فهذا من شأنه ايضاً ان يؤثر على الدعم الشعبي والدبلوماسي لغزوها المزمع. يفيد التقرير الذي تسرب جانب منه واعدته لجنة مختصة ان منظمة الصحة العالمية تتوقع ان 500 الف عراقي مدني «سيحتاجون لاسعافات طبية بدرجات متفاوتة نتيجة اصابات مباشرة او غير مباشرة» اذا تعرض العراق لهجوم. وتقدر منظمة الصحة العالمية ان حوالي 100 الف مدني عراقي يمكن ان يصابوا بجروح نتيجة الاعمال العسكرية و400 الف آخرين بالأمراض المعدية نتيجة تدمير المنشآت الصحية والطبية وقطع الامدادات الغذائية. اما صندوق الامم المتحدة للطفولة فيقول في التقرير المتسرب ان «الوضع الغذائى لأكثر من ثلاثة ملايين عراقي سيكون مأساوياً وسيحتاجون لتوفير امدادات غذاء علاجي لهم. وحوالي اربعة اخماس هؤلاء الضحايا سيكونون من الاطفال تحت سن 5 اعوام». اما الباقين فسيكونون من الحوامل والامهات المرضعات». يذكر ان تعداد سكان العراق على الرغم من انه لا يتجاوز 26 مليون نسمة، اي بقدر تعداد سكان افغانستان تقريباً، فإن الوكالات الدولية التي شاركت في التقرير ترى ان اثر حرب في العراق سيكون أسوأ بكثير من اثرها في افغانستان، اذ ان افغانستان في معظمها مجتمع ريفي وبالتالي فإن الناس هناك معتادون منذ زمن طويل على التأقلم مع مثل هذه الظروف واكثر خبرة في تدبر شئونهم. لكن العراق في المقابل يعد نسبياً مجتمعاً حضرياً يعيش معظم ابنائه في المدن، والحكومة فيه مسئولة عن توفير كل الاحتياجات الاساسية للسكان». وحوالي 16 مليون عراقي يعتمدون على «سلة غذائية» تقدمها لهم الحكومة العراقية الآن مجاناً، وتتضمن الاحتياجات الغذائية الاساسية. والقصف المتوقع ان يطال العراق سيدمر شبكات الامدادات هذه، وسيكون على المجتمع الدولي ان يوفر الغذاء من خارج العراق في ظل الحرب. وانقطاع الكهرباء الاكيد خلال الحرب سيترك المدن العراقية بدون مياه شرب لتوقف محطات معالجة المياه التي توفر مياه الشرب لأكثر من 70% من سكان العراق حالياً. كما يفيد التقرير ان 900 الف عراقي على الاقل سيصبحون لاجئين في ايران، اذا اندلعت الحرب. ولم يقدم التقرير اي ارقام عمن سيلجأون إلى سوريا او الاردن او تركيا: هذا اضافة إلى مليوني عراقي سينزحون عن ديارهم في صورة لجوء إلى مناطق اخرى داخل العراق من بينهم مئات الالوف ممن سيكونون مجبرين على النوم في العراء. ويضيف ان 6,3 ملايين عراقي سيحتاجون إلى «ملجأ طواريء». ومع ان الامم المتحدة لم تكن قد تحدثت عن قيامها بمثل هذه الدراسات، الا انها لم تنكر انها قامت باعداد هذا التقرير الذي تسرب لاحدى المنظمات الاميركية المناوئة للحرب ونشرته على موقعها على الانترنت. إعداد: جلال الخليل