السبت 29 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 1 فبراير 2003 تحولت التحذيرات غير المجدية من الخطر الداهم للحرب إلى مسألة روتينية. ومع ذلك تواصل الابيات التي نظمها ماتياس كلوديوس في حياته تجسيد ما يجرى اليوم حيث «ثمة حرب تلوح في الأفق يا ملائكة السماء احمونا، وتكلموا من سوء طالعنا ان ثمة حرباً تلوح في الافق، ومرادي لا يكون لي يد فيها فقط». كثيرة هي اشارات التقدير التي تدعم الاطلالة الاولى في هذه القصيدة التي خلدت عدمية ما تضمنته من تحذير، لذلك ولأنها صمدت بعد معارك عدة، اضعها ببداية تحذيري اما مقطع «تكلموا!» فهو ما اخشاه، لأنه لن يكون مسموعاً. الحرب على الابواب مرة اخرى الحرب على الابواب او انه يهدد بالحرب فقط كي لا تقع الحرب؟ او تعني كلمة «فقط» الحصرية ان التحرك الميداني منذ اسابيع في الخليج والبحر الاحمر للقوات الاميركية والانجليزية والاساطيل الحربية والذي يغذي وسائل الاعلام بمناظر التفوق العسكري، ما هو الا اشارة تهديد بسيطة ستؤدي في نهاية المطاف، وعلى وجه السرعة إلى سقوط الرئيس العراقي أو خروجه إلى المنفى ليموت هناك منسياً؟ يبدو ان الامر ليس كذلك. فهذه الحرب الوشيكة مرغوب بها، في رؤوس من يخططون وفي بورصات جميع القارات وكذلك في محطات التلفزيون. والعدو كهدف معروف ومسمى وإلى جانب اعداء آخرين احتياطيين على قائمة التعريف والتسمية، يعار على سبيل المؤامرة خطر يساوي بين جميع الشكوك. ونحن نعرف الطريقة المتبعة لاكتشاف عدو في حال كان ذلك ضرورياً. وفي الوقت عينه معروف ايضاً ذلك النوع من العاب الحرب التي يصوب فيها إلى جوار الهدف تماماً. ومألوفة لدينا ايضاً تلك العبارات الخاصة بالاضرار والقتلى التي يتعين قبولها كأمور حتمية. كذلك عادي بالنسبة لنا ان يحسبوا ويأسفوا بشكل نسبي فقط على عدد قليل من قتلى القوة العالمية المسيطرة، بينما تبقى جموع الاعداء القتلى لاسيما النساء والاطفال بدون احصاء لأنها ليست جديرة بالالم. هكذا يعدوننا لاعادة الكرة. وهذه المرة يتعين تصويب انظمة الصواريخ إلى جانب الهدف بشكل اكثر دقة. فالحرب التي تهددنا تعتمد اسلوب اختيار المشاهد. ومثلما اصبحنا نعرف وابل المشاهد النظيفة ذات الاخطاء التفصيلية الدقيقة، وكما هي معروفة ايضاً الحقوق التلفزيونية لمحطة معروفة باشاراتها الثلاث، فإننا ننتظر استمرار حرب كمسلسل تلفزيوني، لا تقطعه سوى مساحات تجارية للمستهلكين السلميين. وعلى هامش ذلك يحاول المرء الآن رؤية من يتحرك بشكل نشط او بدون حماس او من يريد فقط ان يكون محدود الحضور في الحرب المقبلة التي وقعت فعلاً. ضد من تشن هذه الحرب التي تبدو وكأنها مجرد تهديد؟ رسمياً يقال انها ضد الرئيس العراقي، لكنه كان في ايام تألقه رفيق سلاح للقوة العالمية الديمقراطية ولحلفائها، اذ شن العراق، كمندوب مسلح بمساعدة الغرب، حربا امتدت ثماني سنوات ضد ايران. لكنه يقال ايضاً ـ وهو امر لم يثبت بعد ـ ان الرئيس العراقي يملك الآن اسلحة تدمير شامل. ويعتبرون ايضاً انه بعد النصر عليه وعلى نظامه، سيتم ادخال الديمقراطية إلى العراق. لكن البلدان المجاورة للعراق والمتحالفة مع الغرب التي تستخدم كقاعدة عسكرية متقدمة له، تسيطر فيها ايضاً انظمة ليست ديمقراطية بالضرورة ترى هل يجب ان تكون هذه البلدان هدفاً للحروب المقبلة سعياً وراء الحرية؟ اعرف ان مثل هذه النوعية من الاسئلة غير مجدية. فغطرسة القوة العالمية تقدم جواباً لجميعها. لكن اي شخص يمكنه معرفة او ادراك ان الامر يتعلق بالنفط. او بالاحرى يتعلق بالنفط مرة اخرى. ذلك ان نسيج النفاق الذي تعودت القوة العظمى الاخيرة وجوقة حلفائها ان يغطوا به مصالحهم أصبح مفضوحاً ويقدم نفسه بلا حياء وكخطر عام على طبق عجرفته الوقحة. رئيس الولايات المتحدة الحالي يجسد تلك الخطورة. لا ادري اذا كانت الامم المتحدة حازمة بما يكفي لمقاومة الاطماع المتركزة في سلطة الولايات المتحدة حيث تنبئني تجربتي ان هذه الحرب سيليها حروب اخرى من تلقاء نفسها. وآمل ان يظهر مواطنو وحكومة بلادي اننا نحن الالمان قد تعلمنا من حروب كانت الخطيئة فيها تقع على عاتقنا، واننا لاجل ذلك نقول «لا» لاستمرار هذا الجنون المسمى حرباً. «ما الذي يتعين علي فعله اذا داهمتني في احلامي المؤلمة والشاحبة والدموية ارواح الموتى من كثرة الضرب وراحت تبكي امامي؟». السؤال يطرحه المقطع الشعري الثاني من قصيدة «أنشودة للحرب» للشاعر ماتياس كلوديوس سؤال لم نجب عليه بطريقة صحيحة حتى اليوم فيما يتعلق بحروبنا والموتى فيها من كثرة الضرب. تلك الحرب القصية الوشيكة التي وقعت فعلاً والتي لم تنته تعود لتوجه لنا السؤال. بقلم: غونتر غراس _ ترجمة :باسل أبو حمدة _ عن «ريبليون» ـ اسبانيا