السبت 29 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 1 فبراير 2003 بعد مرور اقل من عامين على توليها مقاليد الرئاسة في الفلبين، جاءت غلوريا ماكاباغال أرويو لتفاجيء الجميع، ماعدا قلة من المقربين منها بالاعلان عن انها لن تخوض الانتخابات الرئاسية المقبلة عام 2004. وفيما كانت الدموع تنهمر من عينيها ادلت أرويو بتصريحات للصحافيين، مؤخرا قالت فيها انها تعتقد ان خوضها لغمار فترة رئاسة ثانية لن يؤدي الا الى تفاقم حدة التوتر في الوقت الذي يمر الفلبينيون بأخطر أزمة في تاريخهم، واضافت انها تفضل ان تقضي الـ 15 شهرا الاخيرة من مدة رئاستها في محاربة الفساد والقيام باصلاحات اقتصادية حقيقية ودعم الوحدة الوطنية. ولقد اشاد الجميع بقرارها هذا بمن في ذلك اعضاء المعارضة الذين على الرغم من اشادتهم تلك اعربوا عن شكهم في ان هذا القرار يمكن ان يكون بدافع المصلحة الشخصية فلو كانت ارويو على حد تعبير اعضاء المعارضة قادرة على تنظيم البيت الفلبيني ولم الشمل الوطني في وقت يعاني الأرخبيل بكامله حالة من الفوضى، لكانت رشحت نفسها للانتخابات بقوة لاسيما وانها قادرة عى الاعتماد على فريق محترف للغاية من منظمي حملات الانتخابات الرئاسية. ففي عام 1998 لم تجد ارويو التي لاتزال في الخامسة والخمسين من عمرها اي صعوبة في الفوز بمنصب نائبة الرئيس ونالت اصواتا تزيد بمليوني صوت عن جوزيف استرادا الذي فاز بمقعد الرئاسة بفارق كبير من الاصوات عن منافسه في اليوم نفسه الذي شهد فوز ارويو الانتخابي. وفي يناير 2001 حلت ارويو محل استرادا في سدة السلطة في ظروف غريبة احاطها قدر كبير من الجدل فقد انقلب قائد الجيش بشكل فجائي ضد استرادا الذي كانت تدور شائعات كبيرة حول تورطه في اعمال فساد وكان مشهورا باسلوب حياته غير الاخلاقي، وكان يمثل الجانب السييء من الطبقة الفلبينية القوية والمئتي عائلة الرئيسية التي تسيطر على الحياة العامة في الفلبين. وعلى الرغم من ذلك كله فان الانقلاب الذي شنه قادة الجيش ضد الرئيس الفلبيني لم يحظ بتأييد تام من قبل ضباط الصف والجنود بشكل عام واضطرت الحكومة عدة مرات الى ان تنفي شائعات بحدوث اي انقلاب فضلا عن ذلك فان القضاة وجدوا صعوبة في جمع ادلة ضد استرادا لاسيما وانه لم يتقدم باستقالته بشكل رسمي كرئيس للبلاد حتى الآن ولم يؤد اعتقاله الا الى زيادة شعبيته بشكل جزئي. وقد شهد الشهر الماضي بث مقابلة تلفزيونية مع استرادا وهو في السجن، اعرب خلالها والدمع ينهمر من عينيه عن حزنه لما آل اليه وضعه واكد على براءته وهو الامر الذي لايزال يصدقه فيه بشدة عدد كبير من الفلبينيين العاديين. وعلى الرغم من روح الاصرار والعزيمة الكبيرة التي تبديها والقدرات الاقتصادية التي تتمتع بها والدعم الذي تتلقاه من صفوة المجتمع الفلبيني والنفوذ الكبير الذي تمنحه اياها الكنيسة الكاثوليكية، فان ارويو فشلت في تجاوز بعض المشكلات الخطيرة التي تعاني منها الفلبين. اهم هذه المشكلات عدم قدرة الحكومة على تحصيل الضرائب خلال السنوات القليلة الماضية فبينما جاء معدل النمو الاقتصادي الذي يعتبر في حدود 4% مرضيا، فان مستوى العجز في الميزانية وصل الى 5% من الناتج الاجمالي المحلي عام 2002 حيث جاء ضعف ما كان متوقعا وهو الامر الذي هز ثقة المستثمرين وتراجعهم عن السوق الفلبيني. وقد ساعد حدوث سلسلة من الفضائح، بعضها يتعلق بأعضاء في حكومة ارويو على الاضرار بسلطة مجلس الوزراء ذلك المجلس الذي بدأت سلطته فهي التهاوي بالفعل وقد طالت الفضائح والاتهامات زوجها، رجل الاعمال الثري. وقد عزمت ارويو، التي تناصر بشكل مطلق الحرب الاميركية ضد الارهاب على استئصال شأفة من يسمون بالارهابيين في الفلبين وهي تخوض حاليا حربا طاحنة معهم غير ان خرق القانون والنظام لايزال هو مبعث القلق الرئيسي فقد شهدت الفترة الماضية سلسلة من حوادث القتل والاعمال المسلحة وتسوية الخلافات بالقوة. ولا ينحصر الامر في كونه نشاطا اجراميا غير قانوني يقوم به شيوعيون او «متمردون» مسلحون وحسب، فمعدل الجريمة في العاصمة الفلبينية مانيلا ارتفع بمعدل 18% اثناء النصف الاول من العام الماضي، وقد اتهمت ارويو بأنها تميل الى الادلاء بتصريحات مبالغ فيها واتخاذ قرارات توحي بأنها مهتمة بدعم صورتها امام الشعب بدرجة اكثر من اهتمامها بتحقيق نتائج ملموسة. وعلى الرغم من ان الولايات المتحدة ساعدت العام الماضي بشكل عسكري على اعادة النظام والهدوء في مدينة باسيلان وهي المعقل الجنوبي لحركة ابو سياف التمردية، فان المتمردين قاموا منذ التدخل العسكري الاميركي بالارتداد الى الجزيرة المجاورة جولو لممارسة انشطتهم ولاشك ان عملية اجلائهم من جولو تعتبر امراً بالغ الصعوبة. وسوف تبدأ الشهر المقبل مناورات عسكرية مشتركة بين الفلبين والأميركيين في الشطر الجنوبي، المسلم، من الارخبيل الفلبيني. ويمكن أن تستمر هذه المناورات عاماً، وهو الأمر الذي يمكن ان يعطي الانطباع بأنه بعد غياب 10 أعوام، فإن الجيش الأميركي سيعود ليكون له وجود دائم في الفلبين. ويعتبر هذا الموقف غاية في الصعوبة حتى على أي رئيس منتخب يكون عليه التعامل مع سلسلة الصعوبات الحالية. ولاشك بأن المسألة معقدة للغاية بالنسبة لأرويو التي لايزال مدى شرعية شغلها لمنصب الرئيس محل شك في بعض الدوائر الفلبينية. ومن اغلب الأحوال تتمنى أرويو ان تمنح الآن سلطة كاملة لإدارة البلاد، حيث لايقدر أن يتهمها احد الآن بأنها تسعى وراء طموحات رئاسية شخصية وذلك بعد ان اعلنت عزمها على عدم الترشيح للانتخابات المقبلة. ويتضمن برنامجها في الفترة المقبلة استئناف المحادثات مع المتمردين الشيوعيين واتمام المفاوضات مع جبهة مورو للتحرير الإسلامي، وهي إحدى الحركات الإسلامية المسلحة. وفيما يتعلق بالساحة الاقتصادية، فقد اعلنت أرويو عن خطة تتكون من ثماني نقاط في السابع من يناير الماضي تهدف إلى إضفاء مزيد من الفعالية على عملية جمع الضرائب. ولكن مع تسارع خطى الحملة الانتخابية الرئاسية نتيجة اعلان أرويو عن عدم عزمها على ترشيح نفسها لخوضها فإنه من المحتمل أن يضعف موقف السياسيين الذين يبدون استعداداً لدعم البرنامج الاصلاحي الذي اقترحته أرويو لاسيما إذا كان هذا البرنامج لا يتمتع بدعم شعبي كبير. وفي مناخ سياسي تبدو الشخصية أكثر تأثيراً من السياسات المتبعة، فإن المشاركين في اللعبة السياسية سوف يبدأون قريباً البحث عن دعم الشخص الفائز وسوف ينجم عن ذلك تشكيل تحالفات. وبدلاً من اختيار التنحي عن سدة الرئاسة في نهاية المدة، فإن أرويو يمكن ان تقرر التنحي الآن، وتعطي الفرصة بذلك لاجراء انتخابات مبكرة تؤدي إلى بروز خلف لها منتخب بشكل سليم يمكنه التعامل مع الموقف. وفي هذه الحالة سوف تثبت أرويو ان تضحيتها الذاتية في سبيل مصلحة البلاد أمر حقيقي، وليس مزيفاً. ولأن حدوث مثل تلك الامكانية اضحى مستبعدا الآن، فإن هناك خطراً جسيما يتمثل في امكانية ان تنزلق الفلبين نحو فترة طويلة من الشلل. والشهرة التي تتمتع بها أرويو والتي منحت لها في بعض الأحوال لقب «المرأة الحديدية» بدأت بالفعل في الانهيار خلال الاشهر القليلة الماضية. وإذا تخلى عنها حلفاؤها في البرلمان الآن، فكيف يمكنها تمرير تلك الاصلاحات الجزرية التي تحتاجها البلاد؟ وإذا عجزت بالفعل عن تمرير تلك الاصلاحات، فإن السلبية التي عليها المؤسسات الحكومية سوف تزداد وسوف تتفاقم الفجوات والانقسامات الاجتماعية التي كانت أرويو تعتزم علاجها، الأمر الذي سوف يشكل مأزقاً اضافيا كان شعب الفلبين في غنى عنه. عن «لوموند»