الجمعة 28 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 31 يناير 2003 عند مشاهدة خلايا النحل وأوكار النمل، تبدو سطحيا مجتمعات مثالية تنمو من اجل مصلحة الجميع من اعضائها، غير ان الحفاظ على هذا النظام الاجتماعي الجيد يحتاج الى اساليب وحشية احيانا. المعروف ان القتل والتعذيب والاعتقال من ادوات الانظمة الديكتاتورية القمعية، لكنها لا تقتصر على المجتمعات البشرية. فقد اتقنت ممالك الحشرات نظام الدولة البوليسية قبل الانسان بزمان. مثلا الحشرات الشغالة (العاملة) في ممالك النحل والنمل واليعسوب تقدم انتاجها كله من اجل ازدهار الملكية. كذلك النحلة المحاربة، تضحي بنفسها عن طريق لدغ اي عدو تلاحظ انه على وشك الهجوم على المملكة، من اجل حماية الاخرين، هذا النوع من انكار الذات يحير علماء الطبيعة والاحياء. وقد علم الباحثون الان ان الحشرات الشغالة تحصل على تطورها من علاقتها بالمملكة فالشغالة هم من ابناء الملكة وبناتها ويشاركوها كثيراً من صفاتها الوراثية، وهي تحافظ على هذا الميراث عن طريق الاخلاص في خدمة المجتمع. لكنه في اي مجتمع اخر من الممكن تحقيق الازدهار بكسر القواعد. النحلات الشغالة تضع بيضها، لكن هذا يعتبر ضد مصلحة الملكية لان هذا يجعلهن نقيضا لبقية الشغالة. وقد اثبت فرانسيس راتنيكس عالم الأحياء في الثمانينيات ان النحلات الشغالة تقوم بعمل الشرطة وتقوم بالتغذي على بعض الشغالة غير المطيعة ولكن هذه آليه يحل بها مجتمع النحل مشكلاته، كما يقول راتنيكس الذي يعتبر افضل مثال على حل النزاعات في الطبيعة. واكل بيض الشغالة غير المطيعة يشيع في كل فصائل النحل، بل وبين بعض انواع اليعسوب، والنمل، وقد يكون شائعا بين حشرات اخرى. لكن خدمة الشرطة تنهار احيانا وتتحول المستعمرات الى فوضى، حيث تبدأ الشغالة في التكاثر بأعداد كبيرة وتنتشر انواع من الفطريات التي تعيش على خلايا النحل وتدمر المستعمرات بالقضاء على قوات الشرطة. ويأمل الباحثون في علم الاحياء ان تؤدي دراسة المواجهة بين الشمولية والملكية لجعلهم يفهمون بشكل افضل التوازن بين التعاون والانانية من المورثات، وبالتالي التطبيق على المجتمعات البشرية. لقد تطورت الانظمة الاجتماعية اكثر من عشر مرات في انواع من النحل واليعسوب والنمل. وقد يرجع ذلك الى طريقة تحديد النوع. في النحل غالبا ما يؤدي التكاثر الى انتاج الاناث التي يوجد لديها نظام وراثي مزدوج، مثل النوعين في الانسان، لكن الذكور في هذا النوع من النحل تولده من بيض غير مخصب، وتحمل نظاماً وراثياً فردياً فقط. وتتماثل المادة المنوية من هذه الذكور وهذا يختلف عن الانواع الاخرى من الحيوانات التي تحتوي اباؤها على نظامين وراثيين تضعها في الجنين، مما يعطي الفرصة لاحتمالات وراثية مفتوحة، اي انتاج ذكور أو اناث. الاخوة والاخوات في البشر يشتركون في نصف مورثاتهم بالانتماء للأبوين نفسهما، ومورثاتهم هي نفس التي توجد لدى الابوين. لكن هذا النوع من النحل له نظام عائلي مختلف، فالمورثات غير متكافئة بين الابوين والابناء وبين الابناء ذاتهم. هذا النظام يمكن الانثى من متابعة مورثاتها بشكل أكثر فاعلية عن طريق اعالة اخواتها بدلاً من احالة ابنائها ويفسر ذلك عدم تكاثر الاناث في هذا النوع من النحل، فلن يحققن اي مكاسب من تربية واعالة ابنائهن أو بناتهن ولا تستطيع الشغالة في كثير من الانواع ان تتكاثر وفي نحل العسل تستغل الملكة رعاياها بالتواصل من اجل التكاثر مع اكثر من 20 ذكرا وبالتالي تلجأ الشغالة الى انصاف الاخوة وتضع بيضا غير مخصب لانتاج الذكور، وتصبح هذه الذكور ايضاً ابناء الاخوات، والنتيجة ظهور شغالة من الشرطة التي تقوم بحفظ النظام في الخلية. وعلى رأس النظام الامني في الخلية تأتي الملكة التي تفرز فرمونات تجعل الشغالة تمارس هذا العمل القمعي ويؤدي هذا الفرمون الى وقف عمل الشغالة الموالية لتكون وظيفتها الوحيدة حفظ النظام. ويصل عدد الشغالات التي تعمل مبايضها الى ثلاثة فقط بين كل 30 الفاً وبالتالي لاتضع هذه الشغالات الا بيضا غير مخصب لانتاج الذكور، من البيض الذي ينبغي بعد ان تأكل الشرطة معظمه. كما تكشف الشغالات الشرطة زميلاتها اذا حاولت كسر القواعد، وتصبح عدوانية جدا مع الشغالات ذات المبايض التي تعمل. وهكذا يصبح نحل العسل هو اكثر الممالك البوليسية تقدماً بين الحشرات.