الخميس 27 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 30 يناير 2003 قبل قرابة الثلاثة أعوام قام مخرج الافلام الوثائقية انغوس مكوين برحلة الى الوراء في الزمن. فخلال تجواله بالسيارة في المناطق النائية بشمال رومانيا وجد نفسه في مجتمعات تذكر بأجواء أعمال الروائي الانجليزي توماس هاردي الذي عاش في القرن التاسع عشر واوائل القرن العشرين. وفي قرية بودستي، على سبيل المثال، ثمة اشياء لم تتغير قط في ذلك العصر، شاهد مكوين عربات تجرها خيول على طرقات وعرة، ومناجل تعول في الارض في وقت الحصاد. القوة في بودستي الآن، كما كانت دائما تكمن في ايدي العائلات التي تملك ماكينة الدراسة او الطاحونة المائية، الرجال يبنون منازلهم بأنفسهم يربون مواشيهم ليشربوا من حليبها ويأكلوا من لحمها. وهم يتحدثون بتوجس عن السحرة والارواح الشريرة. لقد بدا المشهد وكأن القرن العشرين لم يبدأ أبدا. أمضى مكوين مع مرافقه المصور روجر تشابمان معظم السنة التالية ونصف التي تليها في بودستي مسجلات بتفاصيل رثائية طريفة عيش رعوية كانت في يوم من الايام تشكل اساس الحياة الأوروبية، وستختفي كليا من اوروبا خلال جيل واحد. وكانت نتيجة هذا العمل الدؤوب ثلاثة افلام وثائقية يتفحص كل منها التوترات داخل عائلة بعينها في اطار يؤرخ بصورة بديعة للواقع الراهن في القارة الاوروبية، الذي طغت فيه سطوة الرأسمالية المدنية على كافة طرق العيش البديلة. واكتشفت مكوين ان قرية بودستي، التي قاومت الشيوعية طيلة نصف قرن، وقاومت العالم الخارجي على مدار تاريخها استسلمت تقريبا خلال عقد واحد من الديمقراطية لاغراء آمال وأحلام المجتمع الاستهلاكي. ويلوذ شباب القرية الآن الى تخيل الحياة في مكان آخر في باريس او لندن، انهم وجوه بعيون متألقة في موجة من المهاجرين الاقتصاديين الذين ترنو عيونهم الى الغرب. ولقد ارتحل المخرج البريطاني مكوين ليتفحص القصة الانسانية لهذه الهجرة من الطرف الاخر للمنظار. والحكايات التي ازاح الستار عنها ربما تبدو كأنها تنتمي لعالم آخر، لكنها حكايات اشخاص يشقون طريقهم الى بريطانيا وغيرها من البلدان أوروبا الغربية ليحفروا في الحدائق وينظفوا حمامات المنازل ويبنوا المنازل ويعتنوا بأطفال العائلات المترفة. وفي فيلم «اخر القرويين» يسلط مكوين الضوء على اختلاف كل من هذين العالمين المنفصلين في مقاربته للزمن وفكرة تقدم نمط الحياة. ويشير الى ان اهالي بودستي كانوا يعيشون تقليديا حياة موسمية دائرية لا يتخللها هاجس تجربة التقدم. وفجأة من خلال التلفزيون والاعلانات التجارية وجدوا انفسهم امام نهج الحياة الافقية الطموحة في الغرب، الذي يوقن الفرد فيه في قرارة نفسه بأن عليه كسب المزيد من المال من اجل ان يتغير ويتقدم» ويتجلى عدم انسجام هاتين الفلسفتين في قرية بودستي في انفصال الابناء عن الاباء والازواج عن الزوجات. ايون داميان يمثل هذا المزاج العام من القلق والضجر في القرية فشقيقه بيترو استطاع بطريقة أو بأخرى ان يشق طريقه الى دبلن، حيث يعمل ليلا ونهارا في تلميع ارضيات المحلات التجارية ويرسل الكثير من المال والهدايا الى عائلته والى زوجته التي لم تستطع ان تصل الى ابعد من باريس حيث يعيش هناك مع طفلهما الوحيد. وفي منظور معظم الغربيين، فان بيترو هجر مواطنه الريفي البديع حيث المسرة والسكينة والنعيم ليعيش في اقذر الاحياء على هامش مدينة بعيدة. لكن في نظر عائلته، فهو بطل بقدر ما استطاع ان يجمع من مال باليورو. يقسم آيون لزوجته وأولاده: «انني سأصل الى هناك في النهاية، مهما كلف الامر، وبأي طريقة كانت، سأصل الى الغرب في النهاية» ويتابع الفيلم خطى آيون وهو يحاول ان يبر بقسمه، متعلقا في الجانب السفلي لقطار في رحلة تستمر خمس ساعات الى فيينا، ومستخدما وثائق ضرورية للسفر من هناك الى باريس عبر دبلن. لكن آيون يعتقل في القطار ويسجى ويجبر على العودة الى الوطن، ليحاول من جديد. ولتسجيل هذه الرحلة الملحمية القاسية، تنكر مكوين ومساعدته المنتجة على هيئة عريسين في شهر العسل على القطار الأوروبي وراح يلتقط الاحداث بكاميرته المحمولة دون ان يلفت الانتباه للموضوع الحقيقي لفيلمه. ويعتقد مكون ان كل قطار يعبر اوروبا الآن يحمل على متنه شخصا او اكثر من امثال ايون، المعادلة بالنسبة لأهالي بودستي بسيطة: «نحن في الغرب اثرياء اكثر من اللازم وهم فقراء اكثر من اللازم، وليس هناك من طريقة اخرى لسد هذه الهوة». ويقول المسألة البسيطة المطلقة التي يجب على الغرب التعامل معها يعبر عنها آيون حين يقول: «سوف نصل الى هناك في النهاية، والسؤال بالنسبة لنا هو ماذا سنفعل عندها لقد امتلكت الحكومة البريطانية احيانا الشجاعة الكافية للقول ان بريطانيا تعتمد على كدح هؤلاء الناس، لكنها في احيان كثيرة بدت مترددة وخائفة من الاعتراف بهذه الحقيقة. وبالنسبة لمكوين يمثل الفيلم الوثائقي «اخر القرويين» جزءا من تنقيب متواصل في الاتجاه الاخر، شرقا، ولقد اشتعلت شرارة هذه الروح الاستكشافية في داخله في صباه عندما شاهد فيلما وثائقيا مثيرا عن الاضطرابات في بولندا. ويقول انه لا يتذكر الآن سوى لمحطات وجيزة في الفيلم لكن الشعور بأهمية وغرابة تلك الأماكن لازمته الى الكبر. ولقد امضى مكوين جزءا كبيرا في العشرين سنة الماضية، مقتربا قدر الامكان من التغيرات في أوروبا الشرقية. وكانت النتيجة سلسلتين، وثائقيتين ملحميتين لمحطة «بي بي سي» موت يوغسلافيا و«غولاغ» اضافة الى افلام وثائقية رائعة مثل «الرقص للدولارات» الذي يصف موسم فرقة باليه بولشوي الروسية العريقة في لاس فيجاس وفيلم «فودكا» الذي يأخذ المشاهد في رحلة رومانية داخل النفس الروسية. انها جملة اعمال تقارن بالصور الفوتوغرافية التي التقطها جوزيف كوديلكا وصحافة نيل اشرسون وادب جون بيرغر، في اضفاء مسحة انسانية على فهمنا للتغيرات التي اصابت تلك الشعوب التي تعيش على هامش القارة الأوروبية. علي محمد