الخميس 27 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 30 يناير 2003 كيف تستجيب الأرض لو جاءت مركبة فضائية من الكواكب الاخرى فجأة فاقتلعت الشمس من مركز المنظومة الشمسية؟ نحن نعلم ان السماء ستظلم بعد 3,8 دقائق، وهو الوقت الذي يستغرقه الضوء في الوصول من الشمس إلى الارض. ولكن ماذا عن قوى الجاذبية الخاصة بالشمس؟ يفترض معظم العلماء ان الجاذبية تسير هي الاخرى بسرعة الضوء. ولهذا، فإن الارض ستظل في مدارها لمدة 3,8 دقائق ثم بعد ان تختفي قوة الجاذبية ستنطلق إلى الفضاء بخط مستقيم. وهذا الافتراض كامن في النظرية النسبية العامة، التي وضعها اينشتاين في عام 1915، ولا تزال افضل النظريات المتعلقة بالمتصل الرباعي الابعاد الناشيء عن اندماج الزمان بالابعاد الثلاثة. ولكنها لاتتعدى كونها فرضية فهي لم تختبر على الاطلاق. والأسوأ من ذلك هو ان هذه الفرضية قد خضعت لضغط من الاهتمام الحديث فيما يوصف بـ «عوالم السطوح الافتراضية». وتعتبر هذه النظريات نوعاً من نظرية الاوتار التي تتصور وجود ابعاد فضائية اضافية علاوة على البعد الزماني ـ المكاني الذي توجد فيه المادة العادية. وفي هذه النظريات، فإن الابعاد الاضافية يتم طيها بحيث تصبح صغيرة للغاية. ويمكن للجاذبية ان تأخذ طريقاً مختصرة عبر هذه الابعاد، بينما يكون الضوء محصوراً بعالم المادة العادية والمعروف باسم «السطح الرئيسي». واذا كانت الامور تسير على هذا النحو، فإن موجات الجاذبية قد يتبين انها تسير بسرعة اكبر من سرعة الضوء في عالمنا ومع ذلك فإنها لا تخرق معادلات النظرية النسبية العامة. وبالتالي، فإن تحديد سرعة الجاذبية من شأنه ان يقدم دليلاً مهماً حول وجود وانضغاط هذه الابعاد، ويساعد في وضع بعض من عوالم السطوح الافتراضية النظرية المتنافسة تحت الاختبار. وفي العام الماضي استغل عالم الفيزياء سيرجي كويكين والعالم الفلكي ايد فومالونت الفرصة التي سنحت عندما مر كوك المشتري في الثامن من سبتمبر 2002 من امام شبه نجم راديوي ساطع. وكانت خطتهم تقضي باستخدام اقوى مجموعة من التليسكوبات الراديوية العابرة للقارات في العالم لقياس التغير الواضح في موقع «شبه النجم» وبالتالي تحديد سرعة الجاذبية. كان معظم علماء الفيزياء يعتقدون ان سرعة الجاذبية تظهر نفسها فقط في انتشار موجات الجاذبية عبر الفضاء. وحيث انه لم يقم احد من قبل ولو حتى بالتقاط موجات الجاذبية فإن قياس سرعة انتقالها لم يكن مطروحاً أبداً. غير ان كوبيكين ادرك ان نظرية اينشتاين يمكن اعادة صياغتها بطريقة تجعل الجاذبية مشابهة للاشعاع الكهرومغناطيسي. ولقد عرف علماء الفيزياء منذ اكثر من قرن ان شحنة تتحرك بانتظام تولد حقلاً كهربائياً ومغناطيسياً ثابتاً تعتمد قوته على قوة الشحنة وسرعتها وسرعة الضوء. ويعبر عن هذه العلاقة بما هو معروف لكل فيزيائي بمعادلات ماكسويل. وهذا يعني بصورة اساسية انه بالامكان حساب سرعة الضوء من قياس الحقل الكهربائي والمغناطيسي لشحنة متحركة بدون الحاجة لتتبع الموجات الكهرومغناطيسية مباشرة. وفي عام 2000 قام كوبيكين بمقارنة مدار المشتري للاعوام الثلاثين المقبلة بكتالوجات لمصادر راديوية مناسبة. وان الاقتراب عن كثب بين المشتري ومصدر راديوي هو حدث نادر ولا يحدث الا مرة واحدة كل عقد من الزمان. وكان الاختبار الحقيقي لنظرية كوبيكين في مرور المشتري قريباً من شبه النجم الراديوي القوي. ومن اجل القيام بالعمل بصورة صحيحة، كان كوبيكين يبحث عن شخص يساعده في عمله، فاهتدى إلى فومالونت، الذي كان قبل 20 عاماً عضواً في فريق كان يقوم بأخذ قياسات دقيقة لانحناء الموجات الراديوية لدى مرورها بالقرب من الشمس. وكان نوع الخبرة التي يملكها فومالونت هو المطلوب بالضبط لانهاء التجربة. قرر العالمان ان افضل طريقة لمراقبة تغير موقع شبه النجم هي من خلال استخدام مجموعة من التليسكوبات الراديوية القوية. وقد وجدا ضالتيهما في المرصد الفلكي الراديوي الوطني الاميركي، المؤلف من سلسلة من التليسكوبات الراديوية التي يصل عددها الاجمالي إلى 10. ويبلغ قطر كل واحد منها 25 متراً، وتمتد في تغطيتها من سانت كرويكس في الجزر العذراء الاميركية في الشرق إلى موناكيا في هاواي في الغرب. واضاف لهذه التليسكوبات ايضاً التليسكوب الراديوي في ايفلسبرغ بالمانيا والذي يبلغ قطره 100 متر، مما منحهما مجموعة من التليسكوبات امتدت على اكثر من 10 آلاف كيلو متر. وهذا من شأنه ان يحدد موقع شبه النجم بدقة تصل إلى 10 اجزاء في المليون من الثانية او حوالي خمسة اجزاء في المليار من قطر القمر المكتمل. وهذه درجة وضوح ودقة تفوق بثلاث مرات ما توصل اليه احد من قبل، ومع ذلك فإنها الحد الادنى المطلوب لتحديد ما اذا كانت جاذبية المشتري تصل إلى الارض على الفور بانتقالها بسرعة لا متناهية او تستغرق وقتاً محدداً في رحلتها. ومن خلال تحليل البيانات التي جمعتها التليسكوبات قبل اقتراب المشتري من شبه النجم وبعد مروره من امامه في الثامن من سبتمبر الماضي، استطاع العالمان ولاول مرة ان يحسبا سرعة الجاذبية. وكانت النتيجة التي توصلا اليها هي ان الجاذبية تسير بسرعة الضوء بما يتفق مع نظرية النسبية لاينشتاين. ضرار عمير