الاربعاء 26 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 29 يناير 2003 أي ديمقراطية هذه اذا كان نصف مواطني إسرائيل لا يتمتعون بها؟ هل يمكن اعتبار أي دولة ديمقراطية في الوقت الذي تعيش قطاعات كبيرة من سكانها في ظل نظام عسكري أو مجردة من حقوقها في المواطنة؟ هل توجد ديمقراطية من دون مساواة ومع احتلال مديد ومع عمال أجانب مجردين من الحقوق؟ وماذا عن العنصرية؟ العاصفة التي أثيرت حول التسريب من النيابة العامة، والتحقيق مع الصحفي باروخ قرا كانا مبررين. ونفس الامر يقال بصدد التصدعات الاخرى التي ظهرت في النظام السائد في البلاد. التحقيق مع الصحفي باروخ قرا في الشرطة كان مؤشرا يحمل نذر الشؤم اذ ان انقضاض المحامية ليئورة غلت بركوفيتش مع صرخة «هبوا عليهم» حمل في طياته جوا من الارهاب. أما تصرف المستشار القضائي للحكومة فقد كان مخزيا. لا يتوجب الاستخفاف بهذه الامور، ولكن يحظر ان ننسى ان البناء كله ضعيف من أساسه. منذ ان تحولت إسرائيل الى دولة احتلالية لم تعد ديمقراطية مرة اخرى. وليس هناك امر كهذا. التدهور في الديمقراطية هو عرض وهمي ذلك لانه لا يوجد شيء اسمه نصف ديمقراطية مثلما لا يوجد شيء اسمه نصف حمل. لا توجد ديمقراطية تقوم حتى خط اقليمي حدودي معين في داخل دولة، ولا توجد ديمقراطية مقصورة فقط على أبناء ديانة معينة أو قومية بعينها. الديمقراطية هي نظام يتمتع الجميع منه بدرجة متساوية من حرياته وحقوقه. وهذا ليس حال إسرائيل.أكثر من عشرة ملايين شخص يعيشون اليوم بين البحر والنهر في الدولة وفي المناطق التي تحتلها. الفصل بين مناطق الاحتلال والدولة وهمي: إسرائيل تعيش مع الاحتلال لسنوات طويلة أكثر مما عاشت من دونه، والمناطق هي جزء لا يتجزأ منها مع كل ما يترتب على ذلك. حوالي 5,3 ملايين فلسطيني يعيشون منذ عشرات السنين تحت حكم عسكري قاس ومتشدد، وهؤلاء لا يمكن ان يسموا أحرارا بالتأكيد. وهناك ايضا 300 ـ 400 ألف عامل أجنبي يعيشون في صفوفنا وهم ايضا بلا حقوق. هؤلاء ايضا ليسوا جزءاً من الديمقراطية.لا يستطيع أحد ايضا ان يدعي بجدية ان الـ 3,1 مليون عربي في إسرائيل هم مواطنون متساوون في الحقوق. فعدا عن حق الانتخاب وحق الترشيح ـ الذي أوشكنا على انتزاعه من بعضم مثليهم ـ لا يوجد مجال تقريبا يتمتعون بالديمقراطية فيه. المواطنون العرب مضطهدون في كل مجالات الحياة وهم مستبعدون من الحوار الديمقراطي. واحدى صحفهم أغلقت لمدة عامين، وهناك تهديد باخراج حركة جماهيرية عندهم خارج القانون، وهذه ايضا مسألة يصعب ان نسميها ديمقراطية.حتى ان جزءاً من المهاجرين الجدد لا يشاركون في الديمقراطية: الجندي الإسرائيلي ميخائيل غوركين لا يستطيع الحصول على جنسية إسرائيلية، والسبب هو فقط انه غير يهودي. والمهاجرة من اثيوبيا، يسرائيلا ايششم لا تستطيع ان تدعو والدها لزيارة إسرائيل لحضور زفافها بعد ان تبين ان هناك شكا في يهوديتها. والنظام الذي يتعامل مع رعاياه بهذه الطريقة لا يمكن ان يسمى ديمقراطيا. ماذا تبقى؟ تبقت الديمقراطية لسكان إسرائيل اليهود فقط (الذين تم التأكد من يهوديتهم). وهؤلاء لا يزيدون على 5,3 ملايين نسمة وهم نصف العشرة ملايين ونصف الذين يعيشون هنا. هؤلاء يتمتعون من سلطة القانون وحرية التعبير والفصل بين السلطات والحريات المدنية والمساواة أمام القانون ومن جهاز قضائي نزيه وصادق. وفي هذه الديمقراطية برزت في الآونة الاخيرة بعض التصدعات. سلطة القانون اخترقت قضايا الفساد وطريقة معالجتها تثير اسئلة صعبة، فالسلطة تحاول ارهاب الصحافة وإخافتها، والعدالة الاجتماعية أصبحت من ورائنا، وكذا الحال مع المساواة التي يصعب ان تكون كاملة. يتوجب مكافحة هذه الأوبئة بكل جرأة وإقدام. ولكن يتوجب ايضا التوقف عن التظاهر المخادع الزائف قبل كل شيء: نحن لسنا ديمقراطيين. ليس من الممكن ان تكون محتلا وديمقراطيا ومستغلا وعنصريا وحضاريا في آن واحد. هذا تناقض لا يمكن حله، وحتى اذا أُعيد النظام الى مساره الطبيعي ولم يتنكر المستشار القضائي لدوره مرة اخرى، والمحكمة العليا أصبحت مكبرا للعدالة، والكنيست أخذت تسن قوانين عادلة فقط، والحكومة حكمت حسب القانون ولا غير القانون، فلن يستوفي ذلك الشروط الأساسية للديمقراطية في إسرائيل. بقلم: جدعون ليفي _ عن «هآرتس»