الثلاثاء 25 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 28 يناير 2003 ثمة حالة غريبة من تكرار التاريخ لنفسه في كوريا الشمالية، فقبل نحو تسع سنوات، طرد الرئيس كيم ايل سونغ المفتشين العالميين وهدد بتصنيع مادة البلوتونيوم في مفاعل يونغبيان النووي، وكانت ادارة الرئيس الأميركي بيل كلينتون حينها قد ابت ان تتفاوض مع ذلك البلد، ووضعت نصب عينيها امكانية الشروع في هجوم عسكري من أجل تدمير ذلك المفاعل، وارادت ان يفرض مجلس الامن الدولي عقوبات اقتصادية على كوريا. وكان واضحا ان الجيشين الاميركي والكوري الجنوبي قادران على تحقيق النصر، لكن على حساب أعداد هائلة من الضحايا، ذلك ان كوريا الشمالية كانت تعتمد على قوات مشاة هائلة العدد. وكما هي الحال في الوقت الراهن، ركزت كوريا الشمالية، الامة المعزولة والتي تعاني من مشكلات اقتصادية جسيمة، اهتمامها على حل خلافات أساسية مع الولايات المتحدة،. حيث طالب الكوريون الشماليون، المرتابون الى الحد الاقصى، وربما الى درجة الاستحواذ بضمانات تكفل عدم شن هجوم نووي ضدهم، وان تعطى لهم الفرصة لتطبيع العلاقات الثنائية. بدعوة من سونغ وبموافقة البيت الأبيض، ذهبت الى بيونغ يانغ، وتفاوضت مباشرة مع الرجل المعروف بـ «القائد العظيم» الذي وافق حينها على تعليق العمليات النووية في مفاعل يونغبيان والسماح بأن يقوم مفتشون دوليون بمراقبة الاتفاق. وفي المقابل، تعهدت الولايات المتحدة بعدم استخدام أسلحة نووية ضد كوريا الشمالية وببناء مفاعلين نوويين حديثين ليحلا مكان منشأة «يونغبيان» بينما تقدم الولايات المتحدة امدادات نفطية شهرية لكوريا الشمالية لمساعدتها على التزود بالطاقة الكهربائية. لكن موت كيم ايل سونغ، الذي خلفه ابنه، تداخل مع البرنامج الذي كنا قد وصلنا اليه، مع ان هذه المقترحات كانت مثبتة رسميا في «اتفاق ماركو» الذي ادرجت فيه كوريا الجنوبية واليابان ايضا. اراد كيم ايل سونغ مناقشة مسائل على المدى الطويل، بهدف تطبيع العلاقات بين الكوريتين والولايات المتحدة. ووافق على عقد قمة فورية مع رئيس كوريا الجنوبية، بهدف تناول مسألة الزيارات عبر الحدود بين العائلات الكورية وكذلك تثبيت مبادئ عامة مقرة عام 1992متعلقة باعادة التوحيد. وعلى الرغم من انه لم يتم بناء المفاعلين النوويين، في نهاية المطاف، الا ان الأمر المؤكد هو حدوث تقدم في العلاقات بين كوريا الشمالية والولايات المتحدة، كما تبين النقاشات الناجحة التي اجرتها في بيونغ يانغ وزيرة الخارجية الأميركية حينها مادلين أولبرايت. مع ذلك، تسببت الادارة الحالية للرئيس جورج بوش باحداث تغيير في العلاقات مع الكوريتين. وجاء رفض سياسة الانفتاح والمصالح التي انتهجها رئيس كوريا الجنوبية كيم داي هونغ، صاحب جائزة نوبل للسلام، والاعلان عن ان كوريا الشمالية الى جانب العراق وايران تشكل جزءا من «محور الشر» والتصريحات العلنية بأن « القائد العظيم» الجديد شخص منبوذ واعتباره حيوانا «بيجمو» ترك شعبه يموت جوعا عن قصد وأن الولايات المتحدة على استعداد لخوض حربين اقليميتين في وقت واحد وان نظامنا الخاص بمنظومة الدفاع الصاروخي يشكل درعا ضد كوريا الشمالية ـ جاء كل ذلك ليتسبب في اقناع الكوريين الشماليين بأنهم هم الهدف التالي، بعد العراق، في قائمة الأمم المزمع مهاجمتها من قبل واشنطن. وأمام وضوح ان بيونغ يانغ راحت تمتلك اليورانيوم المخصب، الامر الذي مثل انتهاكا مباشرا لـ «اتفاق ماركو» أعلن الرئيس بوش انه لن تجرى مباحثات مع كوريا الشمالية الا بعد ان تتخلى بشكل نهائي عن برنامجها للاسلحة النووية، وعلقت الارساليات الشهرية للنفط في الحال. وقام الكوريون الشماليون مجددا بطرد المفتشين الدوليين وأعلنوا انسحابهم من معاهدة عدم انتشار الاسلحة النووية، واشاروا الى انهم يحسون بأنهم ليسوا مجبرين على احترام المعاهدة التي تحظر تجارب الصواريخ البالستية. وهذا الامر يتعلق بتهديد خطير للسلام الاقليمي والعالمي. ومع ان كوريا الشمالية قدمت مدخلا للمفتشين الأميركيين على منشآتها النووية ليتأكدوا من انها لا تطور أسلحة، الا دراسة عالمية مستفيضة هي الوحيدة القادرة على تحديد ما اذا كانوا قد قرروا تطوير ترسانة نووية او انهم فقط يستخدمون التهديدات كتكتيك من اجل تحريك اتفاقات مع حكومة الولايات المتحدة.من الواضح ان المجتمع الدولي ليس بوسعه السماح للكوريين الشماليين بتطوير ترسانة نووية، حيث من الضروري بمكان اقناعهم بأنهم سيكونون متيقنين اكثر بدون اسلحة نووية وبأنه من الممكن بناء علاقات اقتصادية مع الولايات المتحدة.ان السياسات النووية المعلنة من جانب كوريا الشمالية وعدول الولايات المتحدة عن البدء بحوار مباشر يتناقض مع المصالح الكونية. فكلا الطرفين يتعين عليه الحفاظ على كرامته وخاصة اذا تدهور الوضع بطريقة خطرة.ومن أجل ايجاد مخرج من هذه الورطة من الضروري تنظيم نوع من الحوار تدعو اليه روسيا او الصين، يكون ممكنا ان تحل من خلاله هذه الخلافات.ويمكن اعادة التأكيد على مبادئ «اتفاق ماركو» لعام 1994، فكوريا الشمالية ستظل ملتزمة باتفاق عدم انتشار الاسلحة النووية للخطر، بصورة كاملة وثابتة، طالما ان الولايات المتحدة تعلن عن موقف راسخ بعدم الاعتداء على كوريا الشمالية وطالما تكون الاتفاقات محترمة. بهذا الشكل ربما يكون من الممكن تطبيق مقترحات اكثر واقعية ومناقشة مع القيادة الكورية الشمالية والتوصل الى سلام دائم بين الكوريتين. بقلم: جيمي كارتر _ ترجمة: باسل أبو حمدة عن «إل يونيفرسال» ـ المكسيك