الثلاثاء 25 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 28 يناير 2003 تبدو بعيدة اليوم تلك الايام المشهودة التي رافقت انهيار الدكتاتوريات الشيوعية ومعها انهيار جدار برلين، وكذلك ابتعدت في الذاكرة ليالي اغسطس 1991 التي شهدت ترنح الاتحاد السوفييتي نفسه قبل زواله نهائياً في ديسمبر من العام نفسه.ضمن هذا السياق تعالت بعض الاصوات من اميركا ومنها صوت «فرانسيس فوكوياما» تطمئمننا «بأننا نعيش الآن نهاية التاريخ». وذلك في عالم تصالح اخيراً مع نفسه وسيعم السلام والتفاهم ونسيان نزاعات الماضي. وهذا يعني ايضاً ان نطوي الخطط الدفاعية ومشروعات التسلح التي عمت اثناء فترة «الحرب الباردة» الاخيرة التي استمرت اكثر من نصف قرن من الزمن.. وبالتالي سيتم الشروع في برامج تقليص عدد القوات المسلحة وستغدو الاجهزة السرية «بدون فائدة».كانت تلك رؤية خاطئة، بالطبع، فالواقع لم يتأخر في تصحيحها، او انطلقت حرب طاحنة في يوغسلافيا السابقة وللمرة الاولى منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وبرزت على السطح تهديدات جديدة ليس اقلها الارهاب والجريمة المنظمة وتكاثر المافيات، وحروب اخرى في الخليج والقوقاز وافغانستان وكشمير وغيرها.. ومجازر في رواندا اوقعت وحدها ما يقارب المليون ضحية من القبيلتين المتصارعتين، الهوتو والتوتسي وباختصار فإن التاريخ «لم ينته» وانما هو بالاصح قد «عاد». ونهاية الحرب الباردة قد حررت طاقات تعبر عن نفسها اليوم في ساحات معارك جديدة. حليفي .. خصمي اظهرت عدة قضايا تم الكشف عنها مؤخراً ان الاصدقاء قد يتجسسون على بعضهم البعض ايضاً في عالم الظل. وهكذا لم يتردد الاسرائيليون، مثلاً، في تجنيد جاسوس لهم في صلب جهاز الاستخبارات الاميركية هو جوناثان بولارد وهو الامر الذي اثار حفيظة واشنطن التي اندهشت من واقع امكانية اللجوء إلى مثل هذا السلوك بين «حلفاء». وقد اعلن الاميركيون اكثر من مرة استياءهم من مثل هذا السلوك «البعيد عن الصداقة» كما اشتكوا من ممارسة فرنسا للتجسس الاقتصادي والصناعي على الارض الاميركية.وقد نشرت صحيفة «النيويورك تايمز» في مايو 1994 وثيقة قالت باريس هي التي اعدتها تحتوي على قائمة من شركات الصناعات الفضائية والمعلوماتية التي شكلت هدفاً مميزاً للحصول على معلومات يمكن الاستفادة منها في الصناعة الفرنسية. وبالطبع، لم تكن فرنسا وحدها المعنية، اذ ان الرئيس الاميركي السابق تبني في 11 اكتوبر 1996 «قانوناً حول التجسس الاقتصادي» اعطى امكانيات جديدة لمكتب التحقيقات الفيدرالي الاميركي وللاجهزة الامنية الاميركية الاخرى من اجل ملاحقة اولئك الذين يحاولون سرقة الاسرار الاميركية التجارية. وحيث نص القانون الجديد على فرض غرامات قد تصل قيمتها إلى عشرة ملايين دولار اميركي. وقد اورد المركز القومي المختص بتنسيق عمليات مكافحة التجسس الاقتصادي في الولايات المتحدة الاميركية اسم خمسة وعشرين بلداً قامت بمثل تلك النشاطات التجسسية، ومن بينها عشرة بلدان تم اعتبارها بمثابة «تهديد رئيسي». ومن الجدير بالذكر هنا هو ان القانون الاميركي لعام 1996 يكرس دور اميركا كـ «شرطي العالم» اذ لا يتم تطبيقه بالنسبة للارض الاميركية فقط وانما ايضاً في الخارج اذا كان الضحية أميركياً او «اذا كان للعمل التجسسي» او قد يكون له آثاره على الولايات المتحدة الاميركية. باختصار اصبح القانون الأميركي بمثابة قرار عالمي. لاشك ان غضبة أميركا كانت مفهومة ومبرره، لو لم يكن قد تم الكشف عن شبكة حقيقية اقامتها وكالة الاستخبارات الاميركية في فرنسا. لقد تم كشفها وتفكيكها عام 1995 ولكن اعتباراً من عام 1992 كان خمسة عملاء اميركيين يعملون تحت غطاء دبلوماسي قد بدأوا بممارسة التجسس العلمي في باريس. ولكن ليس «العلمي» فقط كما اكد جهاز الاستخبارات الفرنسية اذ انهم كانوا «يبحثون ايضاً سراً عن معلومات حول السياسة الفرنسية الداخلية وحول التوجهات الاقتصادية والتجارية الكبرى لبلادنا وخاصة في ميادين السمعيات البصريات والاتصالات».. واضاف الجهاز الفرنسي: «وقد تباينت الاساليب المتبعة بين استخدام النفوذ الصريح وتجنيد العملاء السريين في الادارات وحاشيات رجال السياسة ودواوين الوزارات» ويضيف مؤلفا هذا الكتاب بعد ان قاما بتحقيقهما حول المسألة بأن الشبكة كانت تدار جزئياً من قبل احد العناصر المتمرسين في وكالة الاستخبارات المركزية الاميركية انطلاقاً من السفارة الاميركية في العاصمة البلجيكية «بروكسيل». ويؤكدان ايضاً بأنهما يعرفان اسم هذا الشخص لكنهما لم يذكراه.وفي السياق نفسه كتبت صحيفة «ليبراسيون» الفرنسية في 16 مارس 1996 ان طائرة تجسس اميركية من طراز «يو ـ 2» قد اقلعت من القاعدة الانجليزية في فارنهام بمهمة قصدت فيها نظريا البوسنة ولكنها حلقت فترة طويلة فوق مواقع استراتيجية فرنسية مختلفة. وقال الاميركيون بأنها كانت تريد «حرق الوقود» كي تحط اكثر خفة.. لكن يبقى السؤال عن السبب الذي دعاها لاستهلاك محروقاتها فوق مواقع يتم فيها تصنيع بعض قطع الرؤوس النووية للقوة الضاربة الفرنسية وفوق قاعدة «ديجون» الجوية وحيث كانت ستقلع في ذلك اليوم تحديداً طائرتا نقل تقلان مكونات لرؤوس نووية كانت واشنطن رفضت تسليمها للندن.. او فوق مواقع تجريب دبابات «لوكليرك» التي تعتز بها قيادة اركان الجيش البري الفرنسي؟ وليس الاميركيون وحدهم هم الذين يقومون بمثل هذه الاعمال التجسسية.. ففي 16 يونيو 1996 كشفت صحيفة «الصنداي تايمز» الانجليزية ان جهاز الاستخبارات البريطاني الام آي ـ 6 قد قام عام 1995 بالحصول على معلومات اساسية حول التقدم الذي احرزته البحرية مؤخراً في ميدان البحث الخاص بحرب الغواصات.. وكانت قد حصلت على تلك المعلومات عبر تجنيد مهندس فرنسي يعمل في ورشات مدينة «برست» الفرنسية. ان تحسن التعاون الفرنسي ـ البريطاني في المسائل الدفاعية والدعم الذي قدمه الرئيس الفرنسي جاك شيراك لتوني بلير خلال قضية مرض «جنون البقر» لم يردعا جهاز الاستخبارات الانجليزية «إم ـ آي ـ 6» من القيام بعمله التجسسي اذ اعتبر مسئولو ذلك الجهاز بأن الامر يتعلق بالمصالح الحيوية لبريطانيا العظمى. كانت البحرية الملكية البريطانية قد عرفت ان فرنسا قد حققت منذ فترة وجيزة، تقدماً كبيراً في ميدان الكشف عن الغواصات، ورفضت باريس ان تشارك لندن بما توصلت اليه، وامام مثل هذا الوضع شرح ضابط في جهاز الام ـ آي ـ 6 انه تم تكليف ادارة خاصة بعمل ما هو مطلوب، وقال: «اذا كانت فرنسا تمتلك منظومة للكشف بشكل فعال عن الغواصات فإن هذا يمكن ان يشكل تهديداً لردعنا والبحرية الملكية ـ البريطانية تولي اهمية كبيرة لمنع الكشف عن غواصاتها». رجلنا في باريس خلال شهر ابريل، وفي حفلة استقبال بمبنى اليونيسكو، في باريس التقت الاميركية ابنة الاربعين عاماً بشاب يعمل بمنصب عالٍ في «مجلس الدولة الفرنسي» وقدمت السيدة نفسها على انها ممثلة في فرنسا لـ «مركز تسويق دالاس» وليكن اسم الآخر ـ الشاب هو «جون بيير». اصبح «الصديقان» يلتقيان كثيراً وفي شهر ديسمبر بدت العلاقة وثيقة إلى درجة ان «ماري آن بومغارتنر» طلبت من صديقها ان يحضر دراسة من عدة صفحات على الخلافات القائمة بين باريس وواشنطن حول بعض المسائل الدولية.. قبل «جون بيير» العرض وتقاضى مقابل الدراسة مبلغ 2000 فرنك فرنسي فقط. بعد عدة اشهر تسلم «جون بيير» وظيفة في مكتب رئيس الوزراء بفضل صداقته مع «نيكولا بازير» مدير مكتب ادوار بالادور (رئيس الحكومة آنذاك). كان جهاز مكافحة التجسس الفرنسي قد كشف هوية «ماري» على انها تابعة لوكالة الاستخبارات المركزية الاميركية. وفي شهر سبتمبر من عام 1993 قدمت ماري لصديقها اميركيا آخر على اساس انه يعمل في اطار «مجموعة الضغط» المختصة بـ «بيع الحبوب» وفي كل مرة كانا الموظف الفرنسي يلتقي فيها مع الاميركيين كانا يسلمانه استمارة تحتوي بعض الاسئلة للاجابة عنها من قبله بالاضافة إلى 5000 فرنك فرنسي. وكان بمقدور جهاز مكافحة التجسس الفرنسي ان ينقل عبر هذه القناة المتميزة ما يريد من اخبار مزيفة لتضليل وكالة الاستخبارات الاميركية وكذلك تمرير رسائل حول تشدد باريس في المفاوضات الجارية حول تعديل اتفاقيات التجارة الدولية، وكانت المعلومات التي يقدمها الشاب الفرنسي تصل عبر خط مباشر إلى مكتب احد المستشارين المقربين من الرئيس الاميركي آنذاك بيل كلينتون. وكان الفرنسيون يدركون ذلك جيداً. بالاضافة إلى ذلك كانت الاسئلة التي تطرحها استمارات وكالة الاستخبارات المركزية الاميركية على «جون بيير» للاجابة عليها بمثابة وسيلة تسمح للاخصائيين بمعرفة دقيقة لمستوى ادراك الوكالة الاميركية لمواقع القرار الفرنسي والآليات عمل هذا القرار.بعد عدة اشهر توقفت العملية كلها، وذلك عندما طلبت باريس من واشنطن ترحيل خمسة من الدبلوماسيين الاميركيين العاملين في فرنسا، ومن بينهم ديك هولم المسئول عن فرع وكالة الاستخبارات المركزية الاميركية في باريس وجوزيف ديرتاني المسئول عن العمليات السرية في اوروبا، والملفت للانتباه هو ان صحيفة «لوموند» الفرنسية قد نشرت الحكاية كلها في فبراير 1995: وهذا امر نادر الحدوث في عالم الاستخبارات. كما تجدر الاشارة هنا إلى انه منذ تلك المغامرة «غير الناجحة» اصبحت ادارة عمل عدة شبكات تنشط في فرنسا لا تتم انطلاقاً من باريس وانما من السفارة الاميركية في بروكسل! قاعدة في المانيا في ربيع عام 1993 ترك جوزيه داريورتوا الموظف الكبير في شركة «جنرال موتورز» منصبه كي يعمل في شركة «فولكسفاغن» لصناعة السيارات بألمانيا، وقد جلب معه مساعديه المقربين، كما احتوت حقائبه على عدة كيلو غرامات من الوثائق السرية ومن الاقراص الالكترونية المحشوة بالمعلومات الحساسة. اثار هذا الانتقال معركة قضائية حامية بين شركة اوبل اي الفرع الالماني لشركة «جنرال موتورز» وبين شركة «فولكسفاغن». لقد اتهمت الاولى الثانية بسرقة اسرارها الصناعية والتجارية المحمية والاستفادة منها استمرت تلك الحرب مدة اربع سنوات. وقامت السلطات القضائية الالمانية، بطلب من محامي شركة «اوبل» بعمليات تفتيش مكاتب ومنازل خاصة ووجدت بالفعل بعض الاشياء التي يدور النزاع حولها. بدا ان «محكمة القرن» قد بدأت في ميدان الصناعة الثقيلة.. ولكن «معجزة» استجدت خلال شهر يناير من عام 1997 اذ تم التوصل إلى تسوية «ودية» دفعت بموجبها شركة «فولكسفاجن» مبلغاً يعادل 2 مليار ونصف لشركة «جنرال موتورز». وقد قدم الضابط الكبير السابق في الجيش الالماني اريش شميث ـ انبوم، الذي اصبح مديراً لمركز الدراسات الاستراتيجية، للصحافة الالمانية روايته لما جرى. ويرى ان الاميركيين لم يتخلوا عن القضية التي كان لابد من ان يكسبوها بدافع الميل للمصالحة وانما لانهم كانوا يريدون تجنب تقديم تفسيرات مزعجة، ولم تكن مثل تلك التفسيرات دقيقة وحساسة بالنسبة لشركة صناعة السيارات والتي يتواجد مقرها الرئيسي بالقرب من بحيرة «ميتشيغان»، وانما ايضاً بالنسبة للحكومة الاميركية لان ذلك كان يعني الكشف عن خطة «هورتينسيا ـ 3» فما المقصود؟ كانت الاستخبارات الاميركية قد اقامت اثناء فترة الحرب الباردة مركزين للتجسس الهاتفي في المانيا الغربية، وتحديداً في منطقة «بافيير» كان مركزان مزودان بالتكنولوجيات المتقدمة حيث كان قطر الصحن اللاقط يبلغ 300 متر وعلوه مئة متر وبناء تحت الارض يحتوي على 12 طابقاً وتجهيزات الكترونية لا تسمح بتسجيل الا المكالمات التي تحتوي على كلمات او تعابير معينة.. وكان المركزان يمثلان سلاحين رائعين للاستخبارات الالكترونية والموجهين نحو قلب الامبراطورية السوفييتية وقادرين على التقاط وتحليل وتخزين اية محادثة ولو كانت «مشوشة» ما بين برلين الشرقية وموسكو. ان نهاية المواجهة بين الغرب والشرق ادت إلى اغلاق العديد من الوحدات المكرسة للتجسس في برلين وفرانكفورت باستثناء وحدة مركز «باد ايبلنغ» في بافيير والمعروفة باسم «هورتينسيا ـ 3». اي احد المركزين المتواجدين في تلك المنطقة. ان حالة عدم الاستقرار في الاتحاد السوفييتي ـ السابق ـ وبعض المناطق المحيطة به دفعت الاستخبارات الاميركية للمحافظة على هذا المركز.. هذا لاسيما وانه باستطاعة «هورتينسيا ـ 3» التقاط المكالمات الهاتفية في عموم المانيا والبلدان المجاورة.. وبالاضافة ايضاً إلى المكالمات الهاتفية الدولية المنقولة بواسطة الاقمار الصناعية. وبواسطة «هورتينسيا ـ 3» ايضاً استطاعت الاستخبارات الاميركية ان تعرف المكان الذي خبأ فيه الموظف الكبير الذي ترك شركة «جنرال موتورز» الوثائق المسروقة.. وكانت وكالة الاستخبارات المركزية الاميركية هي التي قدمت المعلومات «على طبق» لادارة شركة «جنرال موتورز». وكان هذا هو الامر الصعب الذي يمكن تفسيره للحلفاء الاوروبيين لواشنطن. موسكو وفشل الجواسيس في 6 مايو 1996 سرى خبر في العاصمة الروسية، موسكو، ذكر الجميع بأجواء الحرب الباردة، ولكنه كان شديد الدلالات، لقد طلبت الحكومة الروسية بمقتضى ذلك الخبر سحب عدة دبلوماسيين بريطانيين لان نشاطاتهم لا تتلاءم مع المناصب التي يشغلونها.. اي بتعبير آخر لتوجيه تهمة «التجسس» لهم. يعود أصل هذه القضية إلى اعتقال الكسندر زدانوفيتش الموظف الروسي المشتبه بتعاونه مع جهاز الاستخبارات البريطانية «ام ـ 16». حيث كان على علاقة بضابط استخبارات بريطاني يعمل تحت غطاء دبلوماسي في السفارة الانجليزية بموسكو. وعثرت الاستخبارات الخارجية الروسية (جهاز مكافحة التجسس) عند تفتيش منزله على معدات للاتصال ووثائق لا تترك اي شك حول طبيعة نشاطاته التي اعترف في النهاية بها. وهناك الكثير من المؤشرات التي تدل على ان جهاز مكافحة التجسس الروسي قد حرص على ترتيب لقاء بين «زدانوفيتش» والضابط الانجليزي الذي يتصل به بحيث يتم تأكيد العمل التجسسي لـ «الجرم المشهود».. وهذا ما يشير اليه ايضاً الحكم الذي صدر بحق الموظف الروسي، الذي لم يتم الكشف عن طبيعة منصبه بشكل دقيق، ولكن وكالة «نوفوستي» الروسية للانباء اشارت إلى انه «كان يعمل في الحكومة الفيدرالية، وكان يطلع على اسرار دولة ذات طبيعة سياسية وعسكرية». بكل الاحوال قدمت الحكومة الروسية للسفير البريطاني في موسكو اندرو ود قائمة تتضمن اسماء تسعة عملاء بريطانيين وبراهين دامغة على صلاتهم بارميل الروسي. ان هذه المعلومات المقدمة من زدانوفيتش الذي يبدو انه قد تعاون جيداً مع المحققين، يمكن ان تعطي المصداقية للفكرة القائلة ان تلك القضية لم تكن سوى ضجة تسمح لجهاز مكافحة التجسس الروسي بتنظيف فرع جهاز الام ـ آي 6 البريطاني في موسكو، وخاصة بتوجيه رسالة واضحة للاجهزة السرية الغربية، مفادها: «لقد انتهى زمن الفوضى لقد تسليتم جيداً خلال خمس سنوات، لكن حان الوقت من اجل العودة إلى الواقع». وفي الواقع ايضاً، يبدو من المستحيل ان يسمح جهاز استخبارات يستحق مثل هذه التسمية بأن يقيم عميل اجنبي مثل «زدانوفيتش» صلات مع هذا العدد الكبير من ضباط الاستخبارات «البريطانيين». اذ جرت العادة لدى اجهزة الاستخبارات الكبرى بألا يكون «العميل» على علاقة سوى بـ «شخص واحد» لاسيما اذا كان الامر يتم في بلد مناويء «ضمناً».. وهذا يعني بأن بعض الاسماء الموجودة على القائمة التي سلمها جهاز مكافحة الجاسوسية الروسي للسفير البريطاني في موسكو انما كان قد تم اخراجها من ملفات الجهاز الروسي وليس من اعترافات زدانوفيتش. عودة الروس عاد الروس إلى مسرح الاستخبارات منذ النصف الثاني من عقد الثمانينيات في القرن الماضي. وغدت بعيدة الفترة التي سلم فيها محطمو الكي. جي.بي للاميركيين مخططات منظومات التجسس الهاتفي في سفارتهم بموسكو وحيث اكد ايفجين بريماكوف عندما تولى جهاز الاستخبارات الخارجية انه لن يتم بعد ذلك ابداً اللجوء إلى استخدام الغطاء الصحافي بالنسبة للعملاء الروس. وعندما تم تذكير «يوري كوبالاز» الجاسوس السوفييتي السابق في لندن والذي اصبح ناطقاً باسم الاستخبارات الخارجية الروسية بتلك الجملة انفجر ضاحكاً وقال: «لقد فهم الغرب كلمة بريماكوف بشكل خاطيء. ما اراد قوله هو اننا لن نرغم بعد اليوم وسائل الاعلام على توظيف ضباطنا. لكننا يمكننا ان نتفاوض حول كل حالة مع صحيفة ما وان نقدم لها خدمات مالية مقابل منصب نرغب الحصول عليه بقوة. كذلك ان لم نسحب من الخدمة جميع ضباطنا العاملين تحت غطاء صحفي. مع ذلك لن تعدو بعد ذلك هي القاعدة العامة. لقد درست المشكلة ووجدنا انه لا يوجد سوانا، غير الانجليز، من يستخدم وسائل الاعلام كغطاء لنشاطات ضباط الاستخبارات وموظفيها، اننا اليوم نفضل مثل الاميركيين والفرنسيين والالمانيين، استخدام صحفيين حقيقيين كعملاء بالتعاقد او كمصدر معلومات. ويقوم هذا العمل على اساس العلاقة الشخصية وهي مدفوعة الاجر اي علاقة طويلة الامد بين الصحافي وبيننا. وهذا امر مثمر اكثر بالنسبة لنا، لأنه من الواضح بأن الغطاء الصحفي هو الافضل، وهو افضل من الغطاء الدبلوماسي». هكذا نجد ان «بوريس لابوزوف» الذي كان يشغل فترة قريبة منصب ضابط استخبارات خارجية روسي في بروكسل قد عمل تحت غطاء صحافي في وكالة نوفوستي. ان الروس يطالبون اذن بموقع جديد في اللعبة الكبرى لعالم الاستخبارات اي بموقع قوة كبرى دون اعداء ولكن دون اصدقاء. فقط مع حلفاء ومصالح يمكن ان تختلف بحيث انه يمكن لهذا البلد الذي يتم التعاون معه في ميدان ما ان يصبح خصماً في ميدان آخر. يقول «يوري كوبالاز» نفسه: «يعيب علينا القوميون بأننا قد بعنا البلاد للاجانب.. في الواقع يتمثل مبدأنا الجديد في انه ليس هناك حليف ابدي او عدو ابدي، وانما عالم متحرك وصعب. كما انه توجد عدة مستويات بين الخصوم. اذ يمكننا مثلاً ان نتعاون مع الغرب في ميدان مكافحة المخدرات ونتعارض مع بعض البلدان الغربية عندما تبحث عن توسيع اطار الحلف الاطلسي الذي نراه دائماً بمثابة تهديد لأمننا». فهل هذا يعني ان الروس «يعودون» إلى الساحة؟ لا، لانهم لم يبرحوها ابداً، فكل ما فعلته الاجهزة الحالية هو انها «ليست حذاء» الكي.جي.بي الذي انحدرت منه واستأنفت انجاز نفس المهمات واستخدمت نفس العناصر التي كان يستخدمها «الجهاز المعلم». لكن لا تزال روسيا تمر في مرحلة مضطربة ومهما كانت الصفات التى تتحلى بها مهمة، فإنه ينبغي على منظومة الاستخبارات الروسية، كي تستعيد مكانتها الطبيعية، ان تنتهي من ازمات النمو الاقتصادي التي تواجهها. هذا وقد دلت الاستقصاءات التي تم القيام بها عامي 2000 و2001 في موسكو حول المنظومة الروسية للاستخبارات بأن الامور هي افضل ما كانت عليه بالنسبة لجهاز الكي.جي.بي. ان الرئيس بوتين يدعم اجهزة الاستخبارات فقد كان هو نفسه احد سكان المنزل سابقاً، حيث مارس مواهبه «الاستخبارية» في المانيا الشرقية. ولاشك بأن اجهزة الاستخبارات الروسية حالياً تستطيع ان تعتمد على خدمات «الشركات الامنية الخاصة» التي تشكل «الجدار الثاني للامن القومي» الروسي. اي مستقبل للمخابرات؟ تبدو احدى نتائج «عودة التاريخ» في دفن الاسطورة التي دافع عنها البعض بالقول ان الاستخبارات التقنية ستحل محل الاستخبارات البشرية. لاشك بأن الاقمار الاصطناعية للتجسس اصبحت تلعب دوراً مهماً.. وفرنسا اصبحت مجهزة بـ «قمر صناعي للتجسس» وهناك مشاريع مشتركة قيد الدراسة بين دول اوروبية عديدة في هذا الميدان.. الولايات المتحدة أسست في نهاية عقد التسعينيات الماضي «انترنت الاستخبارات» الذي يسمح لمحللي اجهزة الاستخبارات بالمحافظة على علاقة مستمرة مع العاملين في الميدان وتزويدهم بالمعلومات والتوجيهات التي يحتاجون لها. باختصار شهد العالم تقدماً كبيراً في وسائل الاتصال ونقل المعطيات لكن الآلة لن تحل ابداً محل الانسان.. وقد يستطيع القمر الاصطناعي ان يقدم صوراً تفصيلية لمنطقة ما ويؤمن المعلومات الضرورية لخوض معركة على ضوء رصد تحركات الخصم والتقاط اتصالاته. لكن معرفة معنويات قياداته وطبيعة استجابة ميدان المعركة لما تنتظره قيادات الاركان لابد من توفر معلومات اخرى لا يمكن ان يقولها سوى العنصر البشري.. يمكن للتكنولوجيا ان تساعد على جعل التحليل اكثر دقة لكنها لن تحل محل الذكاء الانساني. وكانت الاشهر التي سبقت حرب الخليج قد عرفت عشرات مهمات الاستطلاع في العمق العراقي، قامت بها الوحدات الخاصة الاميركية والبريطانية والفرنسية، ولم يتم القاء القبض على كارلوس في السودان الا بعد عدة مهمات قام بها رجال الاستخبارات الخارجية الفرنسية، وخاصة الجنرال فيليب روندو. واليوم اصبح العالم اكثر تعقيداً مما كان عليه قبل عشر سنوات، اكثر تعقيداً وأصغر اذ يمكن لاي حدث في اي بقعة من الارض ان تكون له آثاره في مناطق اخرى. وهذا يتطلب من الاجهزة السرية الكبرى، اكثر من اي يوم مضى استثمار المصادر البشرية التي يمكن ان توفر للحكومات التحاليل الاكثر حداثة والاكثر دقة. وفي هذا العالم المتحرك المهتز والذي تمزقه الخلافات الاجتماعية والسياسية والعقائدية قد تكون الاستخبارات هي السلاح الذي يفصل بين النصر والهزيمة.. في احداث 11 سبتمبر 2001 في نيويورك وواشنطن ثبت هذا الاعتقاد بشكل اكبر. تأليف: جينوفيفا أتيين وكلود مونيكيه _ عرض ومناقشة: د. محمد مخلوف