الاثنين 24 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 27 يناير 2003 فيما تتدفق القوات الاميركية الى الشرق الاوسط، استعدادا لغزو وشيك للعراق، وصلت استعدادات واشنطن لارساء نظام على الطراز الاستعماري في بغداد الى مرحلة تساويها تقدما، الخطط بحد ذاتها لاتزال سرية، غيران تقارير التقدم في تنفيذها تتسرب بين الحين والاخر للاعلام الاميركي، ويعود هذا في احد جوانبه للخلاف الحاد داخل ادارة الرئيس بوش. قبل ايام ظهر تقرير مفصل عن هذه الخطط في صحيفة «واشنطن بوست»، اذ فيما لا يزال الامر بانتظار اعطاء بوش لموافقته النهائية على الخطة فقد تم وضع «التصور النهائي لمستقبل العراق» وهو التصور «الذي يقر دورا امريكيا واسعا ومطولا في ادارة واعمار البلاد» ومثلما تشير تلك المقالة، فخلف تلك الواجهة المتمثلة في حكومة مدنية، تستعد واشنطن لاحتلال عسكري اميركي طويل الأمد. تقول الصحيفة «ان خطط ادارة بوش التي اصبحت منتهية تقريبا تفيد بإرساء ادارة مدنية في غضون شهورمن تغيير الحكومة، كما يقول المسئولون الاميركيون، غير ان هؤلاء يقولون انه حتى في افضل الظروف فإن القوات الاميركية ستبقى على الاغلب محتفظة بتعبئتها الكاملة في العراق طوال شهور بعد الحرب، فيما يبقى الألوف من الجنود لسنوات عديدة مقبلة». وفي محور هذا المخطط الاستعماري تأتي السيطرة الاميركية المحكمة على النفط العراقي الذي سيستخدم لتمويل الاحتلال، وهذا بدوره يتطلب اخماد اي محاولات تبدر من ابناء الجنوب او الشمال العراقيين لتشكيل حكومة تخلف الحكومة الحالية لوجود الكثير من حقول النفط في المنطقتين وقد طمأن الاميركيون مسبقا السلطات التركية المتخوفة من احتمال حدوث انتفاضة كردية بأن القوات الاميركية ستتمركز في مدن الموصل وكركوك وغيرها من مدن الشمال العراقية الرئيسية في حال اندلاع الحرب. وتقول «الواشنطن بوست» ان من بين الادوار المهمة للقوات الاميركية هناك الحفاظ على الحدود العراقية الحالية ضد اي مطالب مفاجئة قد تبدو من جانب جيرانه والدفاع عن حقوق النفط في العراق، فعوائد النفط تعتبر المورد المالي الرئيسي لاعادة اعمار العراق، كما ان ارباحه تعتبر المادة اللاصقة الاهم للحفاظ على التماسك العراقي. احد عناصر هذه الخط وهو تنصيب ادارة دولية مدنية، ربما من خلال الامم المتحدة، تمثل تحولا عما كان رائجا في الاشهر القليلة الماضية ، حيث كانت الولايات المتحدة تفكر سابقا في امكانية تعيين احد جنرالاتها لادارة العراق، بالطريقة التي اتبعتها بعد احتلال اليابان والمانيا، لكن فيما تتزايد المعارضة للحرب في الولايات المتحدة والعالم، احست واشنطن بالحاجة لمحاولة تمويه نواياها. فقد افادت مقالة نشرت في «النيويورك تايمز» في 6 يناير ان رد الفعل العربي الرسمي على التخطيط لاقامة ادارة عسكرية اميركية، كان سلبيا: «لا يريد العرب قيصرا اميريكيا في العراق ولا رمزا لحكم استعماري» وفي اشارة الى دور الجنرال مكارثر في اليابان بعد الحرب، قال مسئول اميركي رفيع للصحيفة: «ان اخر شيء نريده هو شخص يتمشى بغليونه وهو يقول للعراقيين كيف يشكلون حكومتهم». غير انه أيا كان الثوب الذي تحاول الولايات المتحدة اضفاءه على خططها، بمساعدة الامم المتحدة او بدونها، فإنه لن يكون سميكا بحيث يغطي الصورة، اذ فيما يقول المسئولون الاميركيون الذين اعطوا انفسهم الحق للزعم بأن هدفهم من احتلال العراق هو «دمقرطته» فإن الشعب العراقي لن يكون له قول نهائي في طريقة ادارة البلاد، واي تصويت شعبي حتى لو كان اسميا اصبح في موقع التجاهل لوقت طويل. ان واشنطن تنوي الاحتفاظ بالجهاز الحكومي القمعي سلميا الى حد كبير، وهو الجهاز نفسه الذي استخدمه الرئيس العراقي في حكمه الاوتوقراطي للبلاد، وقد وضعت «السي.اي.ايه» قائمة بأعلى المسئولين المدنيين والعسكريين منصبا ممن سيتم تعقبهم ومحاكمتهم، غير انه تبعا لـ «للنيويورك تايمز» فإن عددا اصغر نسبيا من كبار المسئولين سيتم خلعهم، وعلى النحو نفسه فإن المؤسسات الوحيدة التي ستلغى هي تلك التي كانت تمثل الرئيس العراقي شخصيا، مثل المحاكم الفورية وهيئة الامن الخاص. وقد تركز قدر كبير من الجدال داخل ادارة بوش على دور معارضة المنفى العراقية التي كانت تغذيها الولايات المتحدة بالمال بحذر لاكثر من عقد، وقد دعا الايديولوجيون اليمينيون في الادارة الاميركية الحالية مثل وزير الدفاع دونالد رامسفيلد ورئيس مجلس السياسة الدفاعية الاميركية ريتشارد بيرل لتنصيب حكومة عراقية «ديمقراطية» وفق النموذج الافغانستاني تقوم على الشخصيات الموالية للولايات المتحدة مثل رئيس المؤتمر الوطني العراقي احمد الجلبي المرشح ليكون على رأسها. غير ان «السي اي ايه» ووزارة الخارجية الاميركية تعارضان هذا الاقتراح من وجهة نظر تكتيكية، مشيرتين الى ان الجلبي وغيره من وجوه المؤتمر الوطني العراقي ليس لديهم تأييد شعبي يعتد به داخل العراق، اما بعض الجنرالات العراقيين السابقين الطامحين لدور لهم في النظام المنتظر فمتهمون بارتكاب جرائم حرب، اضف لذلك ان جماعات المعارضة التي تتمتع بتأييد شعبي داخل العراق قوامها حزبان كرديان اضافة الى المجلس الاعلى للثورة الاسلامية في العراق ـ قد تنطلق عكس رغبات واشنطن نحو تنفيذ مطالبها الانفصالية والطائفية. وقد تم حسم هذا الجدال لصالح وجهة نظر «السي اي ايه» والخارجية خلال اجتماع لجماعات المعارضة العراقية في لندن قبل حوالي شهر، وهناك وزع المسئولون الاميركيون مذكرة على قادة المعارضة قبيل انعقاد المؤتمر تعارض فيه تشكيل حكومة منفى، وهي خطوة كان من شأنها ان تعقد خطط الحكم الاميركي المباشر للعراق، وقد تحدث تقرير نشر في «نيويورك تايمز» عن هذا الشأن قائلا ان المسئولين الاميركيين بمن فيهم المبعوث الاميركي الخاص زلماي خليلزاده كانوا «موجودين ميدانيا لمراقبة المؤتمر وتملق الزعامات سرا لئلا يعارضوا الاهداف التي وضعتها واشنطن وضمان عدم تجاوزهم الحدود التي وضعتها». وقد هيمن على المؤتمر اللغط المتبادل بين الجماعات المتنافسة بخصوص المواقف من تشكيل لجنة توجيه مشتركة يتم توسيعها لتضم 65 عضوا، بحيث تستوعب طموحات كل الاطراف المتباينة وقد اختتم المؤتمر بدعوة لتشكيل «حكومة برلمانية فيدرالية ديمقراطية» ومناشدة للولايات المتحدة لتسمح للعراقيين بالامساك بزمام الامور في العراق بعد سقوط الحكومة الحالية مباشرة، لكن كما ذكرت «نيويورك تايمز» كان هذا البيان موضوعا الى حد كبير لمجرد توفير غطاء سياسي للجماعات العراقية المشاركة فيه باعتبار ان ايا منهما «لا تريد الظهور بصورة الدمية الاميركية». كما اقترح المؤتمر عقد لقاء اخر في مدينة صلاح الدين العراقية الشمالية في 15 يناير، ويذكر ان الشمال العراقي كان مستقلا ذاتيا بحكم الامر الواقع منذ فرضت الولايات المتحدة وبريطانيا منطقة حظر الطيران، في ابريل 1991 وقد اعلن الجلبي ان الاجتماع كان «حاسما لانه يعقد داخل العراق» وانه سيرسل رسالة قوية للرئيس العراقي مفادها ان «التحرير آت»، غير ان ذلك الاجتماع تأجل بعد اعلان الولايات المتحدة انها لا تستطيع ضمان سلامة الوفود. وفي مقالة «الواشنطن بوست» المشار اليها جاء بأن جماعات المنفى العراقية قد جرى تهميشها الان، وان «العراقيين سيكتفون بأداء دور استشاري في الفترة اللاحقة للحرب وسيحصلون لاحقا وتدريجيا على دور اكبر، غير انهم لن يتسلموا زمام الحكم الكامل في بلادهم الا بعد عام او اكثر تبعا لما تفكر به الادارة الاميركية حاليا». غير ان المعارضة العراقية لاتزال تعلق آمالها على اطاحة عسكرية اميركية بالرئيس العراقي وقبل ايام بدأ المئات من عراقيي المنفى يتقدمون لتسجيل اسمائهم في القواعد العسكرية الاميركية والاوروبية لاجراء اختبارات لهم، ومن سيقع عليهم الاختيار سينقلون الى المجر، حيث سيخضعون هناك لتدريب مبدئي يمكنهم من العمل اعوانا للقوات الاميركية داخل العراق. ويأمل المؤتمر الوطني العراقي الذي تقدمت من خلاله معظم اسماء المرشحين بأن ثلاثة الاف متدرب يمكن ان يشكلوا نواة جيش عراقي جديد، غير ان الدور المناط بعراقيي المنفى دور ثانوي، العمل كمترجمين ومرشدين وشرطة للقيام بدور الارتباط بين القوات الاميركية وأبناء العراق. وقد استبعدت بعض جماعات المعارضة قيامها بأي دور في هذا الشأن فقد اعلن المتحدث باسم ادارة المجلس الاعلى للثورة الاسلامية في العراق في لندن قائلا: «سنبدو وكأننا جزء من الغزو وبأننا نقف مع الاميركيين، اننا نعاني عموما منذ زمن في العراق من الحملات الاعلامية التي تصورنا دميً في يد الاميركيين». ان الاستعدادات لتنصيب ادارة ما بعد حكومة الرئيس العراقي لاتزال تنتظر وضع اللمسات الاخيرة وتعتمد على مجموعة من المكونات، فإذا ما نجحت اي من المؤامرات الجارية حاليا في السر اما لاجبار الرئيس العراقي على المغادرة للمنفى او لتدبير انقلاب عسكري داخلي ضده، فإن الادارة الاميركية قد تجد نفسها مضطرة لتضمين خططها شخصيات مدنية او عسكرية من داخل العراق، غير انه مهما كانت النسخ الموضوعة فإن الدافع المركزي سيبقى ارساء هيمنة عسكرية وسياسية اميركية على العراق وموارده النفطية. ترجمة : جلال الخليل _ عن «ورلد سوشياليست»