الاحد 23 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 26 يناير 2003 فيما اصبح شبح الحرب جلياً في افق العراق، اصبح من الواضح ايضا ان الولايات المتحدة قد حشرت نفسها والعراق ايضا في الزاوية، ومع ان الجهود التي تبذلها الولايات المتحدة لحشد الدعم لخوض حرب ضد العراق هي جهود ناجحة سياسياً ودبلوماسياً، فإن دعوى واشنطن هذه ترتكز على خطأين جوهريين فهي تهون من شأن المجازفة الحقيقية المتمثلة في ان حرباً ضد العراق ستستفز ضربات معاكسة ضد المصالح الاميركية المدنية. وحتى حينما تعترف الولايات المتحدة بهذه المخاطرة فإن المعسكر الداعي للحرب يحاول دمجه بتهديد بهجوم عراقي بلا استفزاز في المستقبل. لايزال الكثيرون من الاميركيين يعتبرون من المسلم به ان الحرب على العراق يمكن خوضها كما فعلوا عام 1991 اي بالشروط الاميركية، وحتى حينما يدركون ان الثمن الذي قد يدفع من الدماء الاميركية ربما يكون فعلاً اكبر مما يزعمه المتفائلون فإن معظمهم يظل يفترض ان القوات الاميركية او شعوب المنطقة ستدفع هذا الثمن، وحتى هذا الوقت المتأخر جداً من اللعبة لم تنتبه إلا قلة من الاميركيين فقط الى امكانية توسع ميدان المواجهة ليصل الى اراضيه. ومع ذلك فإن واشنطن لم تقم إلا بالقليل في تجهيز الأراضي الاميركية لمثل هذا الاحتمال، وتبدو وكأنها قد نسيت وصف بسمارك للحرب الوقائية بأنها «الانتحار خوفاً من الموت». ان قادة اميركا السياسيين لم يفقدوا فقط اقتناعهم بالردع كوسيلة لاحتواء العراق، بل انهم فقدوا ايضا الادراك لحقيقة مهمة، وهي ان الامر حين يتعلق بمواجهة بين بلدين يملكان اسلحة دمار شامل فإن الردع يصبح قابلاً للتطبيق في الاتجاهين فالولايات المتحدة الآن بصدد استفزاز عدو خوفاً من انه قد يوجه اليها ضربة في المستقبل فيما تتجاهل بالفعل الخطر الفوري المتمثل في ان هذا العدو قد يقرر الضرب رداً على هذا الاستفزاز القاتل فيما اميركا تستفزه. صحيح انه ليس كل من يطالب بالحرب في الجانب يتجاهل هذه الحقيقة، غير ان هذا المعسكر نفسه يسيء قراءة هذا الاحتمال ويفسره على انه يعزز من ضرورة الاسراع بالحرب الوقائية. وقد يبدو هذا الجدل حديثاً فيما هو مفروغ منه للوهلة الاولى. غير انه يخلط بشكل خطر بين احتمالين متضاربين تماماً: احتمال ان تقرر القيادة العراقية تحدي اميركا قبل شروعهما في الهجوم واحتمال ان يرد العراق على الولايات المتحدة اذا بادرته بالحرب. ان احتمال استخدام العراق لاسلحة الدمار الشامل «التي تقول الولايات المتحدة انه يملكها» للهجوم على اهداف داخل الولايات المتحدة احتمال قد لا يكون احتمالاً كبيراً، غير ان وجود احتمال يتطلب التخوف منه، لكن عبر المزاوجة خطأ بين المخاطر الفورية والمخاطر بعيدة الامد الناجمة عن مهاجمة العراق عبر المبالغة بمخاطر بدائل الحرب، يكون دعاة الحرب الوقائية ضد العراق قد وضعوا هذا الاحتمال الضعيف لحدوث كارثة ضمن خانة المجازفة المقبولة. ان غزواً للعراق بهدف الاطاحة بالحكومة العراقية يمثل محاولة اميركية لفعل شيء لم يسبق لاي حكومة آخرى في العالم ان فعلته، اي القضاء على حكومة اجنبية تمتلك اسلحة دمار شامل، لقد خاضت حكومات تمتلك اسلحة دمار شامل مواجهات مرتين في السابق «بين الصين والاتحاد السوفييتي على ملكية نهر أوسوري عام 1969 وبين الهند والباكستان على كارجيل عام 2000» لكن هاتين الحادثتين كانتا مجرد مناوشات على الحدود ضمن عمليات محدودة جداً، كما ان ايا من الجانبين في كل حادثة لم يشعر أن حكومته مهددة، غير ان العكس هو الصحيح هذه المرة، ومع ذلك فإن هذا الفارق لم يجد من يشير اليه في صفوف الاستراتيجيين المؤيدين للحرب. فخلال السجال السياسي في الكونغرس الاميركي، حول ما اذا كان سيمنح الرئيس بوش تخويلاً بشن الحرب، لم يتحدث احد عن خطر استفزاز هذه الحرب لرد عراقي ضد الولايات المتحدة مع ان مبرر الحرب كان امتلاك العراق لاسلحة دمار شامل، وفي تقرير رسمي وضعه مدير السي. آي ايه جورج تينت في اكتوبر الماضي، قال ان الاحتمال الاكبر هو ان الرئيس العراقي قد يحاول شن هجوم غير تقليدي ضد الولايات المتحدة، باعتبار ذلك هو «فرصته الاخيرة للانتقام» اذا اعتقد انه ما عاد يستطيع ابداً ردع هجوم اميركي غير ان هذا التعليق لم يجد من ينتبه له إلا بالكاد. صقور الادارة الاميركية يذهبون الى القول ان اميركا يجب ان تتخلص من الحكومة العراقية لان الرئيس العراقي قد يقرر مستقبلا استخدام اسلحة الدمار الشامل او تقديمها للجماعات الارهابية، حتى لو هددته الولايات المتحدة بعواقب مدمرة اذا فعل ذلك، غير ان هذا الزعم يفترض ان الرئيس العراقي مستعد لخوض مواجهة نهائية مع الولايات المتحدة دون استفزاز عسكري فيها، فاذا كان ذلك صحيحاً، فإن الاكثر صحة بدون ادنى شك هو انه مستعد لاستخدام اي سلاح يتوفر لديه «وهو يمتلك اسلحة دمار شامل حسب قول واشنطن» اذا قررت واشنطن الضغط عليه عسكرياً وحشره في زاوية لا خلاص منها بأي طريقة. والآن اصبح واضح ان واشنطن تدفعه نحو هذه الزاوية ومع ان بضعة اصوات هنا وهناك تتحدث عن احتمال لجوء الرئيس العراقي الى مكان ما خارج العراق، إلا انه من غير المحتمل قبوله بهذه النهاية من دون تقديم تعهدات لا لبس فيها بأن احداً لن يطالب بملاحقته قضائياً بحيث لا يكون في نهاية المطاف شبيهاً بما حدث لميلوسوفيتش. وحتى ولو تم تقديم هذه التعهدات له، فإن الرئيس العراقي يعرف ان لديه اعداء كثيرين خارج العراق، وبالتالي فإن هدف تغيير الحكومة العراقية يعني شيئاً واحداً للرئيس العراقي وهو القضاء عليه شخصياً ايا كانت طريقة التغيير وبالتالي لن يكون طرفاً سهلاً في هذه المواجهة وهو على يقين من أنه لم يعد لديه ما يخسره. إذن فيما لو كانت المزاعم الاميركية بامتلاك العراق لاسلحة دمار شامل صحيحة، فسيكون من الحماقة افتراض انه لن يستخدمها في حال تعرضه لهجوم عسكري هدفه الاطاحة بالحكومة العراقية وبالتأكيد فإن الغاية من هذا الهجوم الانتقامي هي ايقاع اكبر ضرر ممكن بالاميركيين. فهل سيكون شيئاً خيالياً الافتراض بأن القيادة العراقية ستختار توجيه الرد الانتقامي داخل الاراضي الاميركية إذن ما دام لديها هذه الاسلحة؟ نعم، قد لا يكون لدى المخابرات العراقية القدرة على تهريب الاسلحة لداخل الولايات المتحدة أو قد تتمكن الاجهزة الامنية الاميركية من تحييد هذه الاسلحة. لكن من غير المنطقي الاعتماد على الاحتمالات. إذ ان اميركا قد وفرت للقيادة العراقية فرصة زمنية اكثر من كافية لتنسيق رد على الهجوم حيث حصلت على اخطار مسبق بعدة شهور بأن الاميركيين قادمون. لقد جعلت ادارة بوش هذه الحرب المقبلة اكثر حرب ذات اثارة دعائية في التاريخ العسكري. ان اخذ احتمال وقوع رد انتقامي داخل الولايات المتحدة يفترض العمل على طريقين رئيسيين متوازيين: الاستعداد لهذا الاحتمال والاعتراف بضرورة اعادة النظر في الحاجة اصلاً لاطلاق فتيل هذه الحرب. فإذا كانت الولايات المتحدة ترى ان غزو العراق ضروري للتخلص من اسلحة دمار شامل موجودة لديه، فإنها وفق الواقع متأخرة جداً في استعداداتها على الجبهة الداخلية، فالولايات المتحدة يفترض ان تعبيء دفاعاتها الداخلية قبل ان تبدأ دباباتها بالتحرك لداخل الاراضي العراقية. وحتى تصبح اميركا جاهزة لهذه التعبئة، لن تكون جاهزة للبدء بحرب مع عدو يفترض انه يملك اسلحة دمار شامل. ان احتمال وقوع رد انتقامي مع ان هذا اصبح متأخراً وعلى نحو خطر للتفكير به، يعزز تأكيد الحاجة لاعادة التفكير في البدائل الممكنة لعمل استفزازي عدواني ضد العراق، لماذا اصبح الاحتواء والردع فجأة استراتيجيتين تعتبران اكثر خطورة من استفزاز العدو بعمل هجومي على الرغم انهما اثبتتا فاعليتهما طوال الحرب الباردة؟ لقد تقدم معسكر الحرب الاميركي بجواب على هذا السؤال، لكنها اجابة خاطئة. ان الردع يستند الى افتراض ان خصماً عقلانياً لن يقوم بأي خطوة تصعيدية اذا كانت عواقب هذه الخطوة تمثل دماراً محتوماً له. وبهذا فإن بمقدور الولايات المتحدة ممارسة استراتيجية الردع في مواجهة العراق إلا اذا اختارت القيادة العراقية عامة ان تنتحر في الوقت الذي تستطيع البقاء والتخطيط للحصول على فرص لتحسين وضعها الداخلي والدولي، قد يقول البعض ان القيادة العراقية اظهرت في السابق انها لا تتبع هذه القاعدة، وانها تتسرع في ارتكاب اخطاء بحساباتها، وبالتالي لا يمكن اعتبارها قابلة لممارسة سياسة الردع، لكن ابداً، ليس هناك اي دليل مقنع لاثبات هذه الحقيقة، قد تكون القيادة العراقية متسرعة، لكنها ابداً لم تفعل شيئاً اوضحت لها الولايات المتحدة بأنه سيكون انتحارياً. صحيح ان العراق أخطأ في حساباته حينما غزا الكويت لكن هذا الخطأ في الحساب كان نتيجة لحقيقة دافعة هي ان القيادة الاميركية حينها لم تحاول ابداً ان تردعه، بل ان واشنطن في الحقيقة قد اعطت العراق ضوءا أخضر سابقا لغزوه الكويت عام 1990. فالسفيرة الأميركية في بغداد آنذاك، ابريل غلاسبي، لم توجه لها أبدا تعليمات بأن تحذر القيادة العراقية من ان الولايات المتحدة ستخوض حربا ضدها اذا حدث غزو للكويت. وعلى العكس من ذلك، وخلال الاستعدادات للحرب التي تلت الغزو وجه القادة الاميركيون انذار ردع صريحا يحذرون فيه العراق من استخدام اسلحة كيماوية او جرثومية. وقد نجح ذلك الرادع فعلا. اذ على الرغم من الهزيمة العسكرية الثقيلة التي تعرض لها العراق عام 1991، لم تلجأ القيادة العراقية ابدا لاستخدام اوراقها الاخيرة، لأن تلك الهزيمة لم تدفع بها الى الزاوية ومواجهة مصير محتوم فتلك الحرب، بخلاف الذي يهدد الاميركيون العراق بها اليوم، كانت حربا محدودة. لقد شبه جورج بوش الابن الرئيس العراقي بالزعيم السوفييتي الاسبق جوزيف ستالين، لكن الرئيس الاميركي اخطأ في الدرس الذي استنتجه من هذه المقارنة. فستالين، مثلما حصل للرئيس العراقي، اخطأ في حساباته حينما وافق على غزو كوريا عام 1950 لكن السبب هو الرئيس الأميركي حينها هاري ترومان «مثلما فعل بوش الاب عام 1990» لم يحاول ان يوجه لستالين انذار ردع مسبقا. بل على العكس تماما، اذ قال وزير الخارجية الاميركي حينها دين اتشسون علنا قبل الحرب ان كوريا الجنوبية هي خارج النطاق الدفاعي للولايات المتحدة. كما ان جوزيف ستالين لم يفكر ابدا بغزو أوروبا الغربية حيث كان رادع «الناتو» واضحا له هناك. وتبين اي مراجعة لتاريخ العراق في عهد الرئيس العراقي انه قد قام بخطوات متسرعة لم تكن عواقبها واضحة، غير انه لم يقدم على أي عمل حينما تكون الحسابات واضحة مسبقا ولا تقبل أي سوء فهم. اما حينما تحاول الادارة الأميركية تشبيه القيادة العراقية بتنظيم القاعدة وهو ما أخذت تروجه لفترة عبر خطاباتها الرسمية، فقد يكون الردع استراتيجية غير عملية بالفعل، لكن متى كانت القيادة العراقية وقواعدها السياسية والعسكرية ذات ميول دينية متشددة؟ انهم سياسيون علمانيون مهتمون بحظهم من الدنيا. كما انهم لا يستطيعون الاختباء من انتقام اميركا مثلما يفعل عناصر القاعدة. ان الفرق المهم بين التنظيم الارهابي والدولة المعادية هو ان الثانية لديها عنوان واضح للرد على رسائلها. لا نعني بكل ما قلنا انفا ان سياسات الردع والاحتواء تفتقد نهائيا لأي عنصر مجازفة، لكنها قطعا اقل مجازفة مما سيكون عليه الحال من الاستفزاز وافتعال حرب يمكن ان تنجم عنها النتائج ذاتها التي تهدف الى منعها اصلا كما هو مفترض. فماذا يبقى يا ترى من حجج لدى معسكر الحرب يجعل الردع اكثر خطرا من الهجوم الفوري؟ هل هو ان القيادة العراقية قد تكون اكثر خطرا على المصالح الاميركية بعد خمس سنوات مما هي عليه الآن؟ لكن القيادة العراقية الحالية قد لا تكون موجودة بعد 5 سنوات. فالرئيس العراقي يبلغ الآن 65 عاما من العمر، ومع ان المحاولات الانقلابية لم تنجح حتى الآن، فانه لا يضمن مواصلة النجاح في احباطها. هل سيتزايد حجم ترسانته غير التقليدية المفترض وجودها الآن مع الوقت؟ ليكن، ما الذي سيجعل القيادة العراقية تقرر فجأة في المستقبل ان هذه الاسلحة توفر لها الخيارات التي لا توفرها لها الآن مع انها موجودة؟ والى أي حد ستواصل القيادة العراقية زيادة ترسانتها هذه؟ وهل من المعقول ان تقرر يوما زيادتها بحيث تعزز ضرورة حدوث هجوم أميركي حاسم عليها وعلى أسلحتها؟ ومن الجدير بنا هنا ان نتذكر ان كل البيانات التاريخية التي اطلقت سابقا للقيام بحروب وقائية قد اثبتت مع الزمن انها كانت اخطاء فادحة. فالرئيس ترومان لم يقبل الدعوات التي تطالب بمهاجمة الاتحاد السوفييتي، على الرغم من أن جوزيف ستالين كما قال المؤرخ بول شرويدر مؤخرا «كان يمتلك أسلحة نووية واكثر عدوانية وفظائعه ضد شعوب بلاده كانت اضخم بكثير جدا مما يتهم به الرئيس العراقي». «اضف لذلك انه بعد مضي بضع سنوات من اصدار وزير البحرية فرانسيس ماثيو وغيره لتوصياتهم بشن حرب وقائية ضد الاتحاد السوفييتي، كان جوزيف ستالين قد لقي وجه ربه، وفي عام 1968 على نحو مماثل نشر روبرت لورانس ووليام فان كليف «اللذان اصبحا مسئولين لاكثر من عشر سنوات عن ادارة البنتاغون في عهد ريغان وما بعده نشرا تقريرا مفصلا يدعوان فيه لشن هجوم على المنشآت النووية الصينية لكن من السهل علينا الآن ان ننسى الحد الذي كان اليه ماوتسي تونغ ثوريا وعدائيا تجاه الولايات المتحدة وجيرانه بشكل لا يقارن مع القيادة العراقية. لكن في غضون سنوات من تقرير لورانس وفان كليف، اصبحت واشنطن وبكين بتحالفهما حليفتين سافرتين. يا ترى كيف كان للتاريخ ان يكون لو ان تلك الدعوات لهاتين الحربين الوقائين قد وجدت من يسمعها في القيادات الاميركية، هذا التاريخ المحتمل نفسه هو ما يجب ان يفكر البيت الابيض به اليوم. ان السياسة الدولية تحتفل بالحالات التي تكون فيها الخيارات السياسية المتاحة هي بين الخيارات الخطرة والخيارات الاكثر خطورة. وفي عصرنا الراهن الذي يتمحور حول التفوق الأميركي، ينسى الاميركيون غالبا هذه الحقيقة، ويفترضون مخطئين ان المشكلات الوحيدة التي لا يستطيعون حلها على نحو مرض هي تلك التي لا يكونون حاسمين ازاءها، لقد اصبح القادة الاميركيون مفرطين في ثقتهم بمقدرة اميركا على الاطاحة بالرئيس العراقي عسكريا من دون التعرض لأي آثار جانبية ذات شأن كما اصبحوا كارهين على نحو يثير الفضول الاستراتيجيتي الردع والاحتواء التي قامت عليها السياسة الأميركية طوال 40 عاما من الحرب الباردة ضد عدو اضخم ماديا وعسكريا وتهديدا بفارق شاسع من العراق. فلماذا هذا التحول؟ قد يكون السبب نفسياً، وهو ان الردع سياسة يمارسها الاخيار ضد الاشرار، وليس العكس. ان الردع يجرح الغطرسة الأميركية فكيف يمكن لدولة صغيرة مثل العراق ان تدخل في لعبة ردع متبادل مع بلادهم. كما لا يجوز كما تقول لهم نفوسهم ان يرتدعوا عن الهجوم على عدو من «محور الشر». غير ان منطق الردع ليس له أي علاقة بهذه الأشياء. ان الردع يقوم على الحقائق الواضحة الصريحة للمقدرات عند الجانبين ومقدرة كل جانب على الرد على خطوة الجانب الآخر. بالطبع، العراق ينكر امتلاكه اسلحة دمار شامل، وبالتالي فقد افقدها «ان كانت موجودة» صفة الردع التي يمكن ان تخرج الاميركيين من هذه الحسابات النفسية، كما ان العراق لا يستطيع ان يعلن امتلاك مبدأ عسكري أو سلاح رادع. وفي هذه المرحلة قد يكون من الخطر بالنسبة للولايات المتحدة التراجع عن خيار الحرب دون فعل شيء يكون قابلا لوصفه بأنه نجاح واضح في فرض اجراءات التفتيش. اما الخيار الوحيد المتاح لعدم التعرض لهذا الاحراج الكبير فهو المضي نحو الحرب باستراتيجية مغلوطة تلغي من حساباتها احتمالات الرد الانتقامي ضد اهداف مدنية أميركية او خوض حرب مدن دموية والتسبب بضرر كبير للحرب الاميركية المعلنة على الارهاب. ليست هناك بدائل جيدة لأميركا عن الحرب في هذه المرحلة، لكن هناك بدائل عديدة اقل سوءا من هذه الحرب. ـ الخيار الأول هو تضييق الخناق على القيادة العراقية. وهذا يعني تطبيق عقوبات انتقائية اكثر صرامة، ليس تلك التي تضر بالمدنيين العراقيين انما تلك المواد ذات الاستخدام المزدوج او التي تعزز صادرات النفط العراقية خارج برنامج النفط مقابل الغذاء. كما يمكن ادخال مزيد من المراقبين الدوليين والمفتشين لمراقبة الواردات والصادرات العراقية. طبعا، لن يكون حشد دعم دولي لمزيد من العقوبات أمرا سهلا، لكنه سيكون كذلك اذا اتى في سياق عرض بديل أميركي عن الحرب على الحلفاء. فتداعي نظام العقوبات كان أحد حجج الادارة الاميركية للمضي في خيار الحرب، والتراجع عن هذه الحرب سيوفر للقيادة العراقية الدوافع لمزيد من التلاعب بالعقوبات والالتفاف عليها، كما تستطيع الولايات المتحدة ان تجادل. ـ ثانيا يجب على الولايات المتحدة ان تواصل سعيها لتدبير انقلاب عسكري او حركة داخلية للاطاحة بالرئيس العراقي. ومع ان هذا الاجراء اثبت حتى الآن عدم جدواه فان المحاولات طويلة الامد قد تنجح اخيرا. ـ ثالثا، بمقدور الولايات المتحدة ان تفكر بأنصاف حروب، كأن تحتل القوات الأميركية المناطق الواقعة في شمال العراق لتبدأ هناك بناء قاعدة انطلاق ضخمة لتحرك عسكري خاطف ضد القيادة العراقية في موعد مستقبلي غير محدد ـ قد يكون لفرض مفتشين او لحماية أي وحدة عسكرية عراقية قد تنقلب على الرئيس العراقي، على سبيل المثال، او حتى لاحتلال بغداد في نهاية المطاف، وبالتوازي مع تشديد الحصار على القيادة العراقية يجب على الادارة الاميركية وحلفائها ان تعرض على القيادة العراقية ملجأ آمنا اذا ما قررت التنحي. بقلم: ريتشارد بيتس _ مدير معهد دراسات الحرب والسلام بجامعة كولومبيا _ ترجمة :جلال الخليل عن « فورين أفيرز»