الاحد 23 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 26 يناير 2003 عرف عالم الظل العديد من الجاسوسات منذ فترة طويلة من الزمن، ولكن جرى التقليل دائما من شأن دورهن. فهل يعود هذا لكون ان الرجال هم عامة كتبة تاريخ الجاسوسية؟ مهما يكن من واقع هذا الدور فإن التطور العام للمجتمعات وازدهار الاستخبارات الاقتصادية والتقنية ساعد في ان تشغل النساء مراكز اكثر اهمية لكن الامر لم يكن كذلك في السابق. ذات يوم صرح العقيد «باسي» احد رجال الاستخبارات الفرنسيين المعروفين بقوله: لم يكن الجنرال ديغول يحب استخدام النساء في الاستخبارات، ولم تكن تروق له فكرة انزال مظليات انجليزيات شابات في فرنسا المحتلة، اثناء الحرب العالمية الثانية. وكان السوفييت على عكس الاميركيين، في هذا الصدد، حيث كان ممنوعا على النساء حتى عام 1972 العمل في اطار مكتب التحقيقات الفيدرالي، بينما كان هناك عدد قليل من النساء يعملن في وكالة الاستخبارات المركزية الاميركية، أما السوفييت فاستخدموا كثيرا العنصر النسائي، خاصة من اجل الحصول على اسرار من الرجال، كذلك كان اليابانيون يلجأون الى استخدام النساء من اجل تشكيل ملفات يمكن استخدامها «عند الحاجة» وفي المحصلة تصبح النساء جاسوسات للاسباب نفسها التي تدفع الرجال لعمل ذلك، اي بدافع حس المغامرة والمخاطرة والمال، ولكن ايضا بدافع رؤية مثالية او احساس وطني احيانا. اديث كافيل والاعدام في عام 1914 وفي اطار حالة التشوش التي رافقت الغزو الالماني لبلجيكا ترك الحلفاء المندحرون وراءهم عددا من جرحاهم، وتم تأسيس هيئة خاصة سرية لايوائهم ثم نقلهم وقد وجدت اديث كافيل نفسها عضوة في شبكة هذه الهيئة كان عمرها 40 سنة وهي من اصل انجليزي وصلت الى بلجيكا في 1907 لتدير معهدا طبيا لتكوين الممرضات القادمات من عموم اوروبا. كانت عمليات تهريب جنود الحلفاء الجرحى بعد شفائهم او الهاربين تتم عبر الاراضي الهولندية بمجموعات يتراوح عدد كل منها بين 20 و 60 شخصا، كانوا يلبسون زي الفلاحين .. هكذا وصل الى انجلترا خلال 11 شهرا فقط ما يزيد على الف و500 جندي فرنسي وانجليزي، لكن تلك الفتاة الانجليزية كانت تمارس في الوقت نفسه دورا اقرب مباشرة الى التجسس فبواسطتها استطاعت الاجهزة السرية البريطانية تجنيد المدعو الكسندر سنريك الاعلامي الكبير الذي كان يعمل في بروكسل لحساب القيادة الالمانية، وذات يوم وبعد عملية تفتيش قامت بها الاستخبارات الالمانية، في بروكسل وجدت اديث كافيل نفسها في السجن اثر الوشاية بها. وأمام لجنة المحققين الذين كان قضاتها في الواقع ضباطاً المانيين انتحلوا صفة قضاة تحقيق اكدوا لها انه سيتم اطلاق سراحها قريبا، وقعت في الفخ على خلفية اعتقادها ان المتواطئين معها كانوا جميعا بيد الشرطة الالمانية وبأنهم قد اعترفوا بما قاموا به ولذلك وشت بالجميع، ليس فقط الذين كانت اسماؤهم لدى الشرطة وانما ايضا اولئك الذين لم تكن تحوم حولهم اي شبهة ومنذئذ زادت الاعتقالات يوما بعد يوم وكان الجنرال الالماني «فون سوبرزفايج» الحاكم العسكري لبروكسل قد وجه رسالة للقضاة أصر فيها انه «لا رحمة» لتصدر بعد يومين فقط من المحاكمة احكام بالاعدام خص احدها اديث كافيل التي رفضت نصيحة احدهم بتقديم التماس للعفو وقالت: «لا فائدة من ذلك فأنا انجليزية وهم يريدون موتي». في صبيحة اليوم التالي، تم اقتياد اديث كافيل معصوبة العينين مع غطاء اسود على رأسها من زنزانتها الى معسكر الرمي، حيث كان فريق من ستة جنود مكلفين بتنفيذ الاحكام بانتظارها، لم يحضر احد عملية اعدامها ولم يصدر ابدا عن الحكومة الالمانية اي تقرير رسمي حوله، وتدل احدى الروايات العديدة على ان الممرضة التي ابدت رباطة جأش كبيرة اثناء المحاكمة انهارت واغمي عليها قبل تنفيذ الاعدام بها فما كان من الضابط الالماني المكلف باعطاء اوامر اطلاق النار سوى ان أرداها برصاصتين من مسدسه ليصار الى دفنها سريعا في المقبرة القريبة من السجن، وليتم نقل رفاتها بعد توقيع الهدنة الى انجلترا ودفنها في حديقة الكنيسة التي كان والدها قسا لها في مدينة نورويتش. ملكة الجاسوسات بعد ثمانية ايام من اعدام اديث كافيل سقطت امرأة اخرى في براثن الالمان وهي لويز دوبيتينيي، ابنة احدى العائلات العريقة المنتمية الى شمال فرنسا وكانت قصيرة القامة، سمراء، وقد توجهت اولا نحو الحياة الدينية، بل وكان قس مدينة ليل هو الرجل الذي طلبت منه النصيحة قبل ان تقبل «مهمات استخبارية». وكانت لويز مثل الكثير من سكان شمال فرنسا قد لجأت الى بريطانيا اثناء اجتياح الجيوش الالمانية لبلادها، وعندما قام احد ضباط الاستخبارات البريطانيين باستجوابها قدمت له معلومات ثمينة كانت قد جمعتها قبل هربها وقد ثمنت الاستخبارات البريطانية كثيرا بصيرتها الثاقبة ومعرفتها التامة للغتين الانجليزية والالمانية، وهكذا اقترحت عليها العودة الى المنطقة المحتلة للاستخبار عن الحالة المعنوية وعن تحركات جيوش هتلر وتقديم المعلومات للحلفاء، هكذا ايضا دخلت في سلك الجاسوسية. لقد اتخذت اسما مستعارا هو «اليس دوبوا» وتخفت تحت مهنة بائعة للاقمشة في مدينة ليل حيث شكلت شبكتها التي ضمت حوالي 40 شخصا من بينهم الكيميائي جيتر لصناعة الاحبار السرية وصانع الخرائط بول برنار، والذي نجح بكتابة رسائل من الالف كلمة على ظهر «طابع بريد» وقد تعاونت من اجل ايصال رسائلها لقيادتها مع السيدة «ماري ليون فانهوت» المشهورة باسم «شارلوت» وقد تخفت المرأتان احيانا كبائعي اجبان واحيانا كخياطتين لتجتازا الحدود الهولندية اسبوعيا لتقديم ما جنين من معلومات منقولة في كعب حذاء او في طرف مظلة او مكتوبة بالحبر السري على قطعة شفافة ملصوقة على زجاج نظارة، هكذا استطاعت الجاسوسة الشابة اليس دوبوا مساعدة الحلفاء على قصف قطار كان يقل ضباطا الماناً وكذلك قصف موكب الملك غيوم الثاني وهو في طريقه الى مدينة ليل اثناء زيارة سرية لها، بعد ان كانت لويز قدمت معلومات دقيقة عن يوم وصول موكبه وساعة هذا الوصول. اعترفت هيئة الاستخبارات البريطانية فيما بعد بأن شبكة دوبوا اي «لويز دوبيتينيي» كانت احد اكثر المصادر فعالية اثناء الحرب العالمية، لكن الكماشة كانت تضيق اكثر فأكثر حول الفتاة بمقدار ما كانت تتسع شبكتها، كما كان الالمان قد لجأوا الى تجنيد مخبرين جدد، بعد ان اصيبوا بخسائر فادحة متلاحقة، وكانت لويز مدركة لما يجري لكنها تابعت بهدوء توصيل معلوماتها عبر الحدود الهولندية، وقد قالت ذات يوم لاصدقاء لها اقلقهم ما تقوم به ما مفاده: «إنني في بلادي ولي الحق في أن افتح عيوني، واذا كان الالمان هنا فهذا خطأهم، وما كان عليهم سوى ان يبقوا في بلادهم». وفي 23 سبتمبر 1915 تم القاء القبض على شارلوت بعد ان نصبوا فخا لها وقد استطاعت انذار الشبكة وانقاذها لكنها لم تستطع انذار لويز التي كانت في هولندا، هكذا تم اعتقالها ايضا وبحوزتها ست بطاقات هوية مختلفة، ولم يكن بوسعها الا ابتلاع وثيقة كانت تخبئها، ووجدت نفسها في زنزانة غير بعيدة عن زنزانة شارلوت، ان لويز وعلى الرغم من الاستجواب العنيف الذي تعرضت لم تسلم اي اسم ولم تشِ بأحد. بل وعندما واجهوها بشارلوت اصرت على انها لم ترها ابدا طيلة حياتها، لكن مراوغتها وصمتها لم يمنعا الالمان من تشكيل ملف تتضح فيه العلاقة بين المرأتين واثناء المحاكمة صرخت ذات مرة قائلة «اتريدون رأسي ثمنا لانقاذ اولئك الذين تبحثون عنهم؟ حسنا، اقتلوني فإنني لن اتفوه بكلمة!، وكان الضابط الذي يقود المحاكمة هو نفسه الذي اصدر حكما باعدام اديث كافيل لكن لويز ظلت صامدة وكان همها الاول هو ان تنقذ اعضاء شبكتها الذين كانوا لايزالون طلقاء. في 17 مارس 1917 صدر الحكم باعدام لويز دوبيتنيي والسجن خمسة عشر عاما على شارلوت ولكن الجنرال الالماني فون بيسينج، حاكم بلجيكا خفض حكم اعدام لويز الى السجن 27 سنة بسبب موجة الاحتجاج التي كانت قد واجهت عالميا اعدام اديث كافيل مع ذلك تابعت لويز معركتها الوطنية في السجن، اذ عندما طالب الالمان السجناء بالمساهمة في صناعة قنابل حثتهم على رفض ذلك، وقالت: «قولوا لهم انكم لا تريدون المساهمة في صنع ذخائر مكرسة لقتل اخوتكم واهلكم واطفالكم، ثم ان هذا مخالف لاتفاقيات لاهاي!». اصيبت لويز بالسل في زنزانتها الرطبة ليتم نقلها، بعد شهور طويلة، وبعد ان ساءت صحتها كثيرا وايضا بعد تدخل بابا الفاتيكان وملك اسبانيا، الى مستشفى «سانت ماري» في كولن وكان الوقت قد تأخر كثيرا وانطفأت قبل 45 يوما فقط من توقيع الهدنة التي كانت ستشهد اطلاق سراحها، هي وشارلوت لقد تم دفنها اولا في المانيا قبل نقل رفاتها الى مسقط رأسها في فرنسا، وعمّدها الانجليز بلقب «ملكة الجاسوسات» ومنحوها بعد موتها، وسام الحرب، بل وان بعض الالمان اعربوا عن اعجابهم الكبير بشجاعتها حيث كتب مؤلف الماني «عندما يكون الدافع الوحيد لمثل هذه الاعمال ـ التي قامت بها ـ هو حب الوطن بدون تنازل فليس مهماً ان يحدث ذلك في معسكرنا او في معسكر العدو ـ بل ينبغي الانحناء كثيرا امام الضحايا النبلاء الذين زاد النقاء الكامل من عظمة التضحية التي قاموا بها». أمام منصة الاعدام «اقول لك وداعا لا تأسفي على شيء فما يجري امر طبيعي انها الحياة كما ترين نغادرها كما اتينا اليها، انني لست آسفة على شيء فكوني عاقلة وخاصة كوني شجاعة». هذه هي الكلمات الاخيرة التي كتبتها غابرييلا بوتي في 30 مارس 1916 لاختها، وقبل ساعات فقط من اعدامها، كانت ابنة اسرة بورجوازية بلجيكية، فقدت امها في عز شبابها ـ 32 سنة ـ وتركت وراءها اربعة اطفال، لم يتحمل الاب مسئوليته فتخلى عنهم لتجد غابرييلا نفسها في ملجأ للايتام لتبقى فيه معزولة حتى سن السبعة عشر، اثناء ذلك كان الاب قد تزوج ثانية واصبح غنيا واراد ان يسترد ابنتيه، لكن غابرييلا واختها هيلين التي كانت تكبرها بعام رفضت اعادة الصلة مع ذلك الاب غير المؤهل. لقد انتقلت غابرييلا بين أعمال مختلفة كعاملة في ورشة خياطة ونادلة في مقهى وبائعة لملابس الخ. كانت جميلة وذكية وقد عرفت عند «مدام كوليه» في احد احياء بروكسل اول سكن حقيقي خاص بها في «غرفة صغيرة» استأجرتها وقد كان لتلك السيدة دور كبير لاحقا في نشاطاتها السرية التي كلفها بها جهاز الاستخبارات البريطاني الذي اطلق عليها اسم «الانسة لوغراند» وحيث كان دورها يتمثل في تقديم المعلومات حول مواقع وتحركات القوات الالمانية في بلجيكا. كانت مخطوبة لاحد ضباط الصف، والذي توجه بعد فترة قصيرة من خطبتهما الى الجبهة وكان هذا احد دافعها في عملها وقد قالت ذات يوم للضابط الذي جندها وحذرها من مخاطر مهمتها: «ارى ذلك وانني مصممة عليه لأن مثل هذا العمل يمثل الاخلاص الكامل للوطن واقصى ما يمكن ان تقدمه امرأة لبلادها ولخطيبها الجندي». بعد فترة من عملها اثارت رحلاتها المكوكية بين بلجيكا ولندن شكوك الالمان الذين نصبوا شباكهم حولها واعتقلوها للمرة الاولى في نهاية عام 1915، وما ان اطلقوا سراحها حتى عادت الى نشاطاتها بل ضاعفت من جهودها على الرغم من ان القادة الرئيسيين في المنظمة التي كانت تعمل بها كانوا قد اعتقلوا واعدموا، وفي 20 يناير 1916حضر الى منزل «مدام توليه» شخص واخبرها بأنه مكلف بأن يزود غابرييلا بمخططات مواقع المدفعية الالمانية في منطقة ايزير، لكن هذا الرجل لم يكن سوى رجل استخبارات ألماني عاد بعد مدة مع ثلاثة آخرين مع زملائه واقتادوا الفتاة معهم. وطيلة ايام وليال عرفت فيها غابرييلا التحقيق المتواصل والتعذيب لم تخرج عن صمتها، الا عندما تلفظت بكلمات اعربت فيها عن احتقارها لجلاديها، لقد صدر الحكم باعدامها، وهذا ما واجهته بالقول: «انتم الشر متجسدا لقد سلبتم وخربتم وحرقتم بلادنا، لقد قتلتم وعذبتم جنودنا والمدنيين الابرياء والنساء بل والاطفال، عندها صرخ بوجهها القاضي الالماني: «اخرسي! هل تعرفين ان مهمة التجسس تستحق الموت؟ ان منظمتكم كانت السبب في مقتل الالوف من الجنود الالمان» وامام منصة الاعدام قالت للجندي الذي كان يهم بعصب عينها: «لا اريد عصب عيني احترموا على الاقل ارادة امرأة في طريقها للموت» ثم اردفت صارخة «عاشت بلجيكا عاش الـ .. » لم تسمح لها الرصاصات بأن تتم جملتها، وقد قال فيما بعد الضابط الالماني الذي حضر تنفيذ الاعدام بها: «لقد ماتت هذه المرأة كما يعرف القليل من الرجال كيف يموتون»، وعلى جدار منزلها في بلدة تورني البلجيكية علقت لوحة تحمل الجملة التالية : «هنا ولدت البطلة الوطنية غابرييلا بوتي التي اعدمها الالمان بكل خساسة». حكاية ماتا هاري بعد اعدام مارغريتا زيل الشهيرة بـ «ماتا هاري» في 15 اكتوبر 1917 من قبل الفرنسيين اصبحت بمثابة اسطورة لا تزال تثير اهتمام المؤرخين والروائيين والسينمائيين. كانت تلك الراقصة الهولندية حريصة على ان تخفي حقيقتها عبر نسج الحكايات الخيالية عن ماضيها، حيث قالت انها ابنة اسرة من امراء الهند، او من سلالة المهراجات .. لكن الحقيقة شيء آخر فهي من مواليد 7 اغسطس 1876 في بلدة لاوردن الهولندية، وابنة آدم زيل، الثري الذي فقد ثروته، وارسل ابنته للعيش عند احد اعمامها في لاهاي وهناك تزوجت من الكابتن «رودلف مكليود» ذي الاصل الاستقراطي الاسكتلندي الذي كان يكبرها بعشرين عاما وانجبت منه طفلا وطفلة بعد وفاة الطفل فجأة وعمره عامان ونصف العام وتزايد الخلافات داخل الاسرة طلبت مرغريتا الانفصال وغادرت هولندا الى باريس في مطلع عام 1904. لم تكن مرغريتا تهتم ابدا بالرقص وفق التقاليد الفنية البوذية كما كانت تدعي، ولكنها مع ذلك بدأت عملها في الصالونات الباريسية بصفة «راقصة شرقية» لقد نجحت سريعا، ولكنها قالت بعد سنوات: «لم اكن قادرة ابدا على اداء الرقص بصورة صحيحة، لكن الناس كانوا يأتون لرؤيتي لانني كنت المرأة الاولى التي تجرأت على ان تعري بعض مفاتنها امام الجمهور» ومنذئذ اختفت مرغريتا زيل ومدام مكليود لتحل مكانها «ماتا هاري» للاشارة الى اصل هندي مزعوم، وقد اصبحت بعد فترة وجيزة احدى نجمات باريس، ومن هذه المدينة انطلقت لـ سغزو» اوروبا، من مدريد الى ميلانو ومرورا بمونت كارلو وبرلين وغيرهما. وفي برلين اصبحت عشيقة الكولونيل «الفريد كيبير» الذي طلب منها ان ترافقه لحضور مناورات الجيش في منطقة «سيليزي». عندما اندلعت الحرب العالمية الاولى في 1914 كانت ماتا هاري في برلين وهربت منها الى هولندا، حيث حاولت العثور على ابنتها البالغة آنذاك من العمر ست عشرة سنة، لقد وافق زوجها السابق، بعد تبادل عدة رسائل على ذلك، شريطة ان يتم اللقاء في مدينة روتردام، ثم صرح بعد ذلك بأنه ليس غنيا الى الدرجة التي يمكن معها ان يدفع تكاليف السفر، وهكذا لم تر ماتا هاري ابنتها ابدا. من هولندا عادت الراقصة الشرقية، الى باريس من جديد، وتدل وثائق ارشيف الجيش الالماني على ان الاستخبارات الالمانية قد جندتها في هولندا خلال شهر يونيو 1915 تحت رمز «العميل هـ 21» لقد حصلت على تأشيرة دخول لفرنسا بقصد الاقامة وتأشيرة دخول مؤقتة لبريطانيا لانه لم يكن الوصول الى فرنسا ممكنا عبر بلجيكا المحتلة، او عبر منطقة شمال فرنسا .. وفي بريطانيا قامت شرطة سكوتلانديارد بتحقيق روتيني مع الراقصة ولكنها ارسلت بعد ذلك مذكرة لفرنسا، التي كانت ماتا هاري قد وصلتها تطلب فيها عدم منح تأشيرة للعودة من جديد الى بريطانيا بسبب «سلوكها الغامض». استعادت ماتا هاري امجادها في باريس، حيث لم تكن تخضع لأي رقابة خاصة .. وقد كان حولها عدد كبير من العشاق اغلبيتهم الساحقة من الضباط الالمان، اذ صرحت فيما بعد بأنها كانت دائما مأخوذة بالزي العسكري وقالت: «افضل كثيرا ان اكون عشقة ضابط فقير على ان اكون عشيقة مصرفي غني». وبعد عودة لفترة قصيرة من الزمن الى هولندا واجهها رفض السلطات الانجليزية منحها تأشيرة مرور للوصول الى فرنسا ولا شك بأنها كانت قد اصبحت «محروقة» لكنها لم تتخل مع ذلك عن مشروعاتها وانما غيرت فقط خط سيرها والمرور بأسبانيا. بعد عودتها من جديد الى فرنسا قبلت ان تعمل، بعد تردد، لحساب جهاز مكافحة التجسس الفرنسي بعد استخدام ورقة الشكوك الحائمة حولها بأنها جاسوسة المانية، ولكن في 17 فبراير 1917 تم القاء القبض سرا على ماتا هاري حيث كانت تقيم في أحد الفنادق الواقعة في جادة الشانزيليزيه لقد اقتيدت الى سجن سان لازار، حيث تعرضت للتحقيق مدة اشهر كاملة نفت فيها وجود اي علاقة لها مع الاستخبارات الالمانية، وحاولت ان تثبت ان الاموال التي تتلقاها مصدرها عشاقها المختلفون، لكن قاضي التحقيق العسكري توصل الى نتيجة نهائية اكد فيها ان الجاسوسة تتلقى الاموال من العدو مقابل خدمات تقدمها له. في 24 يوليو 1917 بدأت محاكمة ماتا هاري: في جلسات مغلقة بقصر العدل بباريس، لكن كان قرار ادانتها قد صيغ عمليا على اساس ملف التحقيق، وهذا ما عبر عنه الكاتب بول عندما لخص الشعور العام الفرنسي بقوله: «لا احد يعرف ماذا فعلت ماتا هاري، واذا تم طرح سؤال بهذا الخصوص على انسان عادي او على مثقف فسيبدو انه لا احد يعرف شيئا لكن هناك قناعة بأنها مذنبة، دون معرفة لماذا». لقد استمرت محاكمة جاسوسة القرن يوما ونصف اليوم وواجهت حكم الاعدام، كان الجمهور الذي حضر تنفيذ حكم الموت بها غفيرا بعد موتها حاول زوجها مكليود باعتبارها كانت لا تزال زوجة رسمية الحصول على ما تركته ولكن طلبه قوبل بالرفض وبيعت ممتلكاتها لتغطية نفقات المحاكمة، اما ابنتها التي يبدو انها لم تتلق ابدا رسالة الوداع التي وجهتها لها امها، فقد توفيت بعد فترة وجيزة عقب نزيف دماغي، ولا تزال قضية ماتا هاري تثير حتى اليوم الكثير من الاسئلة، ومن آخر الفصول التي عرفتها تأسيس «جمعية اعادة الاعتبار لماتا هاري». الجوهرة السوداء لم تتردد بطلة السينما الشهيرة جوزفين بيكر في ان تجوب العالم بحثا عن المعلومات لتقديمها للحلفاء، فمنذ بداية الحرب العالمية الثانية، كانت اجهزة الاستخبارات الفرنسية قد جندت شخصيات معروفة قادرة على السفر والانتقال من بلد الى آخر لاسباب مهنية من دون ان تلفت الانتباه اليها، هكذا قام دانييل مرواني» باقناع جوزفين بيكر التي كانت قد حصلت على الجنسية الفرنسية عام 1938 بأن تصبح «مراسلة للمكتب الثاني».ومن التفاصيل المثيرة في هذه القصة واقع ان الضابط المسئول عن التعامل معها وهو جاك ابتي كان يعمل رسميا سكرتيرا لها وكان مكتوبا على جواز سفره في الخانة مقابل المهنة: «مرافق للسيدة جوزفين بيكر» وكانت جوزفين قد رفضت ان تعتلي المسارح في الملاهي التي كان الضباط الالمان يرتادونها ولذلك تركت باريس عند بداية الاحتلال الالماني، ولجأت الى قصر ميلاند في منطقة دوردون لكنها لم تمكث هناك مدة طويلة، فبرفقة سكرتيرها المخلص، الذي كان يصبح اسمه احيانا في بعض المهمات، «جان فرانسوا هوبير» ذهبت الى جنوب غرب فرنسا لجمع المعلومات حول حشود القوات الالمانية في المنطقة وذلك قبل أن تبدأ جولة في اسبانيا والبرتغال وكانت تنقل معلوماتها بواسطة حبر سري مكتوب على النوتات الموسيقية الخاصة بها.. وفي عام 1943 وفي الوقت الذي كانت جوزفين بيكر قد انحازت بشكل عفوي الى مواقف الجنرال شارل ديجول، قامت بجولة للدعاية لافكاره في عموم منطقة البحرالمتوسط باسم الترفيه عن الجنود، وقد استمرت صداقتها مع الجنرال رئيس فرنسا الحرة، بعد توقيع الهدنة، وقد اشارت احدى صديقاتها المقربات وجارتها في الوقت نفسه عام 1995 الى ان الجنرال كان يتردد على قصر «ميلاند» حيث كانت قد حاولت ان تقيم عليه ما اسمته بـ «قرية اطفال العالم». ولقد تم منح جوزفين بيكر رتبة ضابط في القوات الجوية الفرنسية، كما منحت وسام «جوقة الشرف» الارفع عام 1961 لدورها في المقاومة والتحرير. تأليف: جينوفيفا أتيين وكلود مونيكيه _ عرض ومناقشة: د. محمد مخلوف