السبت 22 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 25 يناير 2003 تلف الحملات الانتخابية في اسرائيل أحابيل عديدة ومنوعة. شارون الجديد، بيريز سينتصر، تنازلات أليمة، خطة سلام، أجندة اجتماعية وغيرها هنا وهناك من الاحابيل والالتفافات المضللة. إحدى الاحابيل الاكثر عنادا، والاكثر انسجاما ونجاحا هي احبولة معسكر المركز. وكأنه يوجد في اسرائيل ثلاثة معسكرات: يمين ويسار وشيء ما في الوسط يسمى مركز. وبالفعل يوجد في اسرائيل يمين. وهو يستجيب بدقة لكل المعايير الدارجة عن اليمين: هو قومي، محافظ، يستند الى القوة ومنغلق. يوجد ايضا يسار في اسرائيل، وان كان أقل نقاء من اليمين المحلي، لكونه قريبا من النخبة المصنفة اكثر مما ينبغي مع اليسار. ولكن في اسرائيل، والتي لا يكاد يتحدد اليمين و ليسار فيها الا وفقا للمواقف من السلام ـ المناطق ـ المستوطنات، يمكن القول مع ذلك بفم مليء: يوجد يسار، يوجد يمين. ولكن ما هذا، بحق الجحيم، المركز؟. من أين نشأ هذا المخلوق المختلف؟ ماذا يفكر؟ ماذا يؤيد؟ الى اين يسير؟ ولماذا، بحق السماء يعد هذا المنتج على هذا القدر من النجاح والطلب؟. لقد بلغت نزعة التمركز من الشدة بحيث انه لا يوجد باستثناء الاحزاب الهامشية اليمينية والاحزاب الاصولية اي حزب لا يعلن على الملأ بأنه ليس على الاطلاق ما يعتقده الناس، وبأنه ليس بأي حال حزبا ضيقا يمينيا او يساريا لا سمح الله، بل مجرد حزب مركز. الليكود؟ - مركز. العمل؟ ـ مركز. المفدال؟ ـ حتى فيه تنطلق اصوات تصرح بأنه المركز. شينوي؟ ـ مركز. عليه يروك؟ ـ مركز. اسرائيل اخرى؟ ـ مركز. أ ل ج م ي ع في المركز. ان محاولة التعمق في هذا المركز وحل لغز ما هو مذهبه بالضبط وعما يختلف عن اليسار واليمين اللذين ينفر منهما بهذا القدر، تبين نتيجة في غاية التشويق: لا يوجد مركز. يوجد فقط الكثير من اليمين الذي تخفى في صورة مركز، وبضع فتات من اليسار الذي تخفى في صورة مركز. اما المركز الذي هو مركز، أي الشيء الذي ليس يمينا وليس يسارا، بل شيئا آخر؟ - فلا يوجد مخلوق كهذا. ومع ذلك فتكاد لا توجد حملة انتخابية لا تنشيء حزبا ما مخلصا يعلن بأنه هو بالذات المركز الحقيقي والنقي، وبالتالي فمعه فقط يوجد حل لكل أزمة ولكل ألم. ويأتي شينوي هذه المرة ليكون بالطبع صاحب الدور. ليس مجرد حزب تتملكه فكرة واحدة، بل من الان فصاعدا ـ حزب «مركز». ولكن خذ كل مواقفه في المسائل التي لا تتعلق بالميزانيات بالمدارس الدينية وشئون العبادة، وسيتبين لك قائمة مواقف هي نسخة دقيقة لكل مواقف اليمين: الحديث مع الفلسطينيين؟ نعم، ولكن مع فلسطينيين آخرين. اذن ما هو هذا المركز؟ وحتى التعمق ببواطن الطبيعة يعلمنا بأن المركز هو بشكل عام لا شيء. المكان الذي لا يجري فيه اي شيء. مركز الدائرة هو النقطة الوحيدة التي لا تتحرك من مكانها حتى عندما تدور كل الدائرة. قلب العاصفة هو المكان الوحيد الذي لا تكون فيه عاصفة. ولسان الميزان هو العضو الوحيد في الميزان الذي لا يحمل العبء بل يميل بطواعية نحو الكفة الراجحة، ويتظاهر وكأنه هو الذي حسم الامر. ولكن لم يحدث ان ظهر لسان ميزان ذا طابع وعقل خاص به، اختار ان يحسم مرة لصالح الكفة الاخف. اذن ما هو هذا المركز مع ذلك؟ بلا مفر ينبغي القول ان المركز ليس مذهبا بل مجرد مظهر. ليس رؤيا منظمة بل وجه. ليس منظومة محددة من المعتقدات والاراء بل مجرد طبقة من الزينة لاخفاء المذهب الحقيقي. المركز هو ملجأ اليميني الذي يخجل من ان يدعى يميني واليساري الذي لا يرتاح لميوله اليسارية. المركز هو الخزانة السياسية الاكبر في اسرائيل. هناك يتخفى كل اولئك الذين ليسوا مستعدين للاعتراف من هم بالضبط. بقلم: ب. ميخائيل - عن «يديعوت أحرونوت»