الجمعة 21 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 24 يناير 2003 تنطلق من الشمس جزيئات اصغر من الذرية عبر المجموعة الشمسية وبسرعة تقرب من سرعة الضوء ويوجه هذه الجزيئات المجال المغناطيسي للشمس فالشمس عبارة عن مغناطيس هائل الحجم، ويغطي مجالها المغناطيسي كل المجموعة من عطارد الى بلوتو لكننا لا نشعر بهذا المجال على الارض لان للارض مجالاً مغناطيسياً خاصاً بها قوته تظهر اقوى محليا. امافي الفراغ بين الكواكب تكون القوة المغناطيسية السائدة هي المجال المغناطيسي الشمسي والمجال المغناطيسي الشمسي بين الكواكب يأخذ شكلا لولبيا لان الشمس تدور حول محورها مرة كل 27 يوما يسمى العلماء هذا المجال لولب باركر على اسم اول عالم وصف شكله. ويستطيع المتخصصون في التوقعات الجوية الفضائية استخدام لولب باركر تحديد اتجاه الجزيئات المنطلقة من الطاقة الشمسية، ويقول منغ تشانغ استاذ الفيزياء بمعهد فلوريدا للتكنولوجيا ان هذا امر جيد بالنسبة لرواد الفضاء الذين يحتاجون الى معرفة موعد قدوم العواصف الشمسية حتى لا يكونوا خارج سفنهم الفضائية في ذاك الوقت. لكن تشانغ وزملاء له اكتشفوا مؤخرا ان الجزيئات الشمسية لا تتبع دائما باركر كما توقعوا ويقول تشانغ انهم كانوا يعرفون ذلك وتأكدوا منه عن طريق سفينة اوليسيس الفضائية. اوليسيس هي مشروع مشترك بين وكالة الفضاء الاوروبية والاميركية ناسا لدراسة الشمس، وقد انطلقت من الارض في عام 1990 وحامت حول المشتري لمدة عامين وهو مدار يعلو على كل كواكب المجموعة الشمسية، هذا المدار الذي تدور فيه اوليسيس يجعلها تدور حول الشمس حتى من ناحية قطبيها، وهذا ما كان يريده العلماء بالتحديد. ويوضح تشانغ ان العلماء على الارض، يرون الشمس من اتجاه واحد فقط، وهو اتجاه خط استوائها لكن السفينة اوليسيس تمكن العلماء من رؤية نشاط الشمس من عدة اتجاهات. ومن امثلة هذا النشاط الانفجار الشمسي الذي وقع في عام 2000 وهز الشمس، وكان مصدره بقعة شمسية تصل الى 20 ضعف حجم الارض، وتداخلت خطوط المجال المغناطيسي فوق هذه البقعة عدة ايام وزاد التوتر في الخطوط مثل انتفاخ كرة مطاطية، ثم عادت الى طبيعتها فجأة في شبه انفجار. وسبب الاشعاع الالكتروني المغناطيسي انقطاع موجات الراديو على الارض بضع ساعات، كما تخلف عن الانفجار سحابة هائلة من الغاز اتجهت نحو الارض ومرت بها بعد يومين، وسببت موجة الاصطدام عند حافة منطقة طرد المادة من الشمس تسارع الجزيئات الذرية الى ان وصلت لنحو سرعة الضوء، ووجهت خطوط المجال المغناطيسي هذه الجزيئات نحو الارض حيث اوقفت بعض الاقمار الصناعية عن العمل ودمرت احدها تماما (قمر ياباني). رصدت سفينة اوليسيس هذه الاحداث من ناحية الجزء او النصف الجنوبي من الشمس، وكان الانفجار في اتجاه 22 درجة شمالا نحو الارض تماما. فإذا تصورنا ان الشمس بها قارات ودولاً مثل الارض، يكون الانفجار في موقع دولة الامارات، والارض تطل على كينيا الاستوائية (على الشمس) وكانت اوليسيس فوق شبه القارة الجنوبية المتجمدة. كان هذا الانفجار هو مفتاح الاكتشاف والذي توصل اليه تشانغ، فرغم ان الانفجار لم يكن في اتجاه اوليسيس كانت السفينة مرتبطة بمنطقة طرد المادة الشمسية التي توسعت بفعل خطوط المجال المغناطيسي الشمسي. ويقول تشانغ ان البروتونات المتسارعة بفعل منطقة طرد المادة الشمسية وصلت من الاتجاه الذي توقعه، وكانت في اتجاه حسب لولب باركر، لكن بعد ساعات قليلة انحرفت اوليسيس بفعل انفجار من اتجاه بزاوية 90 درجة، ويقول تشانغ ان الاسم العلمي لذلك هو الانشطار عبرالمجال المغناطيسي، وهو يحدث عندما تتداخل المجالات المغناطيسية، وتجد الجزئيات نفسها قادرة على الانشطار، فهي تنشطر بين خط متعرج واخر، ثم بعد قليل تنطلق في اتجاهات غير متوقعة. يقول تشانغ ان هذا امر محير لأن الجزيئات الذرية المتسارعة بفعل منطقة طرد المادة الشمسية يمكن ان تكون اسوأ من اشعاعات القنابل الذرية، وتوقع اتجاه هذه الجزئيات امر مهم لسلامة رواد الفضاء والاقمار الاصطناعية، كما ان هناك اقماراً اصطناعية شديدة الصغر، تكون اكثر عرضة للدمار من هذه الجزيئات، لان الكترونياتها الدقيقة ستتوقف عن العمل. وقد طور الباحثون نماذج حاسوبية لتوقع اتجاه عواصف الاشعاع الشمسي عقب الانفجارات غير ان هذه النماذج لا تحسب حساب الانشطار عبرالمجال المغناطيسي لانه من الصعب ادخال ذلك ضمن حساباتها. يقول تشانغ ان السبب في ذلك هو ان الانشطار عبر المجال المغناطيسي عملية معقدة تحدث في الاماكن التي تتداخل فيها المجالات المغناطيسية، او بمعنى آخر في الاماكن التي لا تنطبق فيها نظرية لولب باربكر، وبما ان غالبية النظام الشمسي مجهول، فإن مناطق التداخل ايضا مجهولة. لذلك يقول تشانغ لا يزال علينا ان نتعلم الكثير مثل كيفية عمل الانشطار عبر المجال المغناطيسي واين يحتمل ان يحدث، وقد نستطيع الاجابة عن هذه الاسئلة عن طريق اوليسيس.