الخميس 20 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 23 يناير 2003 المهندس حسن فتحي واحد من اشهر المعماريين العرب، بل لعله اشهرهم على الاطلاق، وهو ان شئت الدقة فقل عنه انه فنان بدرجة مهندس، يعشق الموسيقى الكلاسيكية عشقا نادراً، فأحيانا يمارس الموسيقى وفي احيان اخرى يعزف الهندسة كدليل على شدة ولعه بكل منهما. وعلى الرغم من انه نشأ ابناً لأسرة ثرية، الا انه حاول واجتهد ونجح في ان يبني لفقراء الريف مسكنا صحيا رخيصا، باستخدام ابسط المواد والتقنيات المتاحة في البيئة مع الحرص على ان يكون هذا المسكن قوي البنيان، واسعا، جميل الشكل، بل كان يحرص على ان يكون لكل عائلة بيتها المميز بطابعه الخاص حسب احتياجاتها وذوقها. وقد استطاع حسن فتحي ان يحقق بعض احلامه بتحويلها الى واقع، عندما قام ببناء قرية بأكملها في صعيد مصر، هي قرية القرنة الجديدة الا انه واجه صعوبات شديدة سواء من جانب البيروقراطيين او من جانب المقاولين الذين شعروا بأن مشروعه يمثل خطراً على مكاسبهم الهائلة من نظام البناء التقليدي السائد. وعلى الرغم من كل المرارة التي شعر بها حسن فتحي لعدم اكتمال تجربة القرنة، الا انه لم يتخل قط عن ايمانه بأفكاره عن العمارة للفقراء وظل يعمل على نشر رسالته. وهذا الكتاب يمثل نشراً بطريقة اخرى لرسالته، ويضع تجربته المتكاملة تتضمن خطة لاعادة بناء كل بيوت الريف في مصر. وهو ايضا يمثل خلاصة خبراته ونظرياته وتجاربه المعمارية الجمالية الاجتماعية. لحن الاستهلال يقول حسن فتحي في كتابه هذا الذي ألفه عام 1969 تحت عنوان «عمارة الفقراء .. تجربة في ريف مصر» وصدرت له طبعة جديدة مؤخرا بالانجليزية في شيكاغو ان هناك مليار شخص سوف يموتون مبكرا ويعيشون حياة مزرية بسبب الاسكان غير الصحي وغير الاقتصادي وبالتالي لابد من ايجاد مسكن ملائم اقتصادي صحي رخيص لكل عائلة في كل قرية، واستعرض المؤلف تكاليف البناء التقليدي التي لا قبل لأي فقير حتى في الولايات المتحدة بها. وقد ظل حسن فتحي مهموما بإيجاد ذلك المسكن الذي يحلم هو به للفقراء في ريف مصر، بل في اي مكان في العالم، وكانت تجربته هي دعوة لموقف جديد لاصلاح الريف في اي مكان. وبعد المقدمة التي اوضح فيها المؤلف فكرته الاساسية يستهل اول فصل بعنوان «لحن الاستهلال: الحلم والواقع» ويتبعه بعنوان فرعي : «الجنة المفقودة: الريف». يبدأ هذا الفصل بسؤال كثيرا ما كانوا يسألونه دائماً في مرحلة الشباب يطلق الخيال واحلام اليقظة، السؤال هو: لو اعطيت مليون جنيه ماذا ستفعل بها؟ وكانت اجابة الدكتور حسن فتحي تنحصر في شيئين: ـ الاول: ان يشتري يختاً ويستأجر اوركسترا ويبحر حول العالم مع اصدقائه مستمعين الى باخ وشوبان. ـ الثاني: ان يبني قرية يتبع فيها الفلاحون اسلوب الحياة الذي يتمناه لهم. ولهذه الامنية الثانية جذور عميقة ترتد الى طفولته فيقول: لقد احسست دائما بحب الريف من دون ان اراه الا من خلال نوافذ القطار عندما نذهب من القاهرة الى الاسكندرية لقضاء اجازة الصيف. ويضيف: دفعني حبي للريف الى ان ادخل مدرسة الزراعة، ولكنني لم انجح في الامتحان الشفوي، الذي كان يحتاج الى معلومات عن الزراعة تفوق كثيرا معلوماتي التي جمعتها من خلال نافذة القطار. ويقول: بدلا من ذلك اخترت دراسة الفنون التطبيقية قسم العمارة، وبعد تخرجي ذهبت يوما للاشراف على بناء مدرسة في مدينة طلخا الريفية الصغيرة التي تقع على النهر في شمال الدلتا مقابل المنصورة. وكان موقع المدرسة خارج المدينة، وبعد اول يومين غيرت طريقي عامدا لأتجنب اختراق المدينة، فقد بلغ اشمئزازي مداه من منظر ورائحة الشوارع الضيقة الغارقة في الطين وكل انواع القاذورات وكذلك اكتئابي من مظهر الدكاكين الصغيرة وواجهاتها المفتوحة على ما في الشارع من روائح وذباب وهي تعرض سلعها البائسة على المارة المبتلين بالفقر، بلغ من هذا كله اني لم اكن استطيع تحمل المرور خلال المدينة، وكنت اتعذب من عجزي امام هذا المشهد، فمن المؤكد ان هناك شيئا ما يمكن عمله ولكن ماهو. وأخذت افكر في ذلك الفلاح الذي يبني منزله من الطين او طوب البلد الذي يحفره من الارض ويجففه في الشمس، وهنا جاءت اجابتي. من المؤكد ان بيوت الفلاحين قد تكون ضيقة ومظلمة وقذرة وغير مريحة، ولكن هذا ليس نتيجة خطأ من طوب اللبن، فليس هناك ما لا يمكن اصلاح امره بالتصميم الجيد وحسن الانتقاء، لماذا لا نستخدم لبيوتنا في الريف هذه المادة التي ارسلت من السماء؟ لماذا لا نجعل بيوت الفلاحين انفسهم أفضل؟ لماذا ينبغي ان يكون هناك اي فارق بين بيت الفلاحين وبيت المالك؟ هيا نبنيهما معا من طوب اللبن ونصممهما معا تصميما جيدا وسوف يمكن لهما معا ان يوفرا لمالكيهما الجمال والراحة. وهكذا اخذت اصمم بيوتا ريفية من طوب اللبن وانتجت عددا من التصميمات بل وأقمت في عام 1937 معرضا في المنصورة ثم بعدها في القاهرة حيث القيت محاضرة عن تصوري للبيت الريفي. يتابع حسن فتحي مشيرا الى ان كل شعب ممن انتج معمارا يطور اشكاله المحببة له هو في نفسه والتي تخص هذا الشعب مثلما تخصه لغته او ملبسه او فنونه الشعبية، لكن مصر الحديثة ليس فيها اسلوب محلياً فالبصمة مفتقدة وبيوت الاغنياء والفقراء هي على السواء بلا طابع ولا بهجة مصرية لقد ضاع التراث وانفصمنا عن ماضينا منذ قطع محمد علي رأس آخر المماليك، ونتيجة لذلك فإن مدننا وقرانا اصبحت تزيد قبحا وكل بناء بمفرده يؤدي الي زيادة هذا القبح وكل محاولة لعلاج الموقف لا تؤدي الا لتأكيد هذا القبح. يقول المؤلف: من حسن الحظ اننا مجبرون على استخدام الطوب اللبن للاسكان الريفي على النطاق الواسع، فالفقر يرغمنا على استخدام طوب اللبن وعلى اتخاذ القبو والقبة للتسقيف. كان على قرية «القرنة» الجديدة في اسوان ان يسكن فيها 900 عائلة مما يعني ان يتم البناء بمعدل 30 بيتا في كل شهر. يتميز مناخ مصر العليا بأنه مناخ حار جاف مع اختلاف واسع جدا في درجات الحرارة نهارا وليلا مما يعني ان درجة حرارة البيت تزيد اثناء النهار ويفقد البيت حرارته اثناء الليل. والحل الامثل لمثل هذه البيوت ان يعيش المرء في الطابق السفلي اثناء النهار حيث تحميه بنية حوائط البيت السميكة هي والسقف وان ينتقل ليلا لاعلى الى السطح لينام في هواء الليل المبرد، والحقيقة ان الامر سيحتاج الى انشاء خفيف جدا من فوق ومن حول ساحة السطح العلوي ليقي الطابق السفلي ما امكن من الشمس ويقي النائم من الباعوض. والقاعدة هي ان يحتمي المرء نهارا خلف الحائط الطيني السميك جدا وان ينام ليلا على السطح تحت خيمة او ما يساوي ذلك في رقته. وفي القرنة، فإن الحجرات السفلية للبيت قد تصل الى اقصى ارتفاع في الحرارة حوالي السابعة مساء وذلك بعد مرور حوالي خمس ساعات على وصول الحرارة لأقصاها في العراء، اما في الثامنة صباحا عندما يكون السطح العلوي قد اصبح بالفعل ساخنا بما يثير الضيق فإن الغرف السفلية تكون ابرد بما ينعش، وهذا النظام الحراري يمكن تعديله، اذا ماتم بناء البيت من حول فناء يعمل بمثابة بئر يرسب فيه الهواء الابرد الآتي من السطح، وهكذا فإن الغرف السفلية تبرد اثناء الليل بسرعة اكبر، والعامل الثاني الذي يتحكم في راحة الناس داخل البيت في مصر العليا هو حركة الهواء. وحيث ان الهواء جاف للغاية فان اي قدر من النسيم يساعد على تبخير العرق وبذلك فإنه يبرد الجسم وبالتالي فمن المهم جدا ان نراعي تهوية البيت. مصيدة الريح في اوروبا حيث لا يكون للتحكم في الحرارة اهمية رئيسية، تقوم النافذة بخدمة ثلاثة اهداف: ان تدخل الهواء، وان تدخل الضوء، وان تجعلك ترى ما في الخارج، وهذه الاهداف لا يمكن ان تنفصل. لكن البنائين في الشرق الاوسط اعتادوا ان يفصلوا فيما بينها ففي بيوت القاهرة القديمة تؤدي وظيفة التهوية في القاعات الرئيسية بواسطة تجهيز يدعى «الملقف» يصطاد الريح من اعلى حيث تكون قوية نقية وذلك عن طريق تصميم الغرفة تصميما خاصا حيث يكون الجزء المركزي عاليا جدا بما يجعل الهواء الساخن يهرب عند القمة ويمكن ان تقام مصيدة الريح هذه بالزاوية المناسبة بالضبط لاصطياد الريح. ويوضح حسن فتحي انه كان علينا ان نعرف من اهل القرنة ما هو اكثر من مجرد تقاليدهم وتجمعاتهم الاجتماعية والاهم من ذلك ان نعرف الحقائق الصادقة عن حياة القرويين الاقتصادية والتي يمكن منها ان نقيس تأثير انتقالهم في قدرتهم على كسب عيشهم وعلى الرغم ان مهمتنا كانت ان نبني مجموعة جديدة من البيوت فإنه ما كان يمكننا ان نتجاهل عامدين مسألة اسباب العيش هذه عند هل القرنة، فوسيلة القرويين لكسب عيشهم هي مما يجب ان يؤثر في تصميم بيوتهم وما يتم توفيره لهم من المباني العامة. واول حقيقة اصبحت واضحة لنا هي ان اهل القرنة لا يمكن ان يأملوا في كسب عيشهم من الارض المحيطة بالقرية. ولكن لحسن الحظ ان القرية الجديدة ستصبح قاعدة السياح لزيارة وديان المقابر والطرق التي تؤدي من المعدية النيلية (العبرة) الى الآثار والتي تمر عبر القرنة. بل كان هناك حديث عن اقامة فندق سياحي، وهو ما من شأنه ان يوفر فرص عمل كبيرة وهكذا فأن تنمية القرية كان امرا ممكنا للغاية كذلك فإن العمل في بناء القرية الجديدة سيوفر فرصة رائعة لادخال المهن المختلفة المتعلقة بالبناء وبدون توفير المهارات المحلية ما كان يمكن بناء القرية، واردت ان اعلم اهل القرنة صنع الطوب واستخراج الحجارة وحرق الطوب والجير والباكة وتأثيث البيوت وغيرها. والقرويون ما ان يتعلموا هذها لحرف، فإنهم سيستطيعون بيع مهاراتهم ومنتجاتهم للقرى الاخرى من حولهم. وكان لابد ان نقيم في القرنة حرفا جديدة، اهمها صناعة النسيج فيمكن ان يكون منها مورد دائم للقرية يسيطر على سوق مستقر، واستطعنا بالفعل ان ننشيء هذه الصناعة، وزار القرية محمود رياض وزير التجارة والصناعة آنذاك وثار اهتمامه ايضا بتجارب النسيج والصباغة، وشجعنا تشجيعا هائلا بأن وعد بأن يرسل لنا خبيرا في صناعة النسيج لتوطيد دعائم هذه الحرف وسرعان ما وصل الرجل واستطاع ان يعلم 20 طفلا النسيج. لكن المشروع فشل لاسباب تعلقت بسقوط الوزارة وطرد الاطفال في الشوارع، وفكرت في انشاء مدرسة الصنائع تكون مركزا للتدريب وورشة جماعية، لكن التجربة ايضا فشلت بسبب الروتين الحكومي، الذي رفض استلام مدرسة جاهزة، والى جانب النسيج كنت اود ان اعطي القرنة وسيلة عملية لصنع الفخار المصقول. تخطيط القرنة الجديدة المهندس المعماري عندما يصمم قرية يحتاج الى بذل اعظم عناية فنية اذا كان له ان يخلق توحدا وطابعا وجمالا، واذا ألزمت نفسي في القرية بأن اجعل البيوت تختلف في حجمها حسب مساحة البيوت الاصلية التي ستحل محلها بحيث يتم اعدادها في رقع شتى غير منتظمة واذا كنت مستعدا لتغيير خطة كل منها لتلائم الناس الذين سيعيشون فيها فإني بذلك ضمنت انني سأفكر بما ينبغي من حرص بشأن تصميم كل واحد منها واتجنب فخ اضافة التنوع بلا هدف وكان لابد من اقامة مباني الخدمة العامة ووسائل الترفيه العامة وكان أولها المسجد ويقول المؤلف: حتى اقيم بناء يكون له ما ينبغي من الجو الوقور الهاديء الذي يؤدي الى التأمل والصلاة في هدوء فإنه كان عليّ ان أتدبر طريقة يسقط بها الضوء على جدرانه ويتوزع في حجراته. وقد وفرت غرفة صغيرة للشيخ في الركن الشمالي الغربي من المسجد تكون بمثابة مكتب له وانشأت مضيفة يلتقي فيها الناس الذين يصلون الى قرية غريبة حيث يلتقون بمختلف القرويين ويتبادلون الاخبار ويرتبون لاقامتهم لذلك بنيت ازاء الجدار الغربي من الخارج ممراً طويلاً من فوقه قبو اسطواني مفتوح من الشمال ليسمح بدخول النسيم البارد له باب يؤدي الى الفناء الامامي وهناك توجد مقاعد وجرتان للمياه حتى يمكن للزوار ان يجلسوا ويثرثروا على راحتهم. ويوم السوق في القرية هو يوم عطلة بقدر ما هو يوم عمل، وهو يوم النساء بخاصة، اليوم الوحيد في الاسبوع الذي يتمكن فيه من مغادرة اسر البيت للتمتع بحرية السير وتضييق الوقت والقيل والقال. وتأخذ المرأة الى السوق ما يكون عليها ان تبيعه ربما يكون دجاجة او سلة بيض او زبداً او جبناً. اما الرجال فكانوا يتولون مهمة التصرف في حيوانات كبيرة مهمة مثل البقر والحمير والجمال حيث يجسلون طوال النهار في المقهى ويساومون في جدية. وقد خططت لساحة سوق القرنة انها ينبغي ان تكون ذات خلفية توفر أكثر الوسائل راحة للسوق الاسبوعي، فالحيوانات تأوي الى مذاود دائمة يقام كل منها بالارتفاع المناسب للجمل او العنزة او الحمار وكلها مظللة بأشجار عديدة توزع في خط منظم واصحاب مواقف البيع ينبغي ان يوفر لهم صف من اقبية ظليلة ينشرون سلعهم من تحتها ويكون هناك مقهى ليجلس الرجال فيه. والمجتمع الريفي في مصر ما زال يختلف تماما عن المجتمع الحضري، والقرية مازال يوجد فيها كل صنوف الفن، ونسيج الحياة في القرية يدخل فيه الكثير من اشكال الترفيه، والاحتفالات التي تعد جزءا من الفن الشعبي مثلها مثل الفنون الانتاجية. في حفل الزفاف مثلا توجد فرقة للموسيقى ومعها راقصة بينما يأتي شبان القرية ليستعرضوا مهاراتهم وبراعتهم في التحطيب وهي رياضة ترجع الى عصر الفراعنة ومازالت تمارس على نطاق واسع في كل ريف مصر. اذن فلماذا لا يوفر للقرنة مسرح دائم حيث يمكننا عرض الرقصات والاغاني والالعاب الرياضية للحياة اليومية وحيث يمكن ايضا الحفاظ على هذه الفنون مما ينتظرها من مصير محتوم بالانقراض، ومسرح القرنة هو المسرح الوحيد في ريف مصر. كان المسرح من نمط يجمع بين الاغريقي والاليزابيثي وهو في شكل شبه منحرف وغير مسقوف تشغل منصه العرض الجانب الطويل منه بينما صفوف مدرجات المقاعد تحاذي الجوانب الثلاثة الاخرى أما الساحة أو الاوركسترا ففي وسطه. ومنصة العرض مصطبة حجرية بسيطة يقرب ارتفاعها من ثلاثة اقدام وعرضها 35 قدما وهي مفتوحة للسماء وقد جعلت تمتد اماما بحذاء جدار مقدمة المسرح. وامام منصة العرض ساحة تبلغ ما يقرب من 36 قدما مربعا، مفروشة بالرمال يمكن استخدامها لتمثيليات او لعروض ما مثل مباريات التحطيب ويمكن الوصول اليها بمجموعة من الدرجات على كل جانب من منصة العرض. والمتفرجون اوجدنا لهم مكانهم في ستة صفوف من المقاعد الحجرية مدرجة كما في المسرح الاغريقي وتسع لحوالي خمسمئة متفرج بينما يمكن ان يقف مئتان آخرون في الممر العريض الذي يدور من خلف مدرجات المقاعد. وعروض التمثيل لم يكن فيها ما يشبه مسرحيات المسرح الاوروبي فليس هناك نص مكتوب ولا منتج لكن هناك مديراً للمسرح يقرر ترتيب العرض ويخطط لان يدخل المسرح ويخرج منه قتال من الراقصين والمقلدين والشعراء بحيث تتم رواية او قصة متشابكة. وتصميم المدرسة يجب ان يتناوله المهندس المعماري كما يتناول تصميم مسجد لانها من نفس النوعية من البناء، فالمدرسة انما هي لتنمو فيها روح الاطفال، ويجب ان يكون البناء بحيث يدعوهم الى التحليق وليس الى التقلص، والمهندس المعماري بخطوطه المصيرية المعدودة التي يخطها على لوحة رسمه يصدر قرارا بمدى ما سيكون للخيال من حدود وللعقل من سلام، قرار بالوضع الانساني طيلة اجيال قادمة، وطالما ظلت مدرسة قائمة فإن جدرانها ونوافذها تظل تتحدث الى الاطفال الصغار في سنوات عمرهم، ان عليه واجبا خطيرا بأن يخلق من هذا البناء مصدرا للحب والتشجيع لهؤلاء الاطفال ويجب الا يدع شيئا يقف في سبيل ذلك. ان المهندس المعماري يجب ان يوظف كل مهاراته ليجعل حجرة الدراسة حجرة تولد الثقة والاحساس بالامان، وحجرة الدراسة يجب ان تكون بيتا للاطفال حيث يمكنهم ان تكون لهم حياتهم الخاصة بهم وهي ليست مجرد مكان لتجميعهم معا تحت اعين المدارس، وقد اجريت دراسة خصائص نمو الطفل في مكان ما وتبين ان الطفل بين السادسة والثامنة من عمره يحتاج الى ثلاثة امتار مربعة من مساحة ارضية حجرة الدراسة كم ان من المفروض ان المدرس الواحد يستطيع التعامل مع ثلاثين طفلا. والقرنة القديمة لم تكن فيها مدرسة، وقد تصورت انه سيكون من حسن التفكير ان ابادر بالسبق ببناء مدرسة او بالاحرى بناء مدرستين احداهما للبنين والاخرى للبنات وقد اعجبت وزارة التربية والتعليم بالمدرستين واعجبت اكثر بالطراز واكثر من ذلك بالتكلفة وكنت بالطبع قد بنيتهما بطوب اللبن وعندما قمت بناء على دعوة الوزارة بتشييد مدرسة اخرى بلغت تكلفتها ما يقرب من ثلث ثمن التصميم المعتاد. وحتى تظل حجرات الدراسة هادئة وخالية من التراب فإنها وزعت من حول أفنية ممهدة بما يشبه ايوانات المدارس التقليدية في المساجد التي تطوق الفناء الاوسط للمسجد. وهناك اربع حجرات للدراسة في كل جانب وفي الطرف الاقصى من فناء حجرات الدراسة يوجد مسجد المدرسة. وقد زودت حجرات الدراسة بنظام بسيط جدا وفعّال للتهوية ففوق كل غرفة يوجد برج مربع يشبه المدخنة به فتحة كبيرة تواجه الشمال تدخل من خلالها النسمة خالية من التراب. وهناك فارق في النوع بين بيت الفلاح وبيت ساكن المدينة فحياة اسرة الفلاح كلها تعتمد على بقرة او بقرتين وعلى فدان من الارض او ما يقرب ولو ماتت البقرة او خاب المحصول فإن الأسرة تجوع حتما. والفارق بين طريقة حياة الفلاح وساكن المدينة ينعكس على بيتهما، فبينما يقصد بالبيت في المدينة ان يكون مجرد مأوى للناس الذين يعيشون فيه فإن البيوت في القرية يجب ان تحوي انواعا كثيرة من المخازن الواسعة كما تحوي ايضا ما شية الملاك. المطبخ في المدينة هو حجرة صغيرة فيها موقد وحوض وصنبور اما في الريف فتنتشر منطقة الخدمة عبر البيت كله، وبدلاً من خزانة صغيرة معلقة إلى الجدار فيها علبتان أو ثلاث من الصفيح ورغيف خبز فإن بيت الفلاح فيه مقتنيات ومخزونات تتدلى من السقف، وملابس معلقة على قطعة من حبل مشدود عبر الزوايا، وحبوب مكدسة فوق الارضية ومقتنيات عجيبة وثمة دجاجات تجري داخلة خارجة بين التراب والاطفال بل وحتى ابقار من داخل البيت نفسه. وبالتالي فإن علينا ان نوفر في بيوت القرنة مساحة رحبة للتخزين وحظائر كبيرة للماشية، وقد فكرنا في بدائل شتى، فالوقود الذي يختزن عادة فوق أسطح البيوت كثيراً ما يسبب حرائق مدمرة تنتشر لتحرق قرى بأكملها في مبنى عام كبير، كما بدا صحياً ان تكون هناك حظائر ماشية عامة بعيداً تماماً عن البيوت. أما عن غرفة النوم فيقول المؤلف ان أشكال الحجرات في البيت تنشأ عادة عن طبيعة مادة البناء وطوب اللبن تتغير خواصه الفيزيائية عندما يصبح جافاً صلباً أو عندما يصبح مبتلاً ثانياً. وثمة تخطيط للغرفة يبدو انه يتلاءم تماماً ومعمار طوب اللبن، وهو الغرفة المربعة ذات القبة والتي تخرج منها تبييتان مقبّية بما يقلد تصميم القاعة في المنزل العربي القديم ببهوها الوسطي العالي وخلوها من الأثاث. والسقف المقوس المصنوع من طوب اللبن يستمد كل ما فيه من متانة من شكله الهندسي، وحتى يجعل المرء مادة متواضعة وضعيفة هكذا تمتد من فوق غرفه، فإن هذا يتطلب منه عناية خارقة في تصميم القبو. وشكل القبة الكروي له كل مزايا الشكل البيضاوي أو مزايا المحارات الاسمنتية الحديثة بتقوسها المزدوج وهي التي تستخدم الآن لتغطية قاعات الموسيقى والهناجر والمدرجات المسقوفة في كل أوروبا. والقروي ليس لديه نافذة أو هو عندما تكون لديه واحدة فإنه يعدها اعداداً سيئاً للغاية، بحيث تكون مصدراً لتيار هوائي فيسدها تماماً ويحدث كوة صغيرة عالياً قرب السقف. عن فرن الخبيز فرن الخبيز يقول د. حسن فتحي انه موجود في فناء بالركن وهو فرن طيني عادي مما يمكن شراؤه في السوق وثمة تقليد بأنه عندما تخبز احدى العائلات فإنها يجب ان تسمح للجيران المباشرين بأن يخبزوا عيشهم في فرنها، وهكذا فإن العائلات تخبز كل ثالث يوم فتقتصد في الوقت. والشتاء في مصر يمكن ان يكون بارداً تماماً، وهكذا فإن الفلاحين يستخدمون وسائل شتى لتدفئة بيوتهم. ولايجاد وسيلة فعالة ورخيصة للتدفئة يجب ان تذهب الى مكان حيث المناخ بارد حقاً والناس فقراء، وقد ذهبت لهذا الغرض الى النمسا حيث اكتشفت في قرى التيرول أداة ممتازة للتدفئة والطهي ظل الفلاحون هناك يستخدمونها عبر القرون وهي ما يسمى فرن كاتشل وهو موقد له من داخله نظام معقد للغاية من الفواصل التي توجه غازات الاحتراق الساخنة الى الأمام والخلف لتتيح المزيد من الوقت الذي تشع فيه الحرارة الى داخل الغرفة قبل أن تهرب الغازات. وبعد ان يحترق الوقود مخلفاً قطعاً معدودة من الفحم المتوهج فإنه يمكن اخماد الموقد باغلاق باب النيران والمدخنة بحيث يواصل بث دفء مريح طوال الليل مثلما تفعل قربة الماء الساخن في السرير. والفرن النمساوي مصنوع من مواد بسيطة جداً، ففي الداخل بلاط من طفل حراري ومن الداخل بلاط قاشاني للتجميل يسمى كاتشل. وهناك نوع آخر أكثر بساطة له جدران رقيقة من حصى كبير يؤخذ من قاع أحد الأنهار. ويستمر المؤلف في امداد الفلاح بكل ما يحتاج اليه مصنوعاً بأقل التكاليف وأفضل الخامات المتاحة بطريقة صحية تضمن له حياة آدمية. وقد اجتهد المؤلف نفسه من أجل ان يوفر للفلاح المصري وأسرته كل ما تحتاج اليه، فوضع حلاً لمشكلة الطهي والامداد بالمياه والغسيل والمراحيض وبناء الحظائر. والأهم من كل ذلك ان المؤلف ساعد الفلاحين على مكافحة البلهارسيا وذلك عن طريق انشاء بحيرة صناعية بدلاً من الترعة. ولم يتوقف المؤلف عند هذا الحد، بل امتد ليشمل ملابس الفلاحين أنفسهم. ويقول ان القرنة كانت بالنسبة لي تجربة ومثالاً معاً، وكنت آمل ان يكون من القرية عرضاً للطريقة التي يعاد بها بناء كل ريف مصر، وكنت آمل انه ما ان يرى الناس كيف يمكن ان يكون الاسكان الجيد رخيصاً فإنه ستوجد بين فلاحينا حركة هائلة للبناء بطريقة «أد عملك بنفسك». ويقول: لو وفرت تجربة القرنة كل ما يمكن توفيره من المعلومات وبرغم انه كان يجب حقا استكمالها الا ان التخطيط قد تم انجازه والظروف فيها على أي حال كانت ظروفاً خاصة جداً بحيث ان الانجاز الفعلي للعمل لم يكن له علاقة بالذات بمشكلات البناء التعاوني. لقد أدت القرنة مهمتها ودعنا نأمل في ثورة اسكانية سوف تنتشر عبر مصر كلها. تأليف: حسن فتحي