الاربعاء 19 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 22 يناير 2003 مبنى تركي قديم ومهجور في قرية عناتا هو المنزل الجديد لشريف شواهنة، من سكان يطا جنوبي جبل الخليل، في غرفة من 12 مترا مربعا يزدحم هو وثلاثة عشر عاملا آخر بينهم ثلاثة من أقربائه من سكان المناطق، وثلاثة اردنيين تلقوا تأشيرات سياحية وبقوا للعمل في اسرائيل، وسبعة عمال آخرين من الضفة الغربية، وهم يدفعون لقاء الغرفة اربعمئة شيكل في الشهر، وقد بنوا على طول الجدران أسرة من طابقين من خشب البناء، كما بنوا مطبخا مؤقتا وحماما في احدى زواياها. «اذا كنت تغلق على قط في غرفة من دون نوافذ وتهاجمه فانك لا تترك له مفرا إلا الهجوم على رقبتك وعينيك»، هكذا يشرح شواهنة سبب وصوله الى عناتا - الغرفة البائسة في القرية على حدود منطقة الحكم البلدي للقدس، هي ملجأ العمال الفلسطينيين في ختام يوم عمل في غربي المدينة. منذ بداية الانتفاضة وصل الى عناتا، التي كان يسكن فيها حتى ذاك الوقت نحو ثلاثمئة من السكان، آلاف السكان من المناطق ممن يسعون الى ايجاد ملجأ من الاجتياحات اليومية للجيش الاسرائيلي الى قراهم، ومن الحواجز والاعتقالات - وبالأساس من اجل ايجاد مصدر رزق لهم في اسرائيل، في الاشهر الاولى من الانتفاضة، كما يقول العمال، كانوا يقطعون الطريق يوميا من قراهم في محاولة للدخول عبر الخط الاخضر من اماكن أكثر قربا من قراهم، ولكن مع الوقت يئسوا من رحلاتهم الصباحية المبكرة التي لا تنتهي الا في وقت متأخر من المساء - وفي الغالب في ظل المعاناة والاعتقال بصفتهم ماكثين غير شرعيين. وفي جولة في شوارع عناتا المهملة يمكن للمرء ان يرى مئات السكان من المناطق ممن أقاموا لأنفسهم غرفا سكنية في مصانع للباطون ومحلات البقالة ومحطات الوقود وفي المباني المهجورة والشقق العادية، كل فراغ مغلق أو ثلاثة حيطان هي اماكن محتملة للاستغلال هنا، وعلى جانبي الطريق تنتصب مبان لم تكتمل مغلفة بالنايلون وفي داخلها «منازل» العمال، والخط الاخضر والأطواق، واغلاق خط التماس، هي تعابير سياسية غير نافذة بالنسبة لهذا الموقع. العمال - وجميعهم بدون هويات اسرائيلية - يخرجون يوميا للعمل في غربي القدس، فمن داخل اسرائيل يكون الامر أسهل بكثير، على الرغم من حواجز حرس الحدود المنصوبة أغلب ساعات النهار على بوابة القرية، فالشوارع الصغيرة لعناتا تدل على ان الحديث يدور عن أكثر بكثير من مئات العمال، والمحظوظون الذين نجحوا في ايجاد شقة عادية لأنفسهم يكتظون في داخلها بالعشرات، مشهد منتشر في القرية هو الشقق الصغيرة التي يعيش فيها 20 بل و30 عاملا، يصلون الى هنا عمال كادحون ولكن ايضا مطلوبون جنائيون أو أمنيون، أناس طردوا من قراهم لاسباب عائلية وعملاء مع اسرائيل اضطروا لمغادرة قراهم. لقد درج العمال من المناطق على السكن في أحياء مختلفة في القدس - بما فيها مخيم اللاجئين شعفاط قرب عناتا، وسلوان ورأس العامود - ولكن في حالة عناتا لا يدور الحديث عن بضعة عشرات من العمال ممن استأجروا شقة، بل بتغيير جوهري للقرية، فالطلب على شقق السكن أدى الى ألا يكون في شوارع القرية تقريبا أي تطبيق لقوانين البناء من بلدية القدس، ومبان ذات طوابق غير قانونية تبرز لتلبية الطلب. في الايام الخمسة والعشرين الاخيرة ربما عملت سبعة ايام فقط، ولكن هذا أكثر بكثير مما كنت سأكسبه لو انني بقيت في يطا، يصف شواهنة نمط حياته أنا أزور عائلتي في يطا مرة كل شهرين أو ثلاثة، حسب المال الذي جمعته، وكما قلت يحشرون قط في زاوية فيقفز على رقبة حابسه في القدس. يوجد حدود لاعداد العمال الاجانب التي يمكن للقرية ان تستوعبهم، يقول ناشط للتنظيم في القرية، والناشط لا يتحدث عن العمال الاجانب بالمفهوم «الاسرائيلي»، بل عن سكان المناطق الذين وصلوا الى القرية في أعقاب الانتفاضة، فالسلطات الاسرائيلية لا تعالج امور القرية، والتي جزء منها فقط يقع في نطاق القدس، وفي الامور المدنية فان فتح ـ مهما كانت قدراتها محدودة - هي الهيئة الوحيدة التي تحاول فرض النظام في هذه الفوضى. وعلى الرغم من ان العمال هم فلسطينيون، فان سكان القرية الاصليين غير سعداء من وجودهم، ناشط التنظيم يستخدم تعبيرا فظا ضد «العمال الاجانب» الذين وصلوا على حين غرة، وهو يقول «ان أسعار الشقق تضاعفت في السنتين الاخيرتين، ونحن نضطر للتصدي لمشاكل في غاية القسوة الاغلبية الساحقة من العمال الذين يصلون الى هنا هم عزاب أو منقطعين عن أسرهم، والأطر العائلية التي بشكل عام تحل المشاكل في القرى العربية لا تعمل هنا». والنتيجة غير طيبة للسكان: ارتفاع كبير في عدد الأعمال الجنائية في القرية، بما فيها الاعتداءات الجنسية على النساء والمجادلات المالية بين العمال، ويقول أحد السكان: أُنظر الى شوارع القرية وسترى عشرات السيارات القديمة بلوحات اسرائيلية، هذه سيارات لم يعرف أصحابها اليهود كيف يتخلصون منها فباعوها بأسعار زهيدة «للعمال الاجانب» الذين يستخدمونها بحرية في القرية ولا يوجد أي خطر في ان تمسكهم الشرطة اذ انها غير معنية بما يجري داخل القرية، فقط عند حواجز الدخول والخروج. ويدعي ناشط التنظيم، الذي طُلب منه غير مرة ان يحل نزاعات بين العمال انفسهم، أو بين العمال وسكان القرية بأنه: «بالتدريج يأخذ هؤلاء العمال رزقنا منا، فهم يكسبون أقل ولهذا فمن الأسهل عليهم ايجاد عمل، ونحن الذين ندفع ضريبة الأرنونا لبلدية القدس ولدينا نفقات لا ننجح في إتمام الشهر بمرتباتنا، ان المشاكل هنا وصلت لدرجة انه قبل بضعة اشهر قتل شخص ما في القرية من منطقة الخليل، وسرعان ما تبين بأن أقرباء القاتل والقتيل يوجدون في عناتا ونشبت مشادة بالسكاكين بينهم، في هذه الحالة اضطررنا الى طرد أقرباء القاتل من القرية كي لا يقع قتل هنا». بقلم: ارنون ريغيولر _ عن «هآرتس»