الاربعاء 19 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 22 يناير 2003 عندما سئل اهارون ميلر ما هي لحظة الحضيض خلال الخمسة عشر عاما التي انشغل خلالها في الصراع الاسرائيلي - الفلسطيني في وزارة الخارجية الاميركية أجاب: «عليك ان تختار كل يوم من ايام العامين الماضيين». ميلر الذي خرج من منصبه في الاسبوع الماضي شاهد خلال العامين الماضيين كيف تبددت جهود عشر سنوات من العمل الدؤوب للتوصل الى حل للنزاع وانتهت بصراع دموي. أحد الاسباب الرئيسة لقرار ميلر بمغادرة منصبه هو ان حل النزاع قد استطال جدا وامتد لمرحلة مستقبلية مقبلة، ومن هنا قرر عدم الانتظار والخروج. ميلر يهودي، في الثالثة والخمسين من عمره، وقد كان مساعدا لوزير الخارجية دينيس روس ومستشارا لشئون الصراع الاسرائيلي - الفلسطيني في الآونة الاخيرة في وزارة الخارجية. واستنتاجه بعد هذه الفترة الطويلة من العمل هو ان هناك الكثير الذي يتوجب القيام به على الارض قبل احراز الحل في هذا الاسبوع سيبدأ منصبه الجديد في اطار منظمة «بذور السلام» التي تنشط في اوساط الشبيبة والطلاب الفلسطينيين والاسرائيليين بهدف ايجاد حوار وتفاهم كأساس للتعايش والسلام. ليست لديه اجابات وردود بسيطة على السؤال حول من يتحمل مسئولية التدهور. فانتقاداته موجهة للفلسطينيين وللاسرائيليين ولرفاقه في الادارة الاميركية ايضا الذين قادوا الامور نحو انهيار هذه العملية الواعدة. ولكنه على قناعة في مسألة واحدة وهي ان العودة الى طاولة المفاوضات والتوصل الى الحل السياسي لن تكون سهلة أو سريعة الآن. وهو يعتقد الآن ان هناك ضرورة لوقفة ملائمة بين نهاية «الارهاب» المنظم واستئناف المفاوضات، هذا بينما كان هو ورفاقه في الخارجية الاميركية يعتقدون خلال العامين الماضيين ان تردي الوضع على الارض سيدفع الطرفين للادراك بأنهما قد أوغلا وان عليهما التوقف. ميلر يقول اليوم ان هذا وهم وسراب «ولماذا سنرغب نحن الاميركيين في جلب دولة فلسطينية ذات علاقة بالارهاب الى العالم؟». وعلى الرغم من ذلك، فان ميلر يعتقد ان الامور التي اتفق عليها في اوسلو وكامب ديفيد وطابا ستكون نقطة الانطلاق المستقبلية عندما تستأنف المفاوضات بين الطرفين. اعتقاده هو ان الظروف والأخطاء وبعض سوء الفهم الأساسي هو الذي تسبب في رسم صورة سلبية لهذه الاتفاقات، ولذلك ما زال يؤمن بأهمية الجهود التي بذلها طاقم السلام الذي كان عضوا فيه، الا ان ثمارها ستظهر لاحقا حسب اعتقاده. ميلر كان طوال 25 سنة في وزارة الخارجية، وخلال العقد الاخير شارك في جهود تقريب اسرائيل والدول العربية من بعضهم البعض. وهو لم يصل الى الشخص رقم «1» في طاقم السلام الا انه كان دائما من وراء روس وانديك وجيرجيان وبيرنز. وكان في كل المواقع والمنعطفات في هذه المسيرة من مدريد وحتى طابا. بوش من ناحيته قام بتفكيك طاقم السلام قائلا انه من بقايا كلينتون، وهو نوع من النصب التذكارية لفشله في جلب السلام الى الشرق الاوسط. سلم أولوياته توجه نحو الخليج، ومن هنا اضطر روس للاستقالة ولحقه مارتين انديك، الا انهم طلبوا من ميلر العمل كمستشار في قضايا الصراع الشرق اوسطي التي اختص بها، ولكنه أصبح بعيدا عن مركز القرار. أما الآن فقد أدرك ان الوقت قد حان لمغادرة هذا المنصب ايضا. ميلر اليهودي وجد نفسه خلال عمله في اطار طاقم السلام بين المطرقة والسندان، فالعرب ادعوا انه متحيز لليهود، واليهود قالوا انه مصاب بكراهية الذات. ميلر يحاول تحليل اسباب فشل كامب ديفيد كمؤرخ وسياسي مجرب. فهو أولا يعتقد ان الأجواء كانت سلبية اذ تم احباط الخطوة قبل القيام بها بسبب الوضع القائم على الارض. واصرار طاقم السلام على عقد القمة رغم الأجواء السلبية في المنطقة يعود الى خشيتهم من تدهور الاوضاع أكثر فأكثر واندلاع اعمال العنف والعداء.ولكن لدى ميلر فرضية خاصة به لاسباب فشل قمة كامب ديفيد. كل شيء يبدأ في انتخابات 1999 ووعد باراك بسحب الجيش من لبنان. من هنا اضطر لاعطاء الأولوية للمسار السوري للانسحاب على أساس الاتفاق. وهذا الامر دفع الفلسطينيين للتمسك بحدود يونيو مثلما هو الحال مع الحدود السورية، كما أهدر الوقت على المسار السوري تاركا للادارة الاميركية سنة ونصف فقط لمعالجة المشكلة الفلسطينية ومتسببا في تبدد ثقة الفلسطينيين بنوايا اسرائيل التي لم تتوجه اليهم إلا بعد فشل قمة جنيف وتجاهلهم لستة اشهر. ميلر يفسر عدم ضغط اميركا على باراك حتى لا يدخل في المسار السوري بأن عرض باراك المشابه لمطالب دمشق هو الذي صعب عليها هذه الخطوة، وعموما يعتبر القيام بخطوات أحادية الجانب في الشرق الاوسط مسألة خاطئة لانها تفهم دائما على انها ضعف. من هنا يرفض التطرق لوعد متسناع بالانسحاب أحادي الجانب من المناطق حتى لا يتدخل في المعركة الانتخابية، الا انه يقول ان «عدم وجود تبادلية في المفاوضات بين اسرائيل والفلسطينيين هو سبب أكيد لبروز مشاكل جديدة». ميلر لا يوجه الانتقادات لباراك وحده بصدد فشل كامب ديفيد ويلقي بجوهر المسئولية على الفلسطينيين وعلى عرفات، لانه كان سلبيا ورفض اعطاء ردود مركزية على عروض باراك. كما يعتقد ان عرفات لم يرغب بالموافقة على عرض 90-91 في المئة من المناطق في قضية الحدود لانه وضع السادات نصب عينيه، الذي كان قد طلب مئة في المئة، وحافظ الاسد الذي حصل على عرض بـ 99 في المئة رغم عدائه لاسرائيل. ميلر ينتقد الاميركيين ايضا اذ لم يضموا قادة الدول العربية للقمة حتى يعطوا عرفات الثقة للتوصل للاتفاقات، ولانهم لم يفهموا ان حل الصراع سيتطلب أكثر من كامب ديفيد واحدة، ولسذاجتهم في الاعتقاد بامكانية الجسر بين الطرفين.ميلر كان ساذجا ايضا مثل رفاقه في طاقم السلام اذ اعتقدوا بأن الأعجوبة ستحصل في العلاقات حتى إبان مهمة انتوني زيني الاخيرة، وأغفلوا خلال نظرتهم الخاطئة هذه عدم توازي القوى بين الجانبين اذ أفقدت «قوة ضعف» الفلسطينيين شعور الاسرائيليين بالأمان ومكنت قوة اتخاذ القرار الاسرائيلية في تل ابيب من فعل ما يحلو لها في المناطق الفلسطينية. والآن سيحاول ميلر من خلال منصبه الجديد في منظمة «بذور السلام» ان يبدأ من الأسفل. أما في الخارجية الاميركية فلم يعينوا أحدا آخر بدلا من آخر بقايا كلينتون هناك، وربما يتم تعيين أحد ما بعد الحرب، الا ان واشنطن الآن في امور اخرى. بقلم: نتان غوتمان _ عن «هآرتس»