الاربعاء 19 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 22 يناير 2003 شهدت الفترة الماضية قدرا كبيرا من ردود الافعال التي سادها الشعور بالمفاجأة بجانب بعض الانتقادات الحزبية التي أتت بشكل غير مفاجيء حيال الجرأة التي اتسمت بها خطة الرئيس بوش الاقتصادية. ولكن في ضوء تلك التحديات التي نواجهها حاليا، هل كانت خطة اقل طموحا اكثر تناسبا مع الاوضاع الجارية؟ ان الاقتصاد الاميركي يمر بحالة من الانتعاش غير الطبيعي عقب فترة من الركود غير الطبيعي كذلك.فقد انخفضت مؤشرات البورصة للعام الثالث على التوالي، وجاء موسم الاجازات ليزيد من المخاوف المتعلقة بأن المستهلكين قد قرروا في النهاية الحد من معدلات الانفاق وفي الوقت نفسه تخوض الادارة الاميركية حربا مع الارهاب في مختلف ارجاء العالم وتستعد للدخول في حرب ضد العراق. في هذه الاجواء تكون الجرأة هي افضل خيار سياسي. غير ان هذه ليست وجهة نظر الديمقراطيين، فبدلاً من الاقرار بالتغييرات الكبيرة التي تواجه الاقتصاد والدولة والتجاوب معها تقدم الديمقراطيون بخطة اقتصادية للتنشيط المحدود سوف تبقي على الوضع الراهن كما هو وتمسكوا بالمناقشات والآراء البالية نفسها التي يؤيدون من خلالها الافكار العتيقة نفسها بشأن الاقتصاد. فباديء ذي بدء، قاموا بمهاجمة بوش بسبب تركيزه الزائد عن الحد على محاربة الارهاب وعدم تركيزه بقدر كاف على الاقتصاد. وكما سبقت الاشارة في هذا الشأن، فإن القضيتين لا يمكن فصلهما احداهما عن الاخرى فمزيد من الهجمات الارهابية على الاراضي الاميركية أمر يندرج تحت اخطر التحديات الاقتصادية التي تواجه الدولة.فتقديرات بروكينجز تشير الى ان حدوث هجمة بيولوجية واحدة على احدى المناطق المدنية الكبرى بالبلاد يمكن ان تتسبب في خسائر واضرار اقتصادية تصل قيمتها الى 750 مليار دولار. اذن فإنه لا يمكن فصل الاقتصاد عن السياسة. وبعد ذلك اتهم الديمقراطيون الرئيس الاميركي بانه ينفق اموال الدولة بشكل غير مسئول ويتسبب في حدوث عجز في الميزانية، ولكن كما كتب روبرت رايتش، السكرتير السابق للرئيس الاميركي السابق بيل كلينتون، مؤخرا فإن «هؤلاء الصقور من الديمقراطيين المعنيين بعجز الميزانية يفهمون الامور بشكل خاطيء تماما، فالاقتصاد في حاجة الى حافز مالي بشكل فوري حاليا، وهو ما يعني ان الحكومة الفيدرالية مضطرة لان تمر بمواقف يحدث فيها عجوزات كبيرة في الميزانية».والآن يستخدم الديمقراطيون تكتيك «حرب الطبقات» وهي المناورة نفسها التي استخدت بشكل ناجح لافشال نجاح جورج بوش الأب من تولي فترة رئاسية ثانية، وهي التجربة المريرة التي يواصل بوش الابن تعلم دروسها، غير ان خطة بوش الاقتصادية الحالية تخلو من فرض ضرائب على الارباح، وهو الامر الذي يستفيد منه حوالي 70% من الناخبين الذين يستثمرون في الأسواق وكذلك عدد كبير من الكبار الذين يعتمدون على العائد على هذه الارباح. كما ان هذه الخطة تستفيد منها العائلات العاملة واصحاب المشروعات الصغيرة والعاطلون .غير انه على الرغم من ذلك فان هذه الجرأة من الرئيس يمكن ان تتسبب في نتائج غير مرغوب فيها.فقد ظهرت بالفعل آراء مفادها ان هذه الخطة ليست تحفيزية بقدر ما هي عبارة عن اعادة هيكلة للنظام الضريبي على المدى الطويل، وهو الامر الذي ان صدق فإن الناخبين ربما لن يشعروا بتحسن في الاحوال الاقتصادية عندما يذهبون الى صناديق الانتخاب في عام 2004وهذا هو الامر الذي يمكن ان يمثل اكبر التحديات التي يقابلها بوش، فعن طريق تقدمه بمثل هذه الخطة الطموحة، رفع بوش من مستوى التوقعات بأن السياسة المالية يمكن ان تحفز الاقتصاد في وقت لا يزال يعج بقدر كبير من المتغيرات والقلاقل، مثل امكانية حدوث حرب ضد العراق وارتفاع اسعار النفط. وهناك كذلك مشكلة الوحدة بين الجمهوريين، فالسيناتور جون ماكين بالفعل يتذمر من الاعفاءات الضريبية التي يستفيد منها ابناء الطبقة الوسطى. وبينما يتمتع بوش بأغلبية في مجلسي الكونغرس، فإن هذه الاغلبية، تعتبر ضئيلة ويمكن ان تنهار. كما ان الديمقراطيين يمكنهم العودة الى مسرح الاحداث والتعلم مما حدث في انتخابات 1992 الرئاسية، فقد ادت انتقادات الديمقراطيين الحادة للمشكلات الاقتصادية حينذاك الى تناقص معدلات التأييد التي كان يتمتع بها بوش الاب من 89% الى 29% فقط خلال ما لا يزيد عن 17 شهرا على الرغم من ان الاقتصاد كان ينمو. وسوف يلجأ الديمقراطيون الى هذه المحاولة في حال عدم نجاح خطة بوش بشكل سريع نسبيا.فبوش يحتاج الى حدوث انتعاش اقتصادي قوي في الفترة من الآن الى يوم الانتخابات، وقد اختار بدوره خطة طموحه، جريئة، لاحداث ذلك الانتعاش، غير ان الامر لا ينبغي ان يأتي بشكل مفاجيء، ففي ضوء التحديات التي تواجه الاقتصاد والدولة بشكل عام، وفي ضوء ما حدث لبوش الاب، يبرز السؤال: هل يملك بوش الابن بالفعل خياراً في يده؟ بقلم: لودوبز _ ترجمة: حاتم حسين _ خدمة «لوس انجلوس تايمز» خاص لـ «البيان »