الاربعاء 19 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 22 يناير 2003 يحوم احساس بالخوف في الاجواء، لا يقل ثِقلاً عن رائحة النفط الخام التي تثقل الهواء، حول جموع سائقي الشاحنات القلقين الذين يصطفون بانتظار دورهم عند المعبر الحدودي الوحيد المفتوح حالياً على الحدود التركية العراقية. ويشعر سائقو صهاريج النفط، الذين يعبر الحدود 800 منهم يومياً، بقلق عميق من احتمالات شن حرب أميركية ضد العراق وما سيكون لذلك من أثر سلبي للغاية على حياتهم المضعضعة أصلاً. يقول المسئولون الأتراك على المعبر الحدودي إنه قبل حرب الخليج الأولى كانت حوالي ألفي شاحنة تعبر الحدود يومياً. غير ان الحرب وما تلاها من عقوبات اقتصادية ضد العراق حرمت عشرات الألوف من السائقين الأتراك من مصادر رزقهم. ويقولون إن حرباً أخرى لن تعمل إلا على زيادة الأحوال سوءاً. يقول إلهامي زنغين السائق الذي ينتظر دوره لدخول الأراضي التركية عائداً من العراق: «لو أغلقوا هذه الحدود، ولو لشهرين فقط، فلن نتمكن من إعالة عائلاتنا». بدوره ظل عبدالله غول رئيس الوزراء التركي، حتى الآن، يرسل مناشدات مشابهة للعالم لتجنب حرب ضد العراق. ويقول غول الذي زار سوريا ومصر والأردن والسعودية، مؤخراً، إن عواقب الحرب ستكون «وخيمة» واقترح تعزيز هذه الدول لجهودها لإيقاف التحرك نحو غزو عسكري للعراق. وتأتي جولة غول المناوئة للحرب هذه ضمن محاولة لتطوير العلاقات مع جيران تركيا العرب ـ تأتي ضمن رد حكومته التي أصبح عمرها شهرين على مخططات ادارة بوش الحربية، فالحكومة التي يتزعمها حزب العدالة والتنمية التركي ذو التوجه الاسلامي وعدت بإخراج تركيا من أزمتها الاقتصادية. وهذا ما جعل القادة الأتراك يتجادلون حول ما إذا كانت بلادهم تستطيع قبول التكاليف ـ العقيدية والمالية ـ للوقوف بجانب قرار الحرب. فتركيا، الى جانب خسارتها لمداخيل النقل وتكبدها تكاليف اضافية نتيجة استيراد نفط غير عراقي لتدوير عجلة اقتصادها، قلقة أيضاً من أن الحرب ستفجر أزمة لاجئين أكراد جديدة. وهي تقول إن خسارتها بفعل أي حرب جديدة تشن ضد العراق ستبلغ 28 مليار دولار. وتتوقع تركيا من ادرة بوش ان تعمد الى تخفيف الخسارة التركية الناجمة عن تقديمها للدعم التركي الذي تحتاجه واشنطن لشن هجوم على شمال العراق. إذ تتضمن خطط بوش الحربية الهادفة للإطاحة بحكومة الرئيس العراقي هجوماً برياً من الشمال ومن الجنوب. وتتحدث بعض التقارير عن حملة وفق طراز التحالف الشمالي الأفغاني بموافقة وربما مساندة محتملة من الجماعات الكردية في شمال العراق. غير ان دور تركيا في هذه العملية يظل ذا أهمية حاسمة، وهي جارة العراق وعضو «الناتو» والحليف القديم لأميركا. ورفضها التعاون يمكن أن يحرم ادارة بوش من الشرعية الاقليمية التي تحتاجها للمضي قدماً بالحملة العسكرية. وكان مسئولون رفيعو المستوى من وزارة المالية الأميركية قد زاروا أنقرة، قبيل رأس السنة، وأوضحوا لنظرائهم الأتراك ان ادارة بوش تدرك انها ستعوض تركيا مالياً مقابل استخدام قواعدها العسكرية وخطوطها الحديدية وموانئها. غير ان أي تعويض مالي لا يحتمل انه سيقنع الحكومة التركية بالتعاون التام، وهي الكارهة للسماح للأميركيين باستخدام الأراضي التركية كمنطلق للهجوم على دولة اسلامية شقيقة. وقد أظهر استطلاع حديث للرأي أجراه مركز «بو» للبحوث ان 83% من الأتراك لا يعتقدون ان أميركا يجب أن تحصل على الإذن باستخدام القواعد التركية لشن حرب على العراق. وتقول تركيا إنها خسرت 40 مليار دولار، حتى الآن، من تجارتها مع العراق خلال العقد الماضي. فقبل حرب الخليج كان العراق هو الشريك التجاري الثاني لتركيا بعد ألمانيا. وفيما لم توضح واشنطن بعد علناً ما هي جملة المساعدات التي ستقدمها لتركيا، فإن الأخيرة حافظت على القدر نفسه من الغموض حيال مدى التزامها بالتعاون مع واشنطن. وتقول تركيا الآن إنها تريد انتظار قرار ثان من الأمم المتحدة، وهو ما لن يتم قبل أن يقدم هانز بليكس رئيس فريق مفتشي الأمم المتحدة في العراق قراره النهائي حول تعاون العراق مع فريقه. أضف لذلك ان الدستور التركي يشترط موافقة البرلمان المسبقة على استخدام أي قوات أجنبية للأراضي التركية. لكن حينما تكون حسابات الأتراك لما خسروه وسيخسرونه تفوق ما يعرض عليهم، فستصبح مزايا الغزو العسكري سلعة يصعب على واشنطن تسويقها في تركيا. يقول علي كاركوغلو، مدير المؤسسة التركية للدراسات الاقتصادية والاجتماعية في اسطنبول: «إذا اندلعت حرب شاملة في العراق فستتوقف حركة السياحة تماماً في تركياً. والدخل التركي من السياحة يبلغ 8 إلى 10 مليارات دولار سنوياً. اضافة لهذا يجب علينا حساب زيادة أسعار النفط وتأثيرها علينا لأن تركيا تعتمد على واردات النفط. والمخاوف من فقدان واردات النفط من العراق تظل مسألة مهمة جداً في جدل الحرب الدائر في تركيا. فالعقوبات الاقتصادية الدولية التي فرضت على العراق عقب حرب الخليج حرمت تركيا من أهم مصادرها النفطية. لكن مع الوقت عثرت تركيا على طرق أخرى للحصول على هذه الواردات بأساليب غير شرعية عن طريق البر. ويقول المسئولون الاتراك انهم تعرضوا خلال العام الماضي لضغوط أميركية متجددة للالتزام بفرض العقوبات مما أدى لوقف استيراد الديزل العراقي، وليس النفط الخام. غير ان المراقبين الأجانب والدبلوماسيين الغربيين يقولون إن قرار تركيا بوقف استيراد الديزل العراقي كان بدافع مصالح سياسية. فقد أدركت تركيا أن الحزب الديمقراطي الكردستاني، وهو أهم احزاب المعارضة في الشمال العراقي يحقق ثراء من تجارة الديزل هذه مما يساعده على ارساء استقلال ذاتي كردي في المنطقة بفعل الأمر الواقع. وينظر في تركيا لاحتمال وصول هذا الحزب أو غيره من الاحزاب الكردية للسلطة ضمن فيدرالية عراقية جديدة كتهديد لها. وتتخوف تركيا من أن أي تعزيز سياسي آخر للأكراد في شمال العراق سيشجع مواطنيها الأكراد على العودة لحرب العصيان بعد سنوات قليلة فقط من وقفهم للمعارضة المسلحة بعد القبض على عبدالله أوجلان زعيم حزب العمال الكردستاني عام 1999. كما يتخوف الأتراك أيضا من أن اكراد العراق سيستغلون انهيار الحكومة المركزية العراقية للاستيلاء على حقول النفط في كركوك والموصل. وقد حذرت تركيا واشنطن من أن هذا ان حصل فإن الجيش التركي سيتدخل. وللبرهنة على هذه النوايا ضاعفت تركيا، مؤخراً، وجودها العسكري في شمال العراق إلى 12 ألف جندي، كما ذكر مصدر أمني لم يكشف عن اسمه. ومع أن الموقف الرسمي التركي مفاده ان الحرب يجب تجنبها، فإن أنقرة لم تستبعد الفوائد التي ستحصل عليها من تغيير الحكومة العراقية. فقد قال يسار ياكيس وزير الخارجية التركي، مؤخراً، إن تركيا قد تكون لها مطالب شرعية في حقول النفط شمال العراق. وقال ياكيس لصحيفة «حريات» التركية ان وزارته تدرس المعاهدات التي تعود الى العشرينيات من القرن الماضي لترى إن كان لتركيا الحق في المطالبة بحقول كركوك والموصل النفطية الهائلة، اللتين كانتا تحت الحكم العثماني. واضاف: «إن كان لنا هذا الحق فسنبينه للمجتمع الدولي ولشركائنا لضمان الحصول عليه. وتعود هذه المزاعم التركية في أحد جوانبها للطائفة التركمانية العراقية في الشمال التي ينظر اليها المسئولون الاتراك على أنها تتعرض للاضطهاد على يد الاحزاب الكردية هناك. وقد قالت تركيا للأميركيين إنها ستكون مضطرة للدفاع عن التركمان المهددين ـ وهم من العرق التركي ـ وأن هؤلاء يجب أن يكون لهم دورهم القوي في أي حكومة في شمال العراق بعد الحرب. وحين تزعم التقارير التركية ان عدد التركمان العراقيين يتراوح ما بين 3 و 5 ملايين، يعتقد المسئولون الاتراك أن عددهم لايتجاوز 700 ألف نسمة. ويظل من الصعب تخيل كيف يمكن للعمل والتجارة ان يتطورا في هذه الناحية الأكثر فقراً في تركيا. إذ أن 70 في المئة على الأقل من الاقتصاد المحلي قائم على الزراعة ويعتبر العراق واحداً من أكثر الزبائن حاجة لبضائع هذه المنطقة. وقد سمحت الأمم المتحدة لبغداد بشراء الأغذية والسلع الأخرى من تركيا ضمن برنامج النفط مقابل الغذاء. وتقول جمعية الصناعيين والتجار لجنوب شرق الأناضول في ديار بكر إن حوالي 52 الف شاحنة قد توقفت عن العمل نتيجة القيود المفروضة على مبيعات النفط العراقي. وأصبحت هذه الشاحنات المتوقفة تملأ حقولا ضخمة بأكملها عند الاراضي الحدودية، وكأنها محاصيل محروقة. وفي معبر الحابور الحدودي الواقع بين الجبال التركية والعراقية يبدو الجو كئيباً. فنائب عمدة البلدة الحدودية يقول إن ما بين 8 و 9 آلاف طن من النفط الخام يمر في البلدة يومياً، أي أقل بكثير من طاقة المعبر التشغيلية. وبعض السائقين ما عاد يجرؤ على الذهاب بشاحنته إلى العراق، خوفاً من أن يجد نفسه عالقاً بين نيران المتحاربين. الشكوك تملأ النفوس في الحابور. خليل آرال السائق الذي يعيل أسرة مؤلفة من ثمانية أفراد على ما يتراوح ما بين 300 و600 دولار شهريا تبعا لعدد النقلات التي يتمكن من نقلها يقول: «لو أغلق هذا المعبر الحدودي فسنجوع كلنا» ترجمة : جلال الخليل _ عن «كريستيان ساينس مونيتور»