الثلاثاء 18 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 21 يناير 2003 القادة الفلسطينيون وشخصيات عامة كثيرة تعتقد وبحق بأن العمليات الانتحارية ضارة للقضية الفلسطينية، الا ان كل الضغوط لا تسعف في شيء لأن العمليات تحدث من الأسفل حيث الواقع الأليم والصعب. يبدو ان اغلبية الجمهور في اسرائيل تقدر أن العمليات الفلسطينية الدموية لا تتوقف لأن القادة الفلسطينيين برئاسة ياسر عرفات لا يفعلون شيئا لمنعها. المتحدثون الاسرائيليون الرسميون وارييل شارون من بينهم يواصلون اتهام ياسر عرفات والسلطة الفلسطينية بالمسئولية عن العمليات، وهناك عدد غير قليل من الاسرائيليين المتأكدين بأن هناك أطرافا في القيادة الفلسطينية تبادر لشن العمليات وتقوم بتنظيمها. هذه الامور تتناقض بصورة مطلقة مع المواقف العلنية التي يصرح بها ياسر عرفات وأتباعه منذ مدة طويلة. عرفات والقيادة الفلسطينية صرحوا مرات عديدة خلال الشهور الاخيرة معبرين عن التزامهم بوقف اطلاق النار وظلوا يرددون نداءاتهم لعدم التعرض للمدنيين. محمود عباس (أبو مازن) الرجل الثاني في م.ت.ف يكرر كل الوقت موقفه القائل ان استخدام الوسائل العسكرية في الانتفاضة «عسكرة الانتفاضة» يتسبب في ضرر بالغ للقضية الفلسطينية، وياسر عبد ربه عضو القيادة الفلسطينية أوضح السبب مؤخراً أمام مؤتمر لندن الذي يحول دون جعل العمليات الانتحارية بلسما يداوي جراح الفلسطينيين. نبيل أبو ردينة مساعد عرفات المقرب والناطق باسمه أفاد مؤخراً بأن «الرئيس قد صادق على المسودة المصرية الداعية الى وقف العمليات ضد المدنيين الاسرائيليين»، هذه كانت الطريقة المعتادة عند عرفات وقادة فتح للقول انه لا يتوجب تنفيذ عمليات داخل اسرائيل ـ التوضيح من الناحية الاخرى بأن ضرب الاهداف الاسرائيلية في داخل المناطق مشروع لأنه صراع ضد الاحتلال المتمثل بالجنود والمستوطنين. وهناك ايضا قائمة طويلة من الاكاديميين الفلسطينيين المثقفين والشخصيات العامة تعارض هي الاخرى شن العمليات الانتحارية، وهم يعبرون عن مواقفهم هذه باللغة العربية وأمام وسائل الاعلام العربية والفلسطينية. أي ان الامر ليس محاولة فلسطينية لنيل اعجاب الاجانب وانما موقف واضح وصريح ومحاولة وقف حملات القتل في داخل اسرائيل على الأقل. والتفسير المعتاد والشائع الذي يسوقه المعارضون لشن العمليات في داخل اسرائيل هو الضرر السياسي الكبير الذي تتسبب فيه هذه العمليات للقضية الفلسطينية. قادة الدول العربية وعلى رأسهم القيادة المصرية والاردن والسعودية يمارسون هم ايضا الضغوط على عرفات وأتباعه من اجل وقف العمليات الانتحارية التي تتسبب في انطباعات سيئة في العالم. القادة العرب يقومون بذلك ليس خوفا على المصالح الفلسطينية وانما لأنهم يواجهون جوابا جاهزا من اوروبا وامريكا كلما توجهوا لطلب شيء منهم: اذهبوا لياسر عرفات أولا وافعلوا كل ما في وسعكم لايقاف عمليات الانتحاريين. الدعوات الفلسطينية والعربية لايقاف هذه العمليات ترتكز الآن على ادعاء جديد آخر وهو ان العمليات تعزز من قوة ارييل شارون وتساعده في حملته الانتخابية هو واليمين الاسرائيلي. قبل عدة ايام وإبان هبوط شعبية الليكود في استطلاعات الرأي بسبب قضايا الفساد تحدثوا في القيادة الفلسطينية بأن هذا هو الوقت المناسب لايقاف العمليات كليا فلربما حدث الانقلاب السياسي المنشود في اسرائيل ودفع ذلك الاسرائيليين الى انتخاب عمرام متسناع. المتحدثون الفلسطينيون تحدثوا في السنوات الاخيرة بافتخار على ان القيادات الاسرائيلية تتبدل بسرعة لأنها تفشل في المواجهة مع الفلسطينيين. والآن يتضح ان هذا الامر لا ينطبق على ارييل شارون الذي حافظ على قوته خلال العامين الاخيرين لا بل وعزز من قوته على الرغم من انه فشل في سياسة القوة التي اتبعها لوقف الانتفاضة والعمليات حسب كل المقاييس، فكيف يمكن تفسير ذلك؟. هاني المصري، وهو محلل ماهر في صحيفة «الايام» الفلسطينية كتب مؤخراً مقالة ضد العمليات الانتحارية التي تتنافس مع الاحتلال باستخدام الاساليب العنيفة نفسها. المصري وصف في مقالته المعضلة التي يمر بها الفلسطينيون مع شارون. فالايقاف التام للعمليات سيكون الآن مثابة جائزة لشارون الذي يستطيع الادعاء بأنه قد نجح في القضاء على الارهاب ـ وبذلك سيفوز في الانتخابات. ولكن التجربة الفلسطينية تفيد حسب رأي المصري بأن العمليات قد ساعدت اليمين دائما. وقد تسببت في السابق في افشال شمعون بيريز وايهود باراك وأوصلت شارون ونتانياهو الى سدة الحكم. المصري أجمل قوله بأن هذا الامر ليس منطقيا الا انه الحقيقة، وأورد سلسلة من الادعاءات التي تبرهن على ضرورة ايقاف العمليات. معارضة شن العمليات داخل الخط الاخضر عموما وارهاب الانتحاريين خصوصا واسع جدا اذا. الجيش الاسرائيلي واجهزة الاستخبارات الاسرائيلية يبذلون جهودا هائلة في محاولاتهم لاحباط العمليات. وهناك تفكير عميق واستخدام هائل للوسائل الحديثة والتقنية لتدمير البنية التحتية للارهاب. في القيادة الفلسطينية تسود كما أسلفنا معارضة للعمليات ويعبرون صبح مساء عن ضرورة ايقاف العمليات ضد المدنيين، هذا بينما تمارس الدول العربية ضغوطها ومعها ايضا اوروبا وامريكا التي انضمت لاسرائيل في الواقع في معركة عزل عرفات ومقاطعته. فلماذا لم يساعد ذلك في شيء؟ ما الذي يغذي الجرأة والدافعية التي يتحلى بها اولئك الفلسطينيون الذين ينطلقون للقتل رغم علمهم بمعاناة السكان الفلسطينيين والدمار الهائل الذي يلحق بنسيج الحياة الفلسطينية كله؟ فلماذا لا ينصاعون ولا يصغون لنداءات قادتهم ولا يستجيبون للضغوط والمناشدات التي تصدر عن الدول العربية والعالم كله؟ حقيقة وجود دعم جماهيري وشعبي للعمليات مسألة برهن عنها منذ زمن. فكل استطلاعات الرأي في الضفة وغزة منذ اندلاع الانتفاضة في سبتمبر 2000 سجلت دعما بنسبة 50 في المائة للعمليات الانتحارية. ونسبة التأييد في بعض الاحيان تجاوزت هذه النسبة بكثير. بعد عملية تل ابيب الاخيرة قبل اسبوعين سئل زعيم الجهاد الاسلامي، الشيخ عبد الله رمضان شلح، الموجودة في دمشق، عن معارضة شن العمليات كما انعكست في المحادثات الجارية في القاهرة فأجاب بثقة: «اي معارضة للعمليات؟ 80 في المائة من الجمهور الفلسطيني يؤيدون الانتحاريين!». هذه المسألة معروفة جيدا ايضا لقادة حماس وفصائل المعارضة الفلسطينية الاخرى التي تبادر للعمليات. خالد مشعل رئيس المكتب السياسي في حركة حماس قال مؤخراً انه لا يعقل ان تنضم حماس للمباحثات حول ايقاف العمليات. «لم نفعل ذلك في السابق ولن نفعله في المستقبل ايضا» قال. من وراء تصميم الجهات التي تقف وراء اعمال الانتحاريين وثقتها بنفسها يوجد سبب أساسي واحد: الدعم القوي الذي يحصلون عليه من الطبقات الشعبية الفلسطينية. أبناء مخيمات اللاجئين في غزة وسكان القرى وأحياء الفقر في المدن والبلدات في الضفة يتمسكون اليوم بالدين الاسلامي أكثر مما كانوا عليه قبل عقود. فالبطالة تفشت عندهم والفقر تعمق بعد خسارتهم لاماكن عملهم في اسرائيل، وهم يعيشون في ظروف الفاقة اليومية بسبب الحصار والحواجز والعقوبات الجماعية والاعتقالات وحملات التفتيش. هذا هو الواقع الذي يشكل مصدر دعم ليس فقط للمتعصبين في حماس والجهاد وجبهات الرفض اليسارية وانما لنشطاء فتح ايضا في كتائب شهداء الأقصى الذين لا يصغون لأوامر قادتهم.والدافع وراء هذه العمليات جاء من الأسفل: من ذلك الفلسطيني المقهور والمشبع بالانتقام الذي أصبح نافرا من قيادته وأصبحت في نظره زمرة من الفاسدين. الجمهور الفلسطيني يهزأ من الحوار الجاري في القاهرة ومن مؤتمر الاصلاح في لندن ويسخر من الحملات الدبلوماسية الساعية للتهدئة. ولأن الدافعية تأتي من الأسفل وليس من القيادة فان الازمة هي في هذه المرة من أشد الازمات في تاريخ الصراع الدائر في شرق المتوسط. بقلم: داني روبنشتاين _ عن «هآرتس»