الثلاثاء 18 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 21 يناير 2003 اساليب عمل الديمقراطية الاميركية يمكن ان تبدو مربكة ومحيرة لاي مراقب منطقي. ويجد المرء نفسه امام لغزين مبهمين في هذا العدد: الأحجية السياسية والمتاهة الاقتصادية. ـ كيف سيتصرف فريق الرئيس جورج بوش فيما يتعلق بحرب العراق، ومباشرة كوريا الشمالية في العمل على برنامج اسلحة نووية وبالطبع تهديدات ارهاب القاعدة المتواصلة في مرحلة ما بعد 11 سبتمبر؟ ـ من دون سابق انذار تقريباً، اقدم بوش المنتشي بفوزه المدوي مؤخراً باغلبية جمهورية في الكونغرس، على الاعلان عن سلسلة برامج اقتصادية جديدة بعيدة المدى. وعلاوة على ذلك، فبعد اقالة مهندسيه الاقتصاديين السابقين ـ بول اونيل في وزارة الخزانة ولورنس ليندسي في البيت الابيض ـ قام بوش بتعيين فريق جديد من المستشارين الاقتصاديين.قبل عقدين من الآن، كان رئيس اميركا النجم السينمائى السابق رونالد ريغان يعرف باسم رئيس «تيفلون» لان معظم اخطائه الفاضحة وتناقضاته الذاتية كانت تعامل بقدر كبير من اللامبالاة ولم تكن تحسب ضده. والرئيس بوش ربما يدخل كتب التاريخ بوصفه «الرئيس الزجزاجي».عندما جاء بوش ومستشارته لشئون الامن القومي كوندوليزا رايس إلى البيت الابيض، بديا وكأنهما انعزاليان اميركيان من الطراز القديم الحسن الذي يفضل الانكفاء على ذاته. والآن بعد عامين ها هي الولايات المتحدة متورطة على جبهتين منفصلتين: غزو مؤكد تقريباً للعراق، ونزاع مزعج مع حكومة مستبدة في كوريا الشمالية، مصممة على استخدام قدرة تسلح نووي حديثة العهد لابتزاز بقية العالم.في ايام الاثنين والاربعاء والجمعة يناقش الرئيس بوش التجارة الحرة المناضلة. وفي يوم السبت يستسلم لجماعات الضغط في صناعة الفولاذ ويفرض تعريفات قديمة على الواردات. هل من المفاجيء ان يلعب سياسي لعبة السياسة؟ان اقالة اونيل وليندسي لم تكن بسبب اعتقاد بوش بأنهما يدعمان الامور الخاطئة، بل بسبب ضعف ادائهما في الترويج للامور التي يحبذها بوش.ثمة إنموذج مفهوم وراء ما قد يبدو عشوائياً ومشوشاً في منظور سطحي. فحتى الوقت الراهن لا يزال جمهور الناخبين يعاني من آثار ما بعد الفقاعة الاقتصادية التكنولوجية: خسائر مزمنة في سوق الاسهم، تسريحات للموظفين بالجملة، تقارير محزنة عن الارباح، وافلاسات كثيرة في عالم المال والاعمال. ان ذاكرة الناخبين قصيرة جداً، كما هو معروف لكنها ليست قصيرة بحيث ينسون، كيف بدا الوضع افضل خلال رئاسة بيل كلينتون، حين ساد ما عرف باختصار شهر عسل كلينتون. اجل ان المواطنين الاميركيين جميعاً يلتفون حول بوش عندما يتحرك لحماية سلامتنا وامننا. لكن مع ذلك فإن المقامرين في الحجرات الخلفية للبيت الابيض يخشون من ان الناخبين المستائين قد يشرعون في القاء اللوم على الزعيم لكونه غير مهتم بما يكفي بحالة الرفاه الاقتصادي المحلي. وهناك عامل آخر يتسم بالثبات والاستمرارية في اجندة بوش. لقد كان فوزه في انتخابات عام 2000 هزيلاً جداً بحيث استدعت المسألة ان يكون برنامج الجمهوريين الخاص بخفض الضرائب والمعد ليكون مواتياً لتوق اصحاب الشركات الاثرياء لمزيد من الحوافز المالية مصمماً للمستقبل البعيد 2005 إلى 2010. ولذلك فإن اي ضعف عياني حالي يمكن توظيفه كحجة مقنعة لصالح ترسيخ وتوسيع افق رؤية بوش المبتكرة. «اضرب الحديد وهو حام» مقولة فاتورة قديمة يقتدي بها السياسي المكيافيللي.وإلى الآن لا يدرك «وول ستريت» مدى التآكل الذي ستتعرض له قاعدة الضرائب حالما يبدأ محاسبو الشركات الكبرى في فهم كيف يمكن للنظام الجديد المساعدة في تبخير ضرائب ارباح رأس المال الضمنية التي عملت طبقات المداخيل العالية في مجتمعنا على تأخير الاعتراف بها قدر الامكان.فلنتجاهل دقائق التهرب من الضرائب وفعالية المحفزلات المالية لنوجز الامور الجوهرية. هل البرامج المالية للسنة المقبلة، كما مررها الكونغرس، سوف تحمي دورة المال والاعمال الاميركية والعالمية من فترة «ركود مزدوج»؟. لدي حدس قوي بأنه من الآن إلى نوفمبر 2004، ستكون السياسة الحكومية المالية متراخية ومهلهلة بما يكفي لمواصلة سير القاطرة الاقتصادية الاميركية إلى الامام برشاقة متوسطة.وهذا هو الاعتبار الاهم بالنسبة للطبقات الاجتماعية بمختلف مستويات الدخل في اميركا. كما ان ذلك يطمئن الاقتصاد العالمي: حيث ان القاطرتين الالمانية واليابانية متوقفتان على نحو ينم عن الكسل والبلادة، ستبقى اميركا سوق واردات جيدة إلى حدٍ بالنسبة للمنتخبين في اوروبا وآسيا واميركا اللاتينية.لكن في نهاية المطاف، يجب ان لا ننسى ابداً ان المستقبل ابعد امتدادا الحاضر. والسياسة الجيدة تتطلب الانشغال الكامل الآن بالامور التي سنواجهها بعد عام 2004. وهناك دائماً غداً آخر بعد الغد.ولنلاحظ ايضاً، انه ليس بوسع رؤساء بلدان اليورو اليوم فعل اي من الاشياء الجيدة او السيئة التي استطاع فعلها رئيس صندوق الاحتياطي الفيدرالي آلان غرينسبان او جورج بوش. فالمصارف المركزية في كل من فرنسا وايطاليا والمانيا جردت من سلطاتها المستقلة وقدرتها على الاتكاء على رياحها المحلية السائدة.يقولون: «لن تجني العسل حتى تتحمل ابر النحل» لكن المستقبل وحده سيظهر لنا في اميركا ما اذا كان كان ألم لسعات النحل اكبر من لذة جني العسل. بقلم: بول صامويلسون _ ترجمة: علي محمد _ خدمة «لوس انجلوس تايمز» خاص لـ «البيان»