الثلاثاء 18 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 21 يناير 2003 اذا كانت الحرب الباردة هي الميدان الاساسي التي بذلت فيه الاجهزة السرية الكثير من جهودها واستخدمت افضل مواهبها في فترة مابعد الحرب العالمية الثانية، فانها لم تكن مع ذلك الميدان الوحيد. ان حروب التحرر من الاستعمار كان لها ايضا آثارها على الدول الاستعمارية، التي كان اللجوء الى الاجهزة السرية احد الادوات التي استخدمتها للمحافظة على مصالحها، كانت حروبا «محيطية» لكنها اشعلت لعدة سنوات احيانا ما بين عقد الخمسينيات وعقد السبعينيات من القرن الماضي (العشرين) ومن اهم تلك الحروب «المحيطية» حروب التحرر الوطني في منطقة الهند الصينية والحرب الجزائرية والحرب الشيشانية. كما ان الملف الصيني يكتسي اهمية خاصة، رغم عدم دخول الصين في أية حرب طويلة .. لكن الصين تمثل خمس سكان العالم تقريبا. وعندما انتهت الحرب العالمية الثانية عام 1945 كانت منطقة الهند الصينية الفرنسية في حالة شبه ثورية، وبعد استسلام اليابانيين، الذين كانوا قد احتلوا جزءا من الهند الصينية، احتل الصينيون شمال الهند الصينية، وحل الفرنسيون سريعا مكان القوات الانجليزية في الجنوب، وبشكل عام بدا الوضع مشوشا ومربكا اذ كانت تتعايش جمهورية فيتنامية مستقلة لكنها تنتمي مع ذلك الى الفيدرالية الهندية الصينية الخاضعة بدورها لـ «الاتحاد السوفييتي»، كما كانت تسمى الامبراطورية الاستعمارية الفرنسية آنذاك. وفي عام 1946 انفجر النزاع بين الفرنسيين وبين الفيتناميين الشيوعيين بقيادة هوتشي منه وبدعم من موسكو ثم بدعم من الصين بعد انتصار ماوتسي تونغ عام 1949. كان وجود الاجهزة السرية الفرنسية كبيراً نسبياً في فيتنام. وطيلة فترة الحرب العالمية الثانية كان جهاز الاستخبارات للمناطق المستعمرة بقيادة العقيد «نيو» والكابتن «سالان» مرتبطا نظريا بحكومة فيشي، المتعاونة مع الاحتلال النازي ـ ولكنه كان في الواقع يقدم المعلومات للانجليز والاميركيين وكان الضباط الفرنسيون يحيطون في لاوس بالميليشيات المناوئة لليابانيين لكن منذ تلك الفترة من مقاومة الفيتناميين ضد اليابانيين احجمت الولايات المتحدة عن مساعدة فرنسا، ذلك لان واشنطن كانت تريد ان تتحطم الامبراطورية الاستعمارية التي تجعل من فرنسا قوة كبرى محتملة، وبالتالي منافساً محتملاً لمشروع الامبراطورية الاميركية، لذلك شجعت واشنطن سرا فيتنام المستقلة، التي كان اليابانيون انفسهم قد اعلنوا «استقلالها» والجلاء عنها. لكن في عام 1946 اقترح ممثلون عن الاجهزة السرية الاميركية من بينهم الكولونيل ادوارد لانسدال مساعدة فرنسا من اجل تشكيل «مجموعة عمل» في الهند الصينية من اجل النضال ضد تنامي قوة الشيوعيين .. وكان من الواضح ان الاميركيين كانوا يريدون تولي قيادة تلك المجموعة، الامر الذي لم تكن باريس تقبله ابدا، وقام الجيش الفرنسي بتشكيل مجموعات كوماندوز مختلطة محمولة آليا لتقوم بحرب عصابات في الغابات ضد المتمردين. وفي عام 1952 قامت ثورة مخلصة لفرنسا انتشرت في حوالي ثلاثين موقعا في الغابات تضم حوالي عشرين الفاً من الفيتناميين «المتحالفين» مع فرنسا. وبالمقابل كانت الصين الشيوعية قد اعترفت منذ عام 1950 بـ «جمهورية فيتنام الديمقراطية» ولم يكن ذلك الاعتراف قائما بشكل اساسي على موقف ايديولوجي يقول بالنضال ضد الامبريالية وبدعم الاممية البروليتارية، وانما كان بالاحرى قائما على خلفية رغبة الصين في تعزيز حدودها الجنوبية، اذ في حال انتصار الشيوعيين على فرنسا فإن هذا يعني قيام دولة شيوعية في الجزء الشمالي الاقل من فيتنام وستمثل بالتالي حاجزا بين الصين وبين اي هجوم اميركي محتمل. لقد فهم ماوتسي تونغ ان العدو الاول للثورة الصينية هو اميركا التي قد يمكنها ان تهاجم الصين عبر كوريا او عبر فيتنام، لذلك كان مطلوبا من وجهة النظر الصينية اقامة انظمة صديقة في هذين البلدين، من هنا ايضا ألحت بكين على موسكو من اجل ان يقدم الاتحاد السوفييتي السابق مساعدات للقوات المعادية للفرنسيين وخاصة تجهيز هذه القوات بالأسلحة والتجهيزات. جبهات شائكة كانت المساعدات العسكرية ذات اهمية حيوية بالنسبة للتنظيم العسكري ـ السياسي الذي انشأه هوتشي منه، والمعروف باسم «فييت منه» والذي كان يقوده الجنرال فون نجوين جياب، فهذه المساعدات كانت وراء قدرة الشيوعيين الفيتناميين على هزيمة الفرنسيين في معركة ديان بيان فو الشهيرة. وكان الفرنسيون منذ صباح 20 نوفمبر 1953 قد القوا بأفضل رجال المظلات لديهم على ديان بيان فو بحيث وصل عددهم في ديسمبر من تلك السنة الى 12 الف رجل، وكانت قيادة اركان الجيوش الفرنسية ترى ان تلك العملية التي حملت اسم «كاستو» لا تنطوي على الكثير من المخاطر، ذلك ان الحدود الصينية التي تتدفق عبرها الاسلحة والذخائر هي على بعد ثلاثمئة كيلومتر لكن اجهزة الاستخبارات لم تكن موافقة على مثل هذا الرأي، اذ انها كانت قد «التقطت» اتصالات هاتفية بين القيادة الفيتنامية ومختلف الوحدات ادركت منها ان الجنرال «جياب» سوف يقوم بالهجوم وكان العملاء الفرنسيون يعرفون ايضا ان موسكو كانت قد زودت الشيوعيين بألف شاحنة بواسطة القطارات والشاحنات وايضا الدراجات (التي كان يتم تحميل كل منها بحوالي 300 كيلوغرام من الاعتدة في مناطق موحلة)، امكن توصيل ما يزيد على سبعمئة الف رجل الى القمم المحيطة بمنطقة ديان بيان فو وفي ربيع 1954 كانت هناك ايضا مدافع من عيار 120 و 75 و 105 ملليمترات. لم يستمع احد في باريس الى تحذيرات اجهزة الاستخبارات العامة الفرنسية من ان ديان بيان فو ستسقط ولن يكون بمقدور هذه الاجهزة الا ان تعمل في المواقع الخلفية، مثل تأسيس «جبهة تحرير منطقة اعلى النهر الاحمر» التي كان يراد منها حماية «الحلفاء» لكن باريس ادانت مثل هذه المبادرة مع ذلك وفي سايغون عاصمة فيتنام الجنوبية لم تتردد وكالة الاستخبارات المركزية الاميركية في التخطيط لحملة من الاعتداءات بالمتفجرات من اجل التعجيل برحيل الفرنسيين، بحيث تعزى بالمسئولية عن تلك الاعتداءات الى الوطنيين الفيتناميين، ومما يقدم في الوقت نفسه البرهان على انه لم يعد هناك من يقبل بقاء القوة الاستعمارية وحتى في جنوب فيتنام، وفي 11 مايو 1954 قررت باريس سحب جميع القوات الفرنسية من الهند الصينية بعد الخسائر الكبيرة التي منيت بها هناك والهزيمة الساحقة التي عرفتها على يد قوات الجنرال جيان لكن كانت هناك جبهة اخرى تنتظر الجنود الفرنسيين فحرب التحرير كانت قد اندلعت شرارتها في الجزائر. الجبهة الجزائرية شكلت الحرب الجزائرية آخر الحروب الاستعمارية الكبرى التي سمحت للاجهزة السرية الفرنسية ان تطبق فيها الدروس التي تعلمتها من الحرب الهندية الصينية. ومنذ مطلع عقد الخمسينيات الماضي ركزت وكالة الاستخبارات المركزية الاميركية بعض انتباهها لمنطقة شمال افريقيا وهذا ما يدل عليه تقرير صادر منها في شهر اغسطس من عام 1954 حيث جاء فيه: «تتمثل المشكلة الاساسية في شمال افريقيا بحالة التوتر المتعاظمة بسبب النزاع المستمر بين فرنسا والحركة الوطنية التي تتنامى بسرعة في المستعمرات الفرنسية وخاصة المغرب وتونس، وعلى الرغم من ان الحركة الوطنية لم تتطور الى درجة يمكنها فيها ان تشكل تهديدا جديا بالنسبة لسيطرة فرنسا، فإن عددا متزايدا باضطراد من ابناء شمال افريقيا قد تبنوا التطرف كوسيلة للحصول على الاستقلال». لكن الشاغل الحقيقي لوكالة الاستخبارات المركزية الاميركية لم يكن مستقبل المستعمرات الفرنسية، وانما كون ان المقاومة الوطنية للاستعمار الفرنسي يمكن ان تشكل تهديدا جديا لأمن القواعد الاميركية في المنطقة خاصة اذ تقاربت الحركة الوطنية مع الشيوعية كما جاء في التقرير نفسه، ويضيف خبراء وكالة الاستخبارات المركزية الاميركية قولهم: «على عكس الوضع في المحميات، فإن الوضع في الجزائر كان هادئا منذ الانتفاضة البارزة عام 1945؟ وليس هناك اي دليل على اندلاع اعمال عنف قريبا، ثم نقرأ كذلك: «يفترض ان تبقى اهداف العديد من الوطنيين الجزائريين معتدلة خلال السنوات المقبلة وسيتم التركيز على وضع حد نهائي للتمييز ولمشاركة اكبر للمسلمين في الحكم، مع ذلك فإن الروابط مع فرنسا وثيقة الى درجة ان الفرنسيين لن يوافقوا على درجة متقدمة من الاستقلال الذاتي، ان النزاع بين الفرنسيين والوطنيين الجزائريين يمكن ان يصبح على المدى الطويل، صعب الحل جدا، خاصة اذا حصلت تونس والمغرب على استقلال تام». بعد اقل من ثلاثة اشهر على هذا التقرير الصادر عن وكالة الاستخبارات المركزية الاميركية اندلعت الحرب في الجزائر في الاول من شهر نوفمبر 1954 لتستمر ثماني سنوات كاملة .. بينما حصلت تونس والمغرب على الاستقلال ضمن شروط اقل توترا بكثير في 20 مايو بالنسبة لتونس و 3 مارس بالنسبة للمغرب وفي عام 1956 للبلدين. وكانت الجزائر قد شهدت اولا تأسيس الحركة من أجل انتصار الحريات الديمقراطية التي مثلت احد المكونات الاساسية في الحركة الوطنية الجزائرية .. وقد انتصر «الاتجاه المتشدد» داخل هذه الحركة الوطنية الجزائرية والذي كان من قادته احمد بن بللا وحسين آيتي احمد، وفي الوقت الذي كانت وكالة الاستخبارات المركزية الاميركية تتأمل مليا امكانيات تطور الاوضاع تأسست «لجنة ثورية للوحدة والعمل» التي اعطت بعد ذلك امكانية ولادة «جبهة التحرير الوطني» الجزائرية في القاهرة. وترددت الحكومة الفرنسية في الاختيار بين اجراء اصلاحات ضرورية والقمع لكنها انتهت الى قرار بضرورة اعادة الهدوء اولا. وفي 23 اكتوبر 1956 غادر القادة الرئيسيون لجبهة التحرير الوطني الجزائرية المغرب باتجاه تونس وتمنوا ان تقلهم الطائرة الخاصة للملك المغربي الراحل محمد الخامس كي يتجنبوا اي عمل فرنسي ضدهم ـ لكنهم استقلوا اخيرا طائرة مدنية في اللحظة الاخيرة، لكن مع اقلاع الطائرة من مطار الرباط انطلقت ايضا اشارة الشروع بعملية فرنسية حاولت فيها الاستخبارات العامة إقناع طاقم الطائرة عبر الراديو «بالهبوط في الجزائر» وعندما لم يتم الرضوخ للاوامر اعترضت الطائرات الفرنسية المطاردة الطائرة المدنية وارغمتها على الهبوط، حيث تم اعتقال احمد بن بللا وعدد من مسئولي جبهة التحرير الجزائرية ليمضوا فترة حرب التحرير كلها في السجون الفرنسية، لقد كانت ضربة قوية للحركة الوطنية الجزائرية، لكن الثورة تابعت تقدمها. ان العديد من الكتب كان من بينها ما كشف عنه مؤخرا الجنرال الفرنسي «بول اسواريس» من عمليات تعذيب مارستها الاجهزة السرية الفرنسية في الجزائر خلال فترة حرب التحرير، واعتبارا من عام 1960 انتقلت حرب الجزائر الى باريس نفسها ففي تلك السنة عاد الى العاصمة الفرنسية الكابتن رايمون مويل المتمرس على الحرب السرية كما كان قد شارك في عدة عمليات في تونس والمغرب وفي الجزائر بالطبع من اجل تحطيم القواعد الخلفية للثوار، كان مسموحا استخدام جميع الوسائل من اجل كسب حرب الجزائر. ضمن هذا الاطار تم استدعاء الكابتن «مويل» الى باريس للاستفادة من خبرته في ملاحقة عناصر «جبهة التحرير الوطني» الجزائرية في العاصمة باريس نفسها، ويؤكد هذا الضابط، الذي كان احد خمسة ضباط كانوا مكلفين بمحاربة جبهة التحرير في فرنسا، بأن جهاز الاستخبارات العامة كان ينفذ تماما الاوامر التي اصدرها المسئولون السياسيون آنذاك يقول: «كنا نتحرك من اجل تحقيق الاهداف التي حددتها السلطة السياسية. كان الجهاز يجمع المعلومات وينقلها الى رئاسة الحكومة التي كان يقودها آنذاك ميشيل دوبريه الذي كان هو نفسه او مستشاروه يحددون الاهداف التي ينبغي ضربها، وكنا كضباط مهمتهم التنفيذ، نتلقى تقريرا حول اسم ـ احدهم ـ مع تحديد مكان اقامته وعاداته .. وكان علينا نحن ان ندرس المسألة ونقترح افضل السبل من اجل معالجة الموضوع وكانت معالجة موضوع المحامي ومقرات ولد اويدة الذي كان يدافع عن مناضلي جبهة التحرير هي بقتله غيلة يوم 24 مايو 1959 .. وحيث كان هناك قرار باغتيال جميع المحامين الذين يدافعون عن الثوار الجزائريين. هكذا نجا المحامي المعروف جاك فيرجيس الذي دافع عن المناضلة الجزائرية جميلة بوحيرد ثم تزوجها، من الاغتيال بـ «ضربة حظ» لكن عشرات من كوادر جبهة التحرير ومفكريها لم يحالفهم مثل ذلك الحظ لكن «الاجهزة السرية لا تضع التاريخ وانما تكتفي بالمشاركة فيه». من قتل بن بركة؟ في 29 اكتوبر 1965 وصل المعارض المغربي المعروف المهدي بن بركة الى باريس حيث كان سيلتقي في مقهى «ليب» بجادة السان جرمان مع المخرج السينمائي جورج فرانجو والصحفي فيليب بيرنييه والمنتج جورج فيغون، كان هدف اللقاء هو انتاج فيلم سينمائي «مناهض للرأسمالية» لعرضه اثناء انعقاد المؤتمر الاول لـ «منظمة القارات الثلاث» في هافانا بحضور فيدل كاسترو الذي كان وراء تأسيس تلك المنظمة كي تجمع ثوار افريقيا وآسيا واميركا اللاتينية .. وكان يفترض ان يلتقي «بن بركة» ايضا يوم 30 اكتوبر مع الجنرال شارل ديغول.وعند الساعة 1230 عندما كان بن بركة يهم للدخول الى مقهى «ليب» اعترضه شرطيان فرنسيان هما لويس سو شون وروجيه فواتو» وطلبا منه بـ «لطف» ان يصحبهما لكن احدا لم يره بعد ذلك. لقد اقتيد الى «فيللا» بضواحي باريس، حيث كان يقطن عدد من المجرمين المعروفين، واذا كانت التحقيقات قد اثبتت ان جماعة الجنرال محمد اوفقير رئيس الاجهزة السرية المغربية آنذاك كانت وراء عملية الخطف ثم القتل، فلا شك انه كان هناك ايضا تواطؤ اسرائيلي و «تقاعس» مدروس من جهاز الاستخبارات الخارجية الفرنسية . وقد عرفت هذه القضية عدة احداث تاليا مثل مقتل الصحفي الفرنسي ايف الان الذي وجدوه مهشم الرأس في بحيرة بالقرب من مدينة القنيطرة المغربية، وكان قد تعرض قبل قتله للتعذيب كما تدل عدة معطيات، ان ايف الان هذا كان دبلوماسيا سابقا ومراسلا صحفيا في نيويورك ولكنه كان ايضا بصفة خاصة عضوا سابقا في جهاز الاستخبارات الخارجية الفرنسية، حيث عمل في براغ حيث قام بتنظيم عدة مجموعات، بل وشارك بعد ان عاد الى باريس (من براغ) عام 1957 بعدة عمليات شاركت في تنفيذها الاستخبارات الخارجية الفرنسية وكالة الاستخبارات المركزية الاميركية وقد كان ايف الان معجبا جدا بالاستخبارات الاميركية. ووصل الامر به الى حد الاستقالة من عمله «الاستخباري» كي يمارس مهنة الصحافة لكنه بقي، كما اسر ذات يوم لزوجته، «مراسلا» لجهاز الاستخبارات الفرنسية، فهل كان مكلفا من جهازه السابق للتحقيق سرا حول خفايا قضية بن بركة؟ هذا امر ممكن، فبعد سنوات طرح رئيس الاستخبارات الفرنسية الخارجية «الكسندر دومارنش» لاحد الذين كان يطلعهم على اسراره: «انني اعرف ما حدث، لكنني لا استطيع البوح به، فهذا سر دولة» ومهما يكن سبب قتله، فإن الكاتب المعروف «غراهام غرين» قد ا شار في عمل له نشره عام 1986 وكان عبارة عن كتاب حوارات مع «ماري فرانسواز الان» ابنة «ايف ا لان» حيث كان يتردد كثيرا على منزلهما، الى «اعتزازه بأنه كان صديق ايف الان» واضاف: «لقد كان محترفا في عالم الجاسوسية». الصف الاول في يوليو 1954 وضعت اتفاقيات جنيف نهاية للحرب في منطقة الهند الصينية لتأسس اربع دول مستقلة هي كمبوديا ولاوس وفيتنام الشمالية (الشيوعية) شمال خط العرض 17، وفيتنام الجنوبية. وكان مرتقبا ان تتوحد الدولتان (الشمالية والجنوبية) بعد انتخابات ديمقراطية لكنها لم تجر في اي يوم من الايام. واعتبارا من عام 1955 بدأ التورط الاميركي في النزاع الفيتنامي حيث تواجد اولا مئات ثم آلاف «المستشارين» في «سايغون» لمناصرة الجنوب ضد شيوعيي الشمال. لكن اذا كانت الاستخبارات العسكرية الاميركية قد ايدت قرار التدخل العسكري الذي اتخذته قيادة الاركان فان وكالة الاستخبارات المركزية الاميركية لم تكن «متفائلة» . وقد كان «تشككها» قائما على عدة عناصر، فمن جهة كان خبراؤها يعرفون بأن الشيوعيين الفيتناميين يستفيدون من المشاعر الوطنية الصادقة لدى مواطنيهم الحاليين بقيام «فيتنام مستقلة» ومتحررة من كل اشكال النفوذ الاجنبي. ومن جهة اخرى لم يكن اولئك الخبراء يرون مثل البيت الابيض بأن نظام فيتنام الشمالية هو مجرد اداة بيد موسكو او بكين وانه جزء لا يتجزأ من الكتلة الشيوعية .. وحيث ان تلك الطريقة في التفكير لابد وان تؤدي بشكل طبيعي الى نظرية «الدومينو» العزيزة على قلوب مسئولي الادارة الاميركية والقائلة بأن فيتنام الجنوبية تشكل «البيرق الاول» وسقوطه يعني سقوط الشرق الاقصى كله بين براثن الشيوعية . وكالة الاستخبارات المركزية الاميركية كانت تعارض مثل هذه النظرية وقد جاء في تقرير لـ «الفرع المختص» بالوكالة اواسط عام 1964 ما نصه: «اننا لا نعتقد بأن خسارة فيتنام الجنوبية ولاوس سيعقبها التبني السريع والمتعاقب للشيوعية من قبل دول الشرق الاقصى الاخرى». كما جاء في مقال في المجلة التاريخية الداخلية لوكالة الاستخبارات المركزية الاميركية كتبه «هارولد. ب. فورد» حينما كان رئيس مصلحة التحاليل بالوكالة، ما يقول بأن مصلحته قد حذرت مرارا وتكرارا اصحاب القرار بأن التصعيد العسكري الاميركي لن يكون كافيا بحد ذاته لانقاذ فيتنام الجنوبية الا اذا ترافق مع اصلاحات اجتماعية ـ سياسية في سايغون وخاصة في قرى جنوب الفيتنام حيث كان ضباط وكالة الاستخبارات المركزية الاميركية قد افترضوا بأنه كان ينبغي الانتصار في الحرب منذ زمن طويل». هذا واذا كانت فرنسا قد عرفت الهزيمة امام «الفييت كونغ» الشيوعيين ـ رغم القدرات العالية لضباطها ولقواتها الخاصة ـ فما الضمان بأن لا تلاقي الولايات المتحدة نفس المصير؟! لكن البيت الابيض وخاصة مجموعة الضغط العسكرية ـ الصناعية كانوا يريدون الانتصار بـ «حربهم» ولم يكونوا مستعدين لسماع صوت العقل. اذا كان موقف وكالة الاستخبارات المركزية الاميركية «متشككا» حول جدوى الحرب الفيتنامية فان الاستخبارات العسكرية اندفعت باستخدام جميع الوسائل المتاحة لدعم جهود الحرب، اي بالاتجاه الذي كانت تريده قيادتها. وقد كانت المعلومات تصل يوميا الى هذه القيادة ولمسئولي اجهزة الاستخبارات من اجل تحليلها واستنباط النتائج المترتبة عليها، لكن لم يكن التقدم التكنولوجي وخاصة على صعيد المعلوماتية قد وصل الى ماهو عليه الآن، لذلك كان لابد من نشر الكثير من الامكانيات البشرية في ميادين العمليات وضمن هذا السياق ضمت الفرقة «كا» حوالي 500 مجموعة تابعة للاستخبارات العسكرية التي كان مقرها في هاواي كي تشرف على جمع المعلومات في منطقة المحيط الهادي ـ الباسفيكي ـ كلها، وقد غيرت مقرها الى تايلاند بعد توقيع اتفاقيات جنيف عام 1954 وظلت ناشطة حتى عام 1975. وكان الفرنسيون قد لاحظوا منذ سنوات الثلاثينيات بأن «تايلاند» بوجود جالية فيتنامية كبيرة كانت بمثابة ملجأ للعديد من الشيوعيين الذين قدموا اليها من هانوي او سايغون، هكذا اقتفى الاميركيون آثار خطى الفرنسيين، وجهدت اجهزة استخباراتهم للتغلغل داخل الجالية الفيتنامية في تايلاند لتقصي المعلومات حول الواقع الداخلي في فيتنام وللتعبئة التي يقوم بها الشيوعيون. لكن اعتبارا من عام 1970 انصب اهتمام الاستخبارات العسكرية الاميركية على «لاوس» حيث عرفت منافسة كبيرة مع عناصر وكالة الاستخبارات المركزية التي كانت ترى في هذه البلاد ميدانا «خاصا» بها وكانت «لاوس» تواجه تمردا شيوعيا مدعوما من «هانوي» اخيرا وبعد اتفاقيات باريس لعام 1973 التي بدأت القوات الاميركية الانسحاب على اثرها من فيتنام كان عناصر مجموعات الفرقة «كا» هم الذين حلوا محل العسكريين ـ المغادرين ـ وحيث بقوا حتى 30 ابريل 1975 بمثابة مصدر المعلومات الرئيسي للجيش الاميركي حول منطقة جنوب شرق آسيا. وخلال الحرب الفيتنامية كلها (بل وبعدها) أولت وكالة الاستخبارات المركزية الاميركية اهتماما خاصا لمسألة «سجناء الحرب» لقد كان الشيوعيون يرون في هؤلاء سجناء مجرد مجرمين وليسوا جنودا تحميهم اتفاقيات جنيف والمعاهدات الدولية، حيث كانت تتم ايضا عمليات «غسل دماغ» في معسكرات السجناء على اساس اربع نقاط رئيسية هي «ظلم المشاركة الاميركية في الحرب» و «الشرخ الذي تسببه الحرب داخل المجتمع الاميركي» و«التمييز العنصري في الولايات المتحدة وربط نضال السود لنيل حقوقهم المدنية بالقضية الفيتنامية» واخيرا «التركيز على سياسة الرحمة التي يمارسها الفييت كونغ ـ الشيوعيون ـ حيال السجناء الاميركيين». لكن بالمقابل ومنذ اواسط عام 1950 لجأت وكالة الاستخبارات المركزية الاميركية الى الاعتماد على «اطباء» لدفع بعض المشبوهين على البوح بما لديهم من معلومات هذا ما حصل في اليابان وفي كوريا، كما تم اللجوء الى جميع تقنيات «غسل الادمغة» بما في ذلك استخدام المخدرات القوية مثل عقاقير الـ «ال. اس. دي». اي ان الاستخبارات المركزية الاميركية في ظل رئاسة الان دالاس قد كررت التجارب نفسها التي كان الشيوعيون قد لجأوا لها. تأليف: جينوفيفا أتيين وكلود مونيكيه _ عرض ومناقشة: د. محمد مخلوف