الاثنين 17 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 20 يناير 2003 رئيس الوزراء الإسرائيلي ارييل شارون يعد في نظر الكثيرين زعيما قويا مناسبا لاوقات الحرب. ولكن ما هو مطلوب لاسرائيل حقا في المفترق الاستراتيجي الحالي هو سياسي يقودها في رؤياه الى خارج النزاع المعقد، وليس زعيما يستند الى القوة يغرق العربة الوطنية عميقا في الوحل. سياسي يعرف كيف يستغل الملابسات الدولية الجديدة كي يحل النزاع قبل ان يعدي فيروس السلاح النووي والبيولوجي كل الشرق الاوسط. في شهور زعامة شارون لا تجده يقترب من مكانة السياسي الذي يرى ما وراء الحرب، والنتيجة هي ان اسرائيل بزعامته تتدهور في منحدر ساحق. وشيء مشابه يحدث للفلسطينيين بزعامة ياسر عرفات، ولكن ليس في هذا ما يواسي. فالفلسطينيون باتوا أكثر بعدا عن تحقيق أمانيهم الوطنية، ولكن اسرائيل تكاد تتراجع في كل المجالات فيما ليس في الأفق أي شعاع واحد من الضوء. من تحليل فترة شارون كرئيس للوزراء لا يبدو ان هناك أملا في ان يخلص اسرائيل من الازمتين العسيرتين المترابطتين الواحدة بالاخرى ـ الازمة الاقتصادية والازمة الامنية ـ اللتين علقنا فيهما. لقد باتت اسرائيل أكثر فقرا، وكذا ايضا الكثير من سكانها. وهي تجد صعوبة في تمويل نفقات الحرب. ومنذ الآن تجري ميزانية الدفاع مع الفهم انها تخترق قانون الميزانية. من الناحية الامنية فان الفشل أكبر من ذلك بكثير. فلم يحدث أبدا، باستثناء حرب 1948 والتي استمرت حتى يناير 1949، ان كان الوضع الامني الجاري لاسرائيل على هذا القدر من الصعوبة. ففي السنتين الاخيرتين قتل عدد من الاسرائيليين أكثر مما قتل في أي فترة اخرى في الماضي، وليس بالذات في الجبهة، بل في ساحات اسرائيل. لا يوجد أي شعب يعيش مثل هذا الوضع، فاحتلال المناطق والشعب الفلسطيني، الذي يأتي من اوساطه الانتحاريون، تعمق وغدا أكثر بشاعة. وهذا هو الميل في المستقبل ايضا. وحتى عندما يكون للجيش الاسرائيلي ولاجهزة الامن نجاح عسكري تكتيكي فان شارون ليس قادرا على استغلاله في الخطوة التالية، السياسية. وهنا تبرز حقيقة ان الحديث لا يدور حول زعيم سياسي. والصراع مع الفلسطينيين صار حرب ثأر ومكانة، حيث تذوب الانتصارات في ميدان القتال ببطء. وعلى الارض يعمق المستوطنون قبضتهم ويضيفون بالأحابيل مواقع استيطانية جديدة. فهل يصدق أحد بأنه يمكن الاستمرار في هذا الوضع بلا نهاية؟ الفلسطينيون يخسرون أكثر من النواحي التكتيكية وفي المعاناة اليومية، ولكن في الوضع الحالي ليست اسرائيل قادرة على الوصول الى معركة الحسم ضدهم. والسبب ليس عسكريا، بل قبل كل شيء سياسي، فاسرائيل غير قادرة على جمع المزيد من نقاط الانتصار اذ ليس لديها مبادرة سياسية غير الاحتلال. والتلميحات وكأن هناك في جعبة شارون خطة سياسية للحل بدت كالفقاعات في الهواء. ومبادرته السياسية لم تخرج عن اللازمة المتكررة بأنه مستعد لتنازلات أليمة (أليمة لمن؟). كما ان الأميركيين يجتهدون عبثا ليجدوا لديه مبادرة سياسية. ومن اجل النزاهة، لا يجوز تجاهل جملة تغييرات طرأت لدى شارون على مدى السنين، أبرزها انه تراجع عن قوله ـ خطته ـ بأن الاردن هو فلسطين، وهو يفهم بأن لوجود الاردن، بنظامه الحالي، أهمية استراتيجية. وتغيير آخر هو القبول بمبدأ قيام دولة فلسطينية في النهاية، على الرغم من انه بشروط شارون فان هذه ستكون دويلة عديمة كل قدرة على الوجود. والتغيير الثالث يعود الى فهمه الذي افتقده عندما كان وزيرا للدفاع بأنه بدون التعاون مع الولايات المتحدة فان نهايته الفشل. كما انه يفهم بأن عليه الاستناد الى اجماع وطني واسع، وليس فقط الى اليمين المتطرف. ولكن يبدو انه يبحث عن الاجماع ليس لمبادرة سياسية بل لاستمرار حرب الثأر والمكانة. بقلم: زئيف شيف _ عن «هآرتس»