الاثنين 17 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 20 يناير 2003 هل الحرب على العراق حتمية؟ إذا كان الرئيس جورج بوش واثقا من أن الرئيس العراقي يشكل تهديداً لاميركا وحلفائها، فان من واجبه التحرك ضد النظام العراقي. والمشكلة هي ان الرئيس الاميركي اعطى لنفسه خياراً بين الحرب والجبن. ثمة عيوب واضحة في بعثات التفتيش الدولية. فمفتشو الامم المتحدة لايستطيعون ان يضمنوا لنا أمننا، وهل قابلوا من علماء عراقيين. وحتى لو كشف المفتشون النقاب عن كافة اسلحة العراق في الاشهر القليلة المقبلة، فحالما تغادر القوات الاميركية الخليج، فان الرئيس العراقي الذي ستكون سلطته قد تعززت بالنجاة من تحد كبير آخر ـ سوف يعكف مجددا على بناء اسلحة نووية وكيماوية وبيولوجية. وفي ضوء هذا، ينبغي ان تكون حجج الحرب واضحة في ذهن الرئيس. قواتنا اصبحت في مواقعها الهجومية الان، وسوف تكسب الحرب حال نشوبها، والانتقاد الدولي للادارة الاميركية آخذ بالتلاشي مع استمرار صدام في الكذب. كما ان العنصر الخاطف سوف يقوي الادارة وهي تستجمع قواها لمواجهة كوريا الشمالية. لكن في الوقت ذاته، فان هذا السيناريو قد يضعنا في حرب لسنا بحاجة لها (اذا كان الرئيس العراقي لا يشكل في الحقيقة تهديداً يذكر لأميركا) في وقت نشهد فيه تهديدات أخرى (تنظيم القاعدة، الذي لاتزال قيادته حرّة طليقة، وكوريا الشمالية) تستدعي الانتباه والاهتمام، مما يجعل الالتزام طويل الامد على جبهة اخرى امراً مكلفا وخطرا. وفي مواجهة هذه المخاطر، لاينبغي لقرار الرئيس الاميركي بالذهاب للحرب ان يتخذ بدون وجود خيار حقيقي. يجب على بوش ان يطلب من مستشاريه ان يوجدوا له خيارا ثالثا قابلا للتطبيق. اذا تقدمت الادارة باحتراس وحرص شديدين يمكنها حشد دعم دولي عريض لانتهاج سياسات من شأنها تغيير النظام الحاكم في العراق قريباً وبدون غزو عراقي. ويمكن لهذه السياسة ان تقوم على عناصر عديدة تجمع في قرار جديد لمجلس الامن. وقد يكون من بين تلك العناصر: ـ السيطرة على اموال الرئيس العراقي وتغيير النظام سوف يتبع المال. فبرغم العقوبات الاقتصادية الصارمة التي تفرضها الامم المتحدة على التجارة والاستثمار، فان صدام لايزال يملك اموالا تحت تصرفه. ولذلك يجب على المجتمع الدولي ان يشدد القيود على سبيل المثال، على الحسومات الخاصة التي تمنح للعراق في شراء التجهيزات والخدمات مقابل عقود النفط أو السلف الدائنة التي تتاح مقابل مصالح خارجية في النفط العراقي. وسيكون على الخبراء الذين يتاح لهم الاطلاع على المعلومات الاستخباراتية ان يستنبطوا التفاصيل، لكن ربما يكفي التحري عن عقود النفط والغذاء طويلة الامد، للاصرار على ان تدفع عائدات التهريب في حسابات تسيطر عليها الامم المتحدة: وايجاد طرق لقطع روابط بغداد المصرفية، ربما يكون بمقدور صدام إخفاء بعض الصفقات التي تتم بالدفع النقدي المباشر لكن الاعتمادات المصرفية هي العمود الفقري لاي دولة حديثة. ان الانظمة الدكتاتورية مثل نظام سلوبودان ميلوسيفيتش (الذي توليت انا شخصيا تنسيق السياسة الاميركية حياله) ونظام سوهارتو انهارا في غضون اشهر من حجبهم عن منظومة المصارف والقروض الدولية. ـ تدمير مواقع الاسلحة المشتبه بها. طائرات التحالف لاتقوم الان بضرب مواقع الاسلحة في انحاء العراق. لكي يجب عليها فعل ذلك. اذ يمكن للعراق تفادي تلك الضربات اذا تعاون مع المفتشين الدوليين ووفر لهم حرية الوصول الى المواقع التي يريدونها. هذا التهديد قابل للديمومة. اذ بوسع القوات الجوية البقاء لفترة طويلة بعد مغادرة القوات البريّة، وطائرات التحالف تحلق فوق العراق منذ 12 عاماً. ـ بناء الديمقراطية من السخافة التشديد على غرس بذور الديمقراطية في انحاء البلد قبل رحيل الرئيس العراقي لكن ينبغي لمناطق الشمال والجنوب العراقية الحصول على دعم دولي مكثف لدمقرطة المؤسسات المحلية والحصول على مساعدة الامم المتحدة وجهات اخرى لاجراء انتخابات وتحسين الاداء الحكومي. ويجب ان تتلقى هذه المناطق ايضا مساعدة دولية للاستعاضة عن اجهزة صدام الامنية بسلطات قانونية منسجمة مع الديمقراطية والسلطة القانونية الدولية الواضحة للدفاع عن نفسها ضد بغداد. وهي لا تتلقى الان سوى دعم جوي محدود يقوم على اساس (في حالة الاكراد) منطق قانوني لايزال محل خلاف ونزاع منذ عام 1991. وينبغي للمؤسسات الديمقراطية المحلية ان تحصل ايضا على حصة من عائدات النفط العراقي. ادانة الرئيس العراقي ومعاونيه. ان ادانة هؤلاء بارتكاب ابادة جماعية وجرائم اخرى يمكن ان تشجع المعارضة العراقية وتطمئن الاشخاص غير المدانين واهم من ذلك كله ـ ربها تثبط همّة التطفل الدولي لابقاء صدام في السلطة، وكما اشار قائد قوات الناتو السابق الجنرال ويسلي كلارك، فان تصميم شركائنا على هزيمة ميلوسيفيتش ازداد صلابة عندما وجهت له اتهامات بارتكاب جرائم في حرب كوسوفو. ولاعتبارات تكتيكية، فإن الادارات الاميركية لن تكون راغبة في تقديم مثل هذه الاقتراحات. لكن اعضاء آخرين في مجلس الامن (المانيا عضو جديد وتبحث عن طريقة للتأثير في السياسات الدولية) ربما تكون مستعدة للترويج لهذه الأفكار بحيث يتم صياغة شكل الخيار الثالث قبل ان يتعين على الادارة الاميركية اتخاذ قرارها. وربما يكون الوقت مبكراً جداً للجزم فيها اذا كان الرئيس الاميركي مستعداً للنظر في اي من الخيارات التي اقترحتها. لكن من واجبه اتجاه نفسه واتجاه قواتنا المسلحة ان يفكر مليا بفوائد كل البدائل التي يمكن ان تعزز امننا. ربما يجد الرئيس ان من شأن هذه المقاربة ان تحمي اميركا، وحلفائنا، وتعجّل بسقوط صدام وتحشد دعماً دولياً واسعاً (سياسيا ومالياً) للديمقراطية في الخليج وتظهر ان بمقدور الادارة الاميركية مواصلة السعي من اجل تغيير النظام العراقي بدون غزو، وهو درس مفيد في سياقات اخرى (مثل كوريا الشمالية) لاترغب الادارة فيها بالتهديد باستخدام القوة العسكرية. وقد يقول البعض ان وقت المبادرات قد فات والمهلة الزمنية قصيرة. لكن بمرور كل يوم تكسب الادارة سمعة عالمية أكبر لتصميمها الواضح على استخدام القوة لقد حان الوقت لنرى مردود هذه السمعة. بقلم: جيمس اوبريان _ ترجمة : علي محمد خدمة «لوس انجلوس تايمز» خاص لـ « البيان »