الاثنين 17 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 20 يناير 2003 متى بدأت «الحرب الباردة؟ إن الكثيرين يعيدون جذورها الاولى الى ذلك الخطاب الشهير الذي القاه ونستون تشرشل في مارس 1946 اثناء جولة له في الولايات المتحدة القى بها اكثر من خطاب. قال يومها تشرشل : «لقد قام ستار حديدي في القارة الاوروبية من ستيتن على البلطيق وحتى تريست على البحر الادرياتيكي وخلف هذا الحاجز توجد العواصم القديمة لاوروبا الوسطى والشرقية، اي وارسو وبرلين وبراغ وفيينا وبودابست وبلغراد وبوخارست وصوفيا .. هذه العواصم كلها لم تخضع للنفوذ السوفييتي فحسب وانما للسيطرة المتعاظمة لموسكو». لكن هذه المواجهة الجديدة كانت قد بدأت في الواقع منذ ان كانت الحرب «الساخنة» اي الحرب العالمية الثانية لم تنته بعد وكان السوفييت واعداء النازية الآخرون في جبهة واحدة. ومنذ عام 1944، عندما بدأت عمليات البحث عن العلماء والعملاء النازيين، كان الغربيون والسوفييت يخفون المعلومات الاساسية، ويكذبون على بعضهم البعض، منذ ذلك الوقت كان كل طرف يتصرف تبعا لحساباته الخاصة، بل ان الولايات المتحدة التي قدمت للسوفييت المساعدة التقنية التي ربما لم يكن باستطاعتهم الانتصار على النازيين بدونها، بدأت في الوقت نفسه بتنفيذ برنامجها لالتقاط الاتصالات السوفييتية المشفرة وحلها بالمقابل لم تبدأ خطط التجسس النووي السوفييتي في عام 1946 ولا حتى في عام 1945 او عام 1944 وانما في عام 1941. تمثل الجهازان السوفييتيان الرئيسيان للاستخبارات في فترة الحرب الباردة بـ «جهاز الاستخبارات العسكرية، الذي يهتم، كما تدل تسميته، بكل ماهو عسكري وتقني، وجهاز مفوضية الشعب على صعيد الداخل الذي كان الاداة الستالينية الفعالة لانهاء خصومه، والذي تحول عام 1954 الى «لجنة أمن الدولة» اي الكي جي. بي الذي كان يهتم بمختلف القطاعات الاخرى ـ غير العسكرية ـ بل كان يقوم بمراقبة جهاز الاستخبارات العسكرية نفسه.على الجانب الغربي تمثلت اجهزة الاستخبارات الرئيسية خلال فترة الحرب الباردة بوكالة الاستخبارات المركزية الاميركية «سي. آي. آيه» المسئولة اساسا عن الخارج، وتتقاسم هذه المهمة مع وكالة الاستخبارات المتخصصة بالمسائل الدفاعية «دي. ايه. آي» وتجمع منذ عام 1947 مصالح استخبارات الجيش الاميركي والبحرية الاميركية و «دبلوماسيي» مكتب وزارة الخارجية للمعلومات والبحوث. وفي بريطانيا يتقاسم جهاز «إم آي 6» و «إم اي 5» ميدان الاستخبارات العسكرية، وهناك جهاز «لجنة الاستخبارات المشتركة» الذي ينسق بين مختلف اجهزة الاستخبارات البريطانية «جي. ايه. سي».بالنسبة لفرنسا هناك جهاز الاستخبارات الخارجية، كما انشيء عام 1992 «جهاز الاستخبارات العسكرية» وذلك غداة حرب الخليج، وهو جهاز يهتم بالتحليل والتنسيق اكثر من أن يكون جهازا لجمع المعلومات بالمعنى اللائق للكلمة، وهناك ايضا جهاز ـ ادارة ـ مراقبة التراب الوطني المكلف بشكل اساسي بمكافحة التجسس بينما تهتم «الاستخبارات العامة» بميدان مكافحة الارهاب والاستخبار السياسي وتبييض العملات. والى جانب جهاز الاستخبارات العامة تمتلك المانيا جهازين، احدهما مدني لمكافحة التجسس، والآخر تابع للجيش ويقوم بالمهمة نفسها بالاضافة الى المجال العسكري البحت، وتجدد الاشارة هنا في سياق الحديث عن اجهزة الاستخبارات الغربية الى مكتب التحقيقات الفيدرالي الاميركي «اف. بي. آي» الذي يشرف نظرياً على ميدان مكافحة التجسس لكن تبقى وكالة الاستخبارات المركزية هي صاحبة «الباع الاطول» في هذا الميدان. بكل الحالات، وفي الوقت الذي كانت المدافع لاتزال تطلق قذائفها على المسرح الاوروبي اثناء الحرب العالمية الثانية، بدأت في الواقع «الحرب الباردة» وما ان وضعت تلك الحرب اوزارها حتى كانت «الاهداف الشيوعية» هي التي تسدد نحوها اجهزة الاستخبارات الغربية نشاطاتها، وهذا ما فعلته تماما الاجهزة السوفييتية في الاتجاه المضاد، وبدأت الخطط للقيام بـ «عميات سرية» على الجانبين. تجارب الخمسينيات شهدت نهاية عقد الاربعينيات الماضي سلسلة طويلة من المحاكمات في بلدان اوروبا الشرقية ضد الحرس القديم من القادة الشيوعيين لفترة ما قبل الحرب، ولم تتوضح ابدا الاسباب التي دعت الى تلك المحاكمات حتى ان الصحفي الانجليزي ستيوارت ستيفن قد نشر عام 1974 كتابا اشار فيه الى امكانية ان يكون بعض عملاء الاستخبارات الاميركية لم يكونوا بعيدين عنها، لكن لعل الحقيقة تكمن في واقع ان موسكو كانت تريد التخلص من القادة الشيوعيين المشكوك بهم في البلدان الدائرة بفلكها بعد ان كانت يوغسلافيا، في ظل قيادة جوزيف بروز تيتو، قد قطعت علاقاتها بالاتحاد السوفييتي، هذا ما يمكن استخراجه من مختلف الاراشيف التي تم الكشف عنها في الآونة الاخيرة. في فترة الحرب الباردة كانت اوروبا، بالطبع هي المسرح الرئيسي للكثير من العمليات، وكانت مدينة برلين المشطورة والمقسمة الى مناطق نفوذ بين حلفاء الامس وبين نظامين شيوعي في الشرق، الليبرالي في الغرب هي احد مراكز التوتر الرئيسية، وبالتالي كانت هي خاصة والمانيا عامة ميدانا للنشاط الاستخباري «الغربي» و «الشرقي» وكانت الاطراف كلها تبحث عن العلماء لاستخدامهم في برامج بحثها ضمن سوق السباق العلمي والتكنولوجي وخاصة في ميدان النوويات، كما كانت هذه الاطراف كلها تبحث عن «الجواسيس» لقد حاول السوفييت اخراج الغربيين من المدينة بفرض الحصار عليها عام 1948 الامر الذي رد عليه الاميركيون باقامة جسر جوي شهد 27 الف و 700 رحلة طيران فوق المدينة خلال فترة 321 يوماً. واذا كانت برلين قد شكلت احد بؤر التوتر بين الغرب والشرق اثناء الحرب الباردة فإن المجابهة المباشرة كانت تقترب اكثر فأكثر في كوريا، كانت اتفاقيات «يالطة» قد نصت على ان تنال كوريا استقلالها بعد جلاء اليابانيين عنها، وبعد فترة انتقالية مدتها خمس سنوات تكون فيها خاضعة لوصاية الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة الاميركية وبريطانيا لكن بتاريخ 25 يونيو 1950 قامت القوات الشيوعية الكورية في الشمال باجتياح كوريا الجنوبية لكن بعد ثلاثة اشهر انسحبت القوات الشمالية امام هجوم مضاد قاده الجنرال مكارثر على رأس تحالف اقرته الامم المتحدة وشاركت فيه 16 دولة، وعندما ارادت قوات التحالف الدولي اجتياح كوريا الشمالية فيما وراء خط العرض 38 بعد هدنة أيام قليلة سمحت لجيش كوريا الشمالية المهزوم ان يعيد بناء قوته مستفيداً من وجود حوالي ثلاثمئة الف متطوع صيني، وجدت مقاومة شديدة واستمرت الحرب الكورية حتى عام 1953.ويبدو من الواضح ان قوات التحالف الدولي كانت تريد تجنب المواجهة مع الصين، وربما مع روسيا ولم تبحث بالتالي عن احراز نصر حاسم على الصعيد العسكري، وبهذا المعنى كانت تلك الحرب هي بمثابة اول النزاعات «المحدودة» او «المحيطية» في فترة الحرب الباردة وقد كانت ايضا مناسبة لموسكو كي تقوم بتجنيد احد اهم الجواسيس السوفييت اثناء تلك الفترة كلها. ابن عم كورييل جورج بلاك من مواليد هولندا ومن اب يهودي وأم هولندية، شارك في صفوف المقاومة طيلة فترة الحرب العالمية الثانية ثم اصبح ضابط استخبارات قبل ان تجنده الاستخبارت البريطانية بعد ثلاث سنوات، ومن المثير للدهشة، هو ان البريطانيين لم يكونوا يعرفون ان هذا العميل الجديد الذي جندوه هوابن عم هنري كورييل، مؤسس الحزب الشيوعي المصري، والذي لعب دورا مهما في منفاه بباريس، بعد طرده من مصر، في ميدان دعم «حركات التحرر الوطني، في العالم الثالث، ولقد اغتيل كورييل في بارس عام 1978 في ظروف لا تزال غامضة. كان جورج بلاك مؤهلا من حيث محيطه لـ «التجنيد» من قبل موسكو، لكنه لم يفعل ذلك الا بعد سنوات من عمله ضمن اطار اجهزة الاستخبارات الانجليزية، وكان قد وقع في الاسر اثناء الحرب الكورية لينتمي عند اطلاق سراحه عام 1953 الى جهاز الاستخبارات السوفييتية، وقد سلم لموسكو اسماء العملاء الاميركيين والبريطانيين الذين كانوا يعملون خلف «الستار الحديدي» . كما سلمهم مخططات العملية السرية الخاصة ببناء نفق في برلين طوله 500 متر بحيث يمكن بواسطته التنصت على جميع الاتصالات السوفييتية. عندما انكشف امر جورج بلاك اثر وشاية العميل الالماني الشرقي المزدوج (البريطاني والسوفييتي) هيرست ، والذي كانت قد وشت به زوجته للانجليز بدافع «الغيرة الزوجية» تم الحكم عليه ـ اي على بلاك بـ 42 سنة سجنا بتهمة الخيانة وبواقع سنة لكل روح ازهقت حسب تعبير القاضي البريطاني لكن بعد خمس سنوات نجح «بلاك» بالهروب من سجن «وورمود سكرويس» والوصول الى موسكو، ولم يتردد في ان يؤكد قوله: «ان السنوات التي امضيتها في هذه البلاد وسط الروس كواحد منهم كانت هي الفترة الاكثر سعادة والاكثر استقرارا في حياتي. وفي مطلع 2001 كان جورج بلاك لا يزال يعيش في موسكو، وفي 1995 صرح ناطق باسم الجهاز الاتحادي الروسي للامن بقوله لمؤلفي هذا الكتاب: «ينبغي ان لا يقول احد علينا كي نسوي بعض الحالات مثل حالة جورج بلاك لقد عمل لحسابنا وسوف نحميه؟ كما فعلن دائما في الماضي وكما سنعمل دائما في المستقبل مع اولئك الذين يولوننا ثقتهم.من ناحية اخرى كان ماركسون وولف هو جاسوس اصبح بمثابة «اسطورة» وقد شغل منصب رئيس الاستخبارات الالمانية الشرقية وهو من مواليد عام 1923 لأسرة بورجوازية المانية يهودية وكان قد وصل عام 1934 الى موسكو برفقة والده الطبيب واختصاصي الامراض الجلدية الذي كان عضوا في الحزب الشيوعي وهاجر عند وصول هتلر الى السلطة باتجاه «وطن الاشتراكية» عمل ماركوس في عام 1943 كمحرر في اذاعة الحزب الشيوعي الالماني التي تبث من موسكو وعاد عام 1945 الى برلين مع المجموعات الالمانية الشيوعية الاولى التي عادت للقيام بمهمة تنظيم حياة الالمانيين في المنطقة الواقعة تحت الاحتلال السوفييتي. وفي عام 1949 عاد وولف الى موسكو بصفة مستشار اول في سفارة جمهورية المانيا الديمقراطية، وفي عام 1951 تم استدعاء ماركوس الى برلين ليتم ابلاغه بأنه قد جرى اختياره ليكون احد الاعضاء الاوائل في الاجهزة السرية الالمانية الشرقية، وفي سن التاسعة والعشرين اصبح «اصغر» رؤساء اجهزة الاستخبارات سنا في اوروبا.لقد خطط وولف لعدة عمليات ناجحة، كانت وراء الشهرة الكبيرة التي نالها، وتدل احصائيات عديدة منذ فترة الحرب الباردة، وخاصة بعدها، الى أنه قد جند الالوف من الجواسيس في المانيا الغربية وفرنسا والعديد من بلدان حلف الاطلسي الاخرى. ووصل نشاط شبكاته الى درجة انه كان باستطاعته التوصل الى اي سر في المانيا الغربية خلال عدة ايام فقط، لقد ضمت تلك الشبكات موظفين عاديين وقادة سياسيين وصحفيين بحيث انه وطيلة ثلاثة عقود تقريبا كانت الوثائق الاكثر سرية لدى حكومة «بون» تنتقل بسرعة الى برلين الشرقية ومنها الى موسكو.وعلى الرغم من نجاح وولف ـ وربما بسبب ذلك النجاح ـ فقد تزايد عدد خصومه، لقد كان رجل ظل فعلي، اذ لم يكن احد تقريبا يعرف صورته حتى عام 1989 عندما نشرت صحيفة «نيوز دوتيشلاند» صورته على صفحتها الاولى اثناء تشييع جنازة اخيه كونراد، لكن شهرته في عالم الاستخبارات كانت كبيرة حتى انه ساد الاعتقاد لفترة طويلة بأن الروائي جون لوكاريه مؤلف روايات التجسس الشهيرة، قد استلهم منه شخصية بطله «كارلو» . وقد سرت الاشاعة حتى ان المؤلف نفسه صرح عام 1993 بأنه لا يوجد اي علاقة بين كارلو و «وولف» سوى، انهما كانا كلاهما شيوعيين، وكلاهما يخدمان انظمة تثير الاشمئزاز. بكل الاحوال لعل قوة وولف وبقاءه فترة طويلة على رأس جهاز استخبارات المانيا الشرقية السابقة يعود الى انه كان رجل موسكو في برلين، وكان يحمل الجنسية الروسية منذ سنوات شبابه الاولى في موسكو وانه كان يحظى ايضا بالحماية الشخصية ليوري اندروبوف، الذي كان على رأس جهاز الكي. جي. بي. ما بين 1967 و 1982 واصبح رئيسا للاتحاد السوفييتي لفترة قصيرة. خروشوف والوفاق الزائف عرف الاتحاد السوفييتي «ثورة في القصر» بعد موت جوزيف ستالين، ادت الى وصول نيكيتا سيرجيوفيتش خروشوف لرأس السلطة، توفي ستالين في 5 مايو 1953 واعتبارا من اليوم التالي اصبح غريغوري مالينكوف رئيسا للحكومة، كان رئيسا للسكرتارية الخاصة لستالين وقد لعب دورا كبيرا في تصفيات الثلاثينيات، لكن خلف مالينكوف كان «بيريا» رئيس الاستخبارات السوفييتية هو الذي يحرك الخيوط ولقد كان الحاكم الفعلي الذي قيل الكثير عن نواياه، حيث يؤكد الكثيرون انه كان يريد دفع اقتصاد بلاده نحو الليبرالية واعادة نوع من التعددية الحزبية، بل ابدى رغبته في وقف المساعدات السوفييتية لالمانيا الشرقية للمساعدة في توحيد الالمانيتين.لكن الرياح هبت في اتجاه آخر، ففي شهر يوليو من السنة نفسها تم اعتقاله ثم اعدامه، كيف؟ ومتى؟ هناك روايات عديدة حول ذلك تفيد الرواية الرسمية اولا انه جرى اعتقاله اثناء جلسة للمكتب السياسي للحزب الشيوعي السوفييتي من قبل مجموعة من كبار العسكريين وجرت محاكمته سرا على مدى عدة اسابيع انتهت باعدامه، ورواية اخرى «شبه رسمية» تفيد بأنه تم الهجوم من قبل عناصر عسكرية على منزل بيريا، حيث لقي مصرعه مع عدد من حراسه اثناء محاولة يائسة للمقاومة. ورواية ثالثة يؤكد اصحابها بأنه تم قتل بيريا اثناء نفس الجلسة التي عقدها المكتب السياسي بحضور نيكيتا خروشوف. بكل الاحوال، من الثابت انه تمت السيطرة على جهاز الأمن مباشرة وجرت تصفية اولئك الذين كانت لهم شهرة كبيرة في ميدان القمع.لكن القيادة السوفييتية اظهرت واقع نواياها الجديدة اثناء «الاسبوع الدامي» الذي شهدته بودابست العاصمة المجرية ـ في اكتوبر 1956. وتشير عشرات الوثائق التي تم الكشف عنها في 1997 من قبل وكالة الاستخبارات الاميركية الى ان القضية بدأت بمظاهرات سلمية شارك فيها الطلبة والعمال والمثقفون ورفعت شعارات معادية لروسيا، وقد اتخذت واشنطن موقفا واضحا في تأييد الحركة «الشعبية في المجر» كما دلت التصريحات التي كانت تتردد عبر اذاعتي «صوت اميركا» و «اذاعة اوروبا الحرة»، وقد صرح الرئيس الاميركي ايزنهاور آنذاك بأن «قلبه مع الشعب المجري وبعد يومين فقط حيا وزير الخارجية الاميركي جون فوستر دالاس شقيق الان دالاس رئيس وكالة الاستخبارات المركزية الاميركية، ما أسماه بـ «تحدي الشعب المجري لنيران مدرعات الجيش الاحمر». لكن في 8 نوفمبر قدمت وكالة الاستخبارات الاميركية تحليلها للأحداث للرئيس الاميركي وعدد من أعضاء الكونغرس وقالت فيه انه على الرغم من تأكيدات الحكومة المجرية الجديدة برئاسة يانوس كادار انها ستتابع خطاها الليبرالية والاستقلالية على غرار النموذج الذي طبقه غومولكا في بولندا، فإنه من الواضح ان النظام يعتمد أساسا على الروس وعلى المستوى الاوروبي أظهرت أحداث بودابست هشاشة أسطورة «التعايش السلمي» بل وتدميرها بعد أن «سقط القناع» عن وجه النظام السوفييتي القائم، حسب تعبير وكالة الاستخبارات المركزية الاميركية. المغامرة الكوبية المجنونة لم تكن فترة حكم خروشوف في الاتحاد السوفييتي على الرغم من التقدم الذي أحرزته بالقياس مع الفترة الستالينية، فترة وفاق حقيقي على الصعيد الدولي، وهذا ما بدا بوضوح عبر التوتر الكبير الذي ساد العلاقات الاميركية ـ السوفييتية حول كوبا. ومنذ عام 1960 كان نيكيتا خروشوف قد تحدث عن امكانية مجابهة أي هجوم اميركي على كوبا بالسلاح النووي. لقد حاول في الفترة اللاحقة لتصريحه هذا ان يخفف من محتواه، لكن يبدو ان فكرة اقامة قواعد صواريخ في كوبا كانت دخلت في رأسه، وفيما هو أبعد من حماية الثورة الكوبية، كان الرئيس السوفييتي يريد ان يغير بشكل جذري المعطيات الاستراتيجية القائمة في ميزان القوى آنذاك، لاسيما وان الاميركيين كانوا قد نصبوا صواريخ في تركيا يمكنها ان تصيب قلب الاتحاد السوفييتي. واعتبارا من منتصف شهر مايو 1961 أي بعد أسابيع من عملية «خليج الخنازير» الاميركية البائسة، بدأ الاميركيون بجمع البراهين حول التورط العسكري لحلف وارسو في كوبا. وقد دلت عمليات التجسس على الاتصالات السلكية واللاسلكية على ان عمليات تسليح كثيفة روسية وتشيكوسلوفاكية تتم في كوبا وبايقاع متسارع طيلة صيف 1962. وفي نهاية ذلك الفصل كشفت الاستخبارات الأميركية عن وجود صواريخ أرض ـ جو سوفييتية الصنع من طراز «سام 2» فوق الأراضي الكوبية.وقد رأى جون ماككون الرئيس الجديد لوكالة الاستخبارات الأميركية بأن الغرض من نصب هذه الصواريخ هو منع الولايات المتحدة من القيام بطيران استطلاعي على ارتفاع عال. لكن من أجل تخبئة ماذا؟ إن الأمر لا يتعلق بأعتدة عسكرية أو بطائرات روسية، فهذا أمر معروف ولا أحد يجهل ذلك. لذلك خيّمت على رأس ماككون فكرة مؤداها ان الروس يقومون بنصب صواريخ نووية في كوبا وانهم يريدون «تغطية» هذا التصعيد حتى تجد واشنطن نفسها أمام الأمر الواقع. ولم يكن يشاطره هذا الرأي أي عضو آخر في سلك الاستخبارات الاميركية.لكن في 15 اكتوبر 1962 أصبحت الصورة جلية أمام الجميع، إذ ان صوراً التقطتها طائرة التجسس «يو 2» من ارتفاع عال دلّت على ان هناك قواعد لاطلاق صواريخ نووية متوسطة المدى يجري بناؤها.وفي واشنطن كان الرئيس الاميركي جون فيتزجيرالد كيندي يجمع كل يوم، بل وعدة مرات يومياً بجو من التوتر والغليان، أقرب مستشاريه في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض وفي غرفة مجاورة لذلك المكتب، اختلفت الآراء حول ما ينبغي فعله، وكانت الأغلبية بمن فيهم الرئيس كيندي نفسه تميل نحو عمل عسكري سريع وعنيف مثل القصف أو الغزو أو الاثنين معاً. كان هناك رجلان فقط لعبا دور «الحمائم» هما ليون تومبسون السفير الأميركي السابق في موسكو وروبرت مكنمارا وزير الدفاع الأميركي.كان رأيهما هو ان عمليات القصف ستؤدي الى خسائر بشرية كبيرة في صفوف السوفييت فـ «ماذا سيكون رد خروشوف علينا؟» كما تساءل مكنمارا. وفي مساء اليوم نفسه انضم كيندي الى صف «المعتدلين»، لاسيما وان الخبراء العسكريين قد قدروا النتائج المحتملة لعمليات قصف جوي بما بين عشرة آلاف الى عشرين ألف قتيل. في 22 اكتوبر، أعلن جون كيندي عبر التلفزة عن وجود صواريخ نووية روسية في كوبا، كما أعلن في الوقت نفسه حصارها. وكانت هناك سفن سوفييتية تقترب من الشواطيء الكوبية.. فما العمل؟ لقد أحكم الاسطول العسكري الأميركي المراقبة وأرغم سفناً سوفييتية على التوقف أو أخذ طريق العودة.. لقد كسب الاميركيون الشوط الأول، لكن لايزال تهديد الصواريخ النووية الروسية قائماً في الجزيرة الكوبية. لكن الروس أبدوا هدوء أعصابهم. وقد كان تحليل جهاز الـ «كي.جي.بي» هو التالي، كما جاء على لسان نيكولاي ليونوف أحد مسئوليها والذي كان مكلفاً بمراقبة القواعد الأميركية في فلوريدا: «لم نكن نفكر أبداً ان هذا النزاع المحلي يمكن ان يؤدي الى حرب، ثم ان الاميركيين كانوا يملكون سلاحاً نووياً قرب حدودنا في تركيا ولم نتصرف أبداً بصورة هستيرية، لكن الاميركيين لم يروا الحرب عن قرب ولم يشهدوا تهديداً مباشراً حقيقياً قرب بوابات بلادهم، لذلك اعتراهم خوف شديد. وقد كانت قضية الصواريخ بمثابة مواجهة سيكولوجية حادة لكنها تحمل مخاطر الحرب». لكن رأي فيدل كاسترو كان مختلفاً، إذ شرح فيما بعد خلال يناير 1968 انه في حالة القيام باجتياح أميركي، كان ينبغي الرد برشقة كبيرة وشاملة من الصواريخ النووية. وفي النهاية قبل الروس أن «يفكوا» صواريخهم ويعيدوها الى حيث كانت في منطقة ما من الاتحاد السوفييتي. لكن هل كان جون كيندي ونيكيتا خروشوف بمثابة ضحيتين لما جرى في كوبا؟ في 22 نوفمبر 1963 جرى اغتيال جون كيندي، بعد ساعات فقط اعتقلت الشرطة قاتله المزعوم «هارفي اوزوالد» الذي اغتيل بدوره بعد ساعات. وهذا الرجل كان متزوجاً من امرأة روسية وكان قد أقام لفترة طويلة في موسكو، بل وتشير تقارير الاستخبارات الاميركية الى انه كان قبل شهرين من اغتيال كيندي في مكسيكو حيث قام باتصالات بالسفارة السوفييتية. وقد قال عنه الجنرال ليونوف خلال عام 2000 ما يلي: «جاء اوزوالد لمقابلتنا ذات يوم أحد في السفارة السوفييتية بمكسيكو، كان أغلبية الموظفين غائبين، لكن كنا حوالي عشرة أشخاص نمارس لعبة الكرة الطائرة في الحديقة، حيث أخبرنا أحدهم بأن شخصاً زائراً يريد مقابلة دبلوماسي يتحدث اللغة الانجليزية، وكنت الوحيد الذي يمكنه التحدث بهذه اللغة. وعندما ذهبت لرؤية ما يريده الرجل أخبرني بأنه أمضى سنوات في الاتحاد السوفييتي وانه يطلب منحه فوراً الجنسية السوفييتية ونقله الى موسكو. كان مضطرباً وكنت من ناحيتي قلقاً وأخبرته بأن المسألة لا تتم بهذه الطريقة، وإنما بقصد مساعدته طلبت منه أن يجلس ويكتب رسالة لمجلس الرئاسة الأعلى يشرح فيها حالته، لكنه كان عصبياً الى درجة عدم تمكنه من كتابة بعض السطور. وقد كرر انه يخضع للمراقبة في الفندق الذي يقيم به، وانهم فتشوا حقائبه. وبلحظة ما أخرج من جيبه مسدساً وأكد انه سيقيم بنفسه العدالة إذا لم يتركوه بهدوء. لم تكن لدي سوى فكرة واحدة هي اخراجه بأقصى سرعة ممكنة من سفارتنا، قبل أن يقتل أحدهم. وقد توصلت الى ذلك عبر تزويده بعنوان السفارة الكوبية وبتأكيدي له انها يمكنها ان تساعده. إن ذلك الرجل الذي لم أره بعد ذلك، والذي كان يرتجف، لم يكن قادراً حسب اعتقادي على اصابة هدف متحرك على بعد مئة متر. وإذا كان مجرد طلبه اللجوء السياسي لروسيا وكتابة رسالة لقادتها قد وضعته في تلك الحالة، فكيف يمكن تصور حالته لحظة قتل الرئيس الأميركي.. اعتقد ان الرجل الذي رأيته لم يكن قادراً أبداً على فعل ذلك! أما خروشوف فلم يبق في السلطة سوى حتى عام 1964 حيث انسحب الى حيث يمكنه ان يكتب مذكراته في «الداتشا» الهادئة التي كانت تحت تصرفه.ولاشك في ان مقتل كيندي وعزل خروشوف وضع حداً لأكثر فترات الحرب الباردة قسوة وخطورة، وإذا كانت هذه الحرب الباردة قد شهدت فيما بعد فصولاً في فيتنام أو عندما أخمدت الدبابات السوفييتية «ربيع براغ» عام 1968 أو عندما اجتاحت أفغانستان عام 1979 فإنها بالمقابل لم تضع العالم على حافة حرب حقيقية. تأليف: جينوفيفا أتيين وكلود مونيكيه _ عرض ومناقشة: د. محمد مخلوف