السبت 15 ذو القعدة 1423 هـ الموافق 18 يناير 2003 إن محاولة اقناع الاخرين بالحرب يجب ان تنبع في احد جوانبها من نوعية التصور الاميركي لعراق المستقبل. فالخوف من «بناء الدولة» يجب ان يلقى جانبا.. اذ ان مسألة الحكم الأجنبي المباشر قد اصبحت شيئا عتيقا للغاية في تاريخ الأمم. غير انه لابد من ان يكون هناك وجود أميركي مستدام في العراق اذا ما اريد للنظام الجديد ان يتماسك ويضرب جذوره. العراق مجتمع يتمتع برأسمال اجتماعي كبير وثاني اكبر احتياطي نفطي في المنطقة. هذا اضافة لتمتعه بارث تعليمي وتقني. كما يستطيع ان يعتمد على مهارات عراقيي الشتات الكثيرين جدا الذين تشكلوا بفعل موجات الهجرة التي هربت من البلاد نتيجة الاضطرابات السياسية وسطوة الحكام. واذا ما كانت عذابات العراق كبيرة في العصر الحديث، فكذلك كانت ايضا حال وعده الذي لم يتحقق. فقد توفرت فيه الخبرات والأمل بأن السياسة ستأخذ يوما ما مسارها القويم وأن وفرة النفط والماء والحرية النسبية من ارث طاغ ستمهد الطريق أمام الحداثة والتنمية. نعم، ربما يستحق العراق العناء والمجازفات بالنسبة لسلم اميركي لقد كانت الولايات المتحدة موجودة على الارض في السعودية منذ ستة عقود تقريبا وفي مصر منذ ثلاثة عقود. وما بنيناه في شبه الجزيرة العربية يبدو الآن في حالة زعزعة جدية. كما ان المعونات والمساعدة التي اعطيناها لمصر لم تثمر سوى الشكوك العميقة بين ابناء الطبقة الوسطى المصرية المحبطة بأن الولايات المتحدة لا تريد لهم سوى الخضوع والتبعية. هناك عداء لاميركا لا قرار له في مصر حتى بين اولئك الاختصاصيين الذين انجزوا الكثير بفضل صلاتهم بالاميركيين. وعندما فشلت الحياة السياسية بتقديم حلول للمشكلات، استشرى العداء لأميركا موفرا للناس وسيلة للتنفيس عن غضبة شعب فخور لم يتسن له ان يحقق ما يتصوره لنفسه ولمكانته بين الامم، غير ان العراق قد يوفر لأميركا الصورة المغايرة لذلك وقاعدة في العالم العربي خالية من العداء لأميركا. فالعراق لا تطغى عليه المحظورات التي أجهضت الوجود الاميركي في مناطق اخرى، كما انه قد يكون على استعداد اكثر لاستقبال الديمقراطية حتى لو كان السبب الوحيد لذلك هو انه اغنى ولا يعاني من عبء سكاني يذكر. غير ان العراق يجب الا يحمل بعبء توقعات كبيرة اذ هذا هو العالم العربي نهاية الامر، والاميركيون لا يعرفونه الى مثل هذا الحد من الود. فالعراق ربما يخيب آمال الاميركيين، والانتقام والثآر يمكن ان يكونا مؤلمين بالنسبة للأميركيين في هذه المرحلة الاخيرة من النفوذ في العالم الاسلامي. لكن أميركا يمكن ان تظل اكثر جرأة في العراق مما كانت عليه بعد عاصفة الصحراء بداية يجب ان نتخلص من التخوف من أن تظهر في العراق دولة وثيقة الصلة بالوضع الايراني ـ وهو التخوف الذي شل القوة الاميركية عام 1991. وهناك حركة عراقية معارضة هي المجلس الاعلى للثورة الاسلامية في العراق تتخذ من ايران مقرا لها بقيادة آية الله محمد باقر الحكيم، غير ان اختيار ايران ملاذا لها من قبل عائلة الحكيم كان قرارا أملته ضغوط الحكومة العراقية وعدم وجود ملاذ آخر تستطيع فيه هذه النوعية من المعارضة البقاء والعمل، لقد وفرت ايران لعلمانيين ورجال دين المجلس الاعلى للثورة الاسلامية الموارد والقرب الجغرافي اللازمة لخوض حربهم ضد الحكومة العراقية. وما يمكن لهؤلاء ان يمثلوه بالنسبة لأي واقع جديد في العراق من الصعب التنبؤ به على وجه الدقة. اما النتيجة الاكثر احتمالا فهي تسلم السلطة في العراق من قبل نوع مختلف من المعارضة، نزعة دينية اكثر ملاءمة للعالم العلماني تعطي رجال الدين دورا سياسيا وثقافيا خاصا بهم مع بقائهم تابعين للسلطات العلمانية، كما هي الحال في لبنان. ربما كان اي نظام جديد يتسلم الحكم في العراق راغباً في القول وداعا للقومية العربية، فالتوق لدعم القضية الفلسطينية في عراق جديد ربما يخمد، على الأقل بسبب كون الفلسطينيين انصارا مخلصين للرئيس العراقي اذ ان العادة السائدة في العراق، وهو ارض الثغور العربية البعيدة عن شواطئ المتوسط، ان يكون هو من يوري آوار العداء للصهيونية لمعرفة ان الاخرين هم الاقرب من هذه النيران الاردنيين والفلسطينيين والسوريين والمصريين واللبنانيين، هم من ستحرقهم. ويمكن لواقع عراقي سياسي جديد ان يجد في نفسه القدرة على الاعتراف بأن فلسطين والفلسطينيين ليسوا مصلحة عراقية. وربما تستنتج نخبة عراقية جديدة تقوم بتجميع شتات العراق، انها ليست لديها ما تعطيه للخارج وهي تعيد بناء دولة تنوء بالاعباء. كما ان خريطة سياسية عراقية جديدة ستقوي ابناء الجنوب والشمال وعزلة المعارضة في الشمال العراقي في السياسات العربية الاوسع نطاقا كانت عميقة ومؤلمة، ومعارضي الرئيس العراقي ما كانوا يحظون بدعم مصري او سعودي ولا دعم القوميين العرب ولا «الشارع» العربي. بل كانوا يعملون وحدهم من لندن الى ايران ومؤخرا برعاية اميركية وهم الآن احرار ليرسموا لأنفسهم عالما يتجاهل نسبيا الطروحات العربية. مؤخرا، قال الكاتب الكويتي المعروف دكتور محمد الرميحي ان الحديث عن كون العراق نموذجا للعرب هو حديث قد افرط فيه وان العراق لم يتمتع ابدا بتلك المكانة الريادية في الحياة العربية المعاصرة، سواء في ظل الملكية أو في عهود الديكتاتوريات التي تتابعت عليه منذ ثورة 1958، قد يكون هناك وجه للحقيقة في هذا القول، لأن العراق يتمتع بخصوصياته البنيوية ويفتقد القبول الثقافي للعرب الآخرين في القاهرة ودمشق وبيروت وغيرها، لكن هنا بالضبط يكمن الامل في خلاص العراق: الانعتاق من طروحات مبالغ فيها ومن غواية لعب ادوار سياسية حطمت انظمة عربية اخرى سقطت في فخها، ولنتذكر حال القاهرة وتحطم آمال عصرها الناصري. ان الطروحات السياسية التي شهدها العراق وتفشت في حياته السياسية كانت تبسيطاً مريعا لتاريخ ذلك البلد المزعزع وسوطاً بيد النخبة الحاكمة الراغبة في الهيمنة على الحياة السياسية وتجريد الآخرين من حقوقهم العادلة. الاستعمار البريطاني كان يعمل من خلال نخبة محددة لان البريطانيين تصوروا ان نخبة حاكمة محدودة ستكون اسهل في التعامل معها، أما المفارقة التاريخية القاسية فهي ان تلك النخبة حصلت دوماً على افضل الخيارات. وفر النفط والقمع للحكومة العراقية فرصة التحرر عن المجتمع العراقي وتدمير كل متحدييها المحتملين، واصبحت اكثر قبلية وشراسة مع الايام. ثم زادت قوة الحكومة المركزية ايضا، وهيمنة التكريتيين ادت الى التصلب التدريجي الذي فصل النظام عن المجتمع الاوسع نطاقاً من حوله، في الايام الاولى الاكثر هدوءاً، كان التكريتيون يعيشون على صنع العوامات من قرب جلود الماعز غير ان السفن التجارية جعلت بضاعتهم تكسد، وبالصدفة وجد التكريتيون طريقهم الى القوات المسلحة والاجهزة الامنية، وهناك وجدوا لهم مشروعاً جديداً وكان يجب توفير غطاء ايديولوجي لحكمهم وهكذا تم تقديم غطاء عصري للنزعة القبلية. حينما يتخلص العرب من الغواية الايديولوجية المدمرة ربما تلوح امامهم فرصة التفكير من جديد في دور السلطة السياسية والطبيعة الجوهرية للدولة، ومع ان العرب بدوا غالباً في السنوات الاخيرة انهم محصنون ضد اي تحركات ديمقراطية، فإن القضاء على حكومة رهيبة تميزت بهذه الثقافة العنيفة ربما يوفر للعراقيين وللعرب معهم فرصة الابتعاد بأنفسهم عن الفضائل الزائفة للاستبداد. اذا ما حانت ساعة اصلاح العراق وحينما تلوح، فإنها ستكون التزاماً كبيراً وعملية اعادة تأهيل اليابان التي امتدت بين استسلامها عام 1945 واستعادتها سيادتها عام 1952 توفر سابقة تاريخية لتلك الساعة. وبالفعل في النموذج الياباني قد تكرر في الحوارات الاميركية والعربية على السواء باعتباره نافذة تطل على العمل الذي ينتظر الاميركيين والعراقيين حالما تسقط الديكتاتورية، نعم بالتأكيد ليست هناك محاكاة كاملة، فالعراق بتناقضاته يختلف عن اليابان، اميركا نفسها مجتمع يختلف الآن عن ذاك الذي كان عام 1945 اكثر تنوعاً واكثر شكوكا واقل ادراكا لمعنى المهمة العادلة التي حركته خلال سنوات الحرب مضياً نحو العمل في اليابان. لكن على الرغم من كل هذه التباينات تظل اليابان سابقة مهمة ففي غضون عقد من الزمان تحولت اليابان الامبراطورية الى مجتمع اكثر حداثة ومساواة. لقد كانت عدالة المنتصر هي التي مضت بالالتزام الهائل قدما ووفرت العزيمة لمشروعي نزع التسلح والديمقراطية، لقد تدخل المنتصرون بالاعلام والنظام التربوي والمناهج الدراسية، هذه بعض ما يجب فعله اذا ما ارادت اي حملة عسكرية ان تكون نظيفة اليد في نهايتها. ان العقلية الاستعراضية وجنون العظمة عند دوغلاس مكارثر قد تكون شيئاً من عهد مضى، غير ان العراق قد يكون حاله اسوأ من حصوله على قيادة انتقالية من قبل مفوض معاصر يوجه مسيرته نحو عالم طبيعي. على اقل تقدير سيكون العراق محظوظاً بارساء سياسات شبه ديمقراطية سائدة عند جيرانه، وهنا تقفز الى الذهن تركيا والاردن، ان الوحشية ذاتها التي تحملها العراقيون في ظل الرئيس العراقي قد تكون هي خلاص العراق اذا ما قيد للخلاص ان يمضي في طريقه ربما تأتي النجدة بعد التحرير وشكل من الواقعية. ان أخذ مخاوف العرب الاوسع تجاه الجنوب والشمال العراقيين في الاعتبار يجب ان يضرب بها عرض الحائط في العراق الجديد، اذا ان سلطة ليبرالية لا يمكن ان تدعم امبراطوريات طائفية تقيمها اقليات، وحكم بيد نخبة محدودة من العراقيين لا يمكن ان يكون هدفاً اميركياً فالعرب المحيطون بالعراق ليس لديهم ما يجعلنا ندين لهم بمثل هذا التناهي في مسايرة مصالحهم. بل إن هذه الأشكال من المخاوف والانحيازات هي التي يجب أن ينأى العرب بأنفسهم عنها. كما أن ثقافة بالكاد تولي اهتماماً لمشكلاتها الخاصة يجب أن تفكر بصوت مرتفع بخصوص الغضبة التي تصرخ بها نيابة عن الفلسطينيين فيما آلام الكثيرين من الآخرين لا تجد منهم من يتحدث عنها. إن هذا الاحساس بعدالة المشاعر بالمظالم العربية تنبع من إرث سياسي يتمثل في الشفقة على الذات. والتوجه يجب أن يكون نحو عالم عربي يعترف بتأخره السياسي والاقتصادي ويبدأ في البحث عن سبل الخروج من هذا الوضع المعيق. وتصدر عن جانب أبناء الشمال العراقي الآن عروض بإرساء دولة اتحادية لا مركزية تحافظ على وحدة اراضي البلاد وتعطي الأقلية حكما ذاتيا كانوا قد وعدوا به حينما ألحقوا بسلطات حكومة مركزية في بغداد في اوائل العشرينيات من القرن الماضي. تلك الاتحادية ستبدو مختلفة في مشهد عراقي، لكن في مثل هذا الحل ربما يكمن الخلاص للعراق. لقد تعرض أبناء الشمال العراقي لنكران العهود مراراً في تاريخهم الحديث، وهذا التاريخ المريع قد أفرز في نفوسهم عادات العصيان والاقتتال بين الأخوة. غير أننا يجب أن نعترف بما بناه ابناء الشمال العراقي على مدى العقد الماضي في أرض آبائهم وأجدادهم، على الرغم من أن ذلك إنما أتى بفضل الحماية الأنجلو ـ اميركية. لقد ازدهر الشمال العراقي ونيران الصراع المزمن بين زعيمي الحرب الرئيسيين فيها، مسعود برزاني وجلال طالباني، تبدو وقد خمدت. وهناك محاولة للشروع في حياة برلمانية. غير أن هذا الانجاز هش، ويمكن أن يتداعى، إنما برعاية قوتين حذرتين ومتعاديتين، هما إيران وتركيا، يبدو أبناء الشمال العراقي مسيطرين على المنطقة التي يحكمونها وتتكون هذه المنطقة من 10 في المئة من الاراضي العراقية وتؤي 15 في المئة من سكان العراق. إن الروح التي أدت لإرساء دولة العراق في العشرينيات من القرن العشرين يمكن أن تكون سارية حتى الآن، لكن بشرط ان يكون العراق الجديد عراقا مختلفا. إن بلد تعددية حقيقية، وثقافة لها صلاتها مع إيران وتركيا وسوريا وشبه الجزيرة العربية، ووراثة أربعة عقود من الوصاية البريطانية قد اوقعت العالم العربي ضحية فكرة فظة ونزوع قبلي قاسٍ. هذه الثنائية ستكون على المحك وتستنزف إذا ما توصلت جموع ابناء العراق المختلفة إلى واقع شعبي متسامح. كما أن «ملكية» عراق جديد يجب أن تكون ملكية مشتركة، وهدمها يجب أن يكون عقداً اجتماعياً وسياسياً جديداً بين الحكومة والمجتمع وبين الطوائف الرئيسية في البلاد. غير أن العراق، شأنه أيام الاستعمار البريطاني، سيوفر مرآة للقوة الأميركية أيضا. إذ ستكون السيطرة الأميركية الجديدة في العراق محط مراقبة يقظة من كل العيون. فهناك عرب سيرون أن أوطانهم تعود لربقة الاستعمار من جديد. وهناك عروبيون سيجزمون بأن العراق قد سلب من «الأيادي العربية» وجعل أكثر ضعفاً في مواجهة تركيا وإيران وهما القوتان المجاورتان غير العربيتين. وهناك أوروبيون سيبحثون عن الشروخ في سلوك القوة العظيمة البعيدة. غير أن القرار المهم سيتخذ في الولايات المتحدة نفسها، بعد حساب تكاليف وأرباح اللعب الامبريالي. لقد حل أجل الامبراطورية البريطانية في العراق حينما أنهكت، إذ في عشية احتلال المملكة المتحدة للعراق كان ناتجها الاجمالي القومي يعادل 8 في المئة من الناتج العالمي، فيما الناتج الاجمالي الأميركي اليوم أكثر من ذلك بثلاثة أضعاف. إن بمقدور اميركا ان توفر تكاليف لعبها لدور كبير في العراق وما حوله. غير أن توفر الرغبة والاهتمام بلعب هذا الدور يظل مسألة اخرى بالكامل. إن العالم العربي يمكن أن يقزم أو حتى يجهض اي نصر أميركي. فهذا المشهد السياسي الذي نتحدث عنه صعب وربما يستحيل التعامل معه. كما أنه قد يرفض أي رسالة إصلاحية باللعب على آثام المرسل الأميركي. فهناك مهارب لا حصر لها متاحة لهذا العالم العربي. إذ يستطيع أن يستذكر غضبة العنف الفلسطيني ـ الإسرائيلي ويستخدمها ذريعة للمزيد من الشفقة على الذات والغضب. ويستطيع ايضا ان يخرس أي اصلاحيين محتملين من بنيه ويصنفهم في خانة العملاء للهجمة الاجنبية. ويستطيع ان يلقي بدفاعاته وينتظر الولايات المتحدة ان تشعر بالقلق من حملتها. اذن، سيكون خوض الحرب محكوماً بحذر ثقيل. لكن علينا استذكار ان يوليوس قيصر اجتاز نهر الروبيكون الفاصل بين روما وتابعياتها مشعلاً حربا أهلية جعلته سيد الامبراطورية الرومانية. إن أي عواقب محتملة للحرب ستصبح هزيلة الشأن حين مقارنتها بعواقب مضي أميركا إلى شفير الحرب ثم الإحجام عن خوضها تاركة الرئيس العراقي ليضع شروط هدنة أخرى. إنه قدر القوى العظمى التي توفر النظام أن تفعل ذلك في مشهد يحصل فيه العالم على الحماية فيما يئن تظلماً من ثقل يد حاميه. والحملة الجديدة المنتظرة على بلاد الرافدين لن تكون استثناء عن هذه القاعدة. بقلم: فؤاد عجمي _ ترجمة : جلال الخليل _ عن «فورين أفيرز»